صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 08 جوان 2012- جهنّم

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 08 جوان 2012- جهنّم طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

الإمام : خالد التّلمودي                                                                                                                                                                                                                                                           التّأريخ : 08ـ 06ـ 2012

جامع الصّبر بخزامة الغربيّة                                                                                                                     18ـ رجب ـ 1433

 

 

                       جــــــــــهنّــــــــــــم

 

الحمد لله نحمده تعالى ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كلّ على شيء قدير، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره الكافرون ،وأصلّي وأسلّم على المبعوث رحمة للعالمين هاديا ومبشّرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وعلى آله وأصحابه الطّيبين الطّاهرين ومن والاهم بإحسان إلى يوم الدّين .. فصلّوا عليه وسلّموا تسليما واتّقوا الله حقّ تقاته واتّقوا النّار التي وقوده النّاس والحجارة ولا تموتنّ إلاّ وانتم مسلمون.

أيّها الإخوة الكرام ، إنّنا في فصل الصّيف ، فصل تشتدّ فيه الحرارة ، ويتعرّق النّاس ،ويلوذون بالظّلال حيثما كانت ، وبالمكيّفات حيثما وجدت ، وما هذه الحرارة المحتملة ، التي نجد لها حلاّ في الدّنيا ،إلاّ تذكير بحرارة هي الأشدّ والأدوم ، حرارة جهنّم والعياذ بالله ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن شدة الحر من فيح جهنم، وهذا حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يثبت ويبرهن أن ما نحس به من حرارة في هذا الصيف إنما مصدره ومبعثه جهنم، ولا شك أن هذا شيء حقيقيّ ليس بمجاز؛ فإنه حديث الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الذي قال: (إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم) ومعنى أبردوا عن الصلاة، أي: أخروا صلاة الظهر عن أول وقتها حتى تنكسر شدة الحر الذي يكون من أسباب التشويش على المصلي وقلة الخشوع.وكما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري رحمه الله: (قالت النار: ربِ أكل بعضي بعضاً، فأذن لي أن أتنفس، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم، وما وجدتم من حر أو من حرور فمن نفس جهنم) رواه البخاري .

وها أنّ رمضان على الأبواب ، يتوسّط فصل الصّيف ، يطول نهاره ( ما يزيد على 15ساعة) نترك فيه الأكل والشّرب وما لذّ وطاب احتسابا لله ،وتكون فيه الأخت المسلمة ،متستّرة بحجابها ، امتثالا لأمر الله ،فإذا قيل لها :ألا تخشين شدّة الحرارة؟ أجابت :" نار جهنّم أشدّ حرّا" في حين أنّ غيرها يزداد عريا وتفسّخا وانفلاتا، ويتعلّل ضعاف الإيمان بطول يوم الصّيام ، حتّى ينتهكو حرمة رمضان ،بل منهم من يعلن ذلك فسقا وفجورا ، بل حتّى استخفافا بالصّائمين القائمين ، هؤلاء ليس عليهم ردّ إلاّ قول العزيز الجبّار :لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد   [آل عمران:197].

فهل يعلم هؤلاء ماهي جهنّم؟ وماذا نعرف نحن عنها؟ إنّها تذكرة لمن أراد أن يذكّر:إنّها جهنّم ، مجرّد ذكر اسمها يوحي بلهبها وزمهريرها وسعيرها ، تقشعرّ الجلود لمجرّد سماع هذا الاسم ، وترتجف القلوب لوقع حروفها على أسماعنا ، فماذا عن بعض أسمائها؟
أ/ الهاوية   فأما من خفت موازينه فأمه هاوية   [القارعة:8-9]. قال ابن زيد:(الهاوية النار هي أمه ومأواه التي يرجع إليها
ب/ الحطمة:  كلا لينبذن في الحطمة  [الهمزة:4]. قال ابن كثير: (لأنها تحطم من فيها
ج/ لظى:   كلا إنها لظى نزاعة للشوى   [المعارج:15-16]. فهي تتلظى وتلتهب وتحرق جلدة الرأس وهي الشوى وقيل الجلود والهام وقال الضحاك: (تبري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئا

فما حال أهلها فيها ؟
-
الداخل إليها لا يموت فيستريح ولا يحيي حياة طيبة:   ثم لا يموت فيها ولا يحي   [الأعلى:13].   لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها   [فاطر:36]. وعند ذاك يكون الموت أمنية الداخلين، الموت الذي كان أبغض شيء لهم في الحياة يصير أمنية يتمنونها:   ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون   [الزخرف:77].

فلماذا جنهم؟: إنّها من تمام العدل الإلهيّ، فلا بد من وجود جنهم حتى لا يمضي الظالم من غير عقاب، فإذا ما اختلت موازين العدالة في الأرض فإن موازين السماء ثابتة لا تعبث بها الأهواء والمصالح والأموال والوساطات:   ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا   [الأنبياء:47]. فكم من النّاس ظلموا وسرقوا ونهبوا وقتلوا واغتابوا،وأكلوا أموال النّاس بالباطل وإن يكن مثقال حبّة ، وإن مثقال ذرّة ،أتى الله بها فهو الحسيب وهو الرّقيب،حتى يتشفى قلب المؤمن من الطغاة والظلمة الذين سفكوا وقتلوا ونهبوا وحادوا بالأمة عن منهج ربها، ومثلوا دور الأمناء وهم الخونة، والصادقين وهم الكذبة والعليّة وهم السفلة.وحتّى يأخذ كلّ ذي حقّ حقّه ،ويوم القيامة هو يوم العدل والقصاص، سخرية تقابلها سخرية: ففي الدّنيا: "إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون  المطففين:29]. ويوم القيامة  فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون  المطففين :34].وعذاب يقابله عذاب  إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق   البروج:10]. وشتّان بين عذاب العباد وعذاب رب العباد للعباد. 
وما صفة جهنم:؟ 
مادة وقودها   فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة  البقرة:24]. والوقود هو ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، فوقود جهنم هم الداخلون إليها، فكلما دخلها فوج تأججت وازدادت لهيبا. 
عمقها:حديث ابن مسعود: سمعنا وجبة (أي صوتا شديدا) فقلنا ما هذه؟ فقال رسول الله  : هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها.
لونها: للحديث": أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يضيء لهبها."
حرارتها: وللحديث: إنها لجزء (أي نارنا) من سبعين جزءا من نار جهنم وما وصلت إليكم حتى نضحت مرتين بالماء لتضيء لكم.
طعامها وشرابها: للحديث: ((لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم" فكيف بمن يكون طعامه؟   وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه   الكهف:29]. والمهل الماء الأسود المنتن الغليظ الحار. قال سعيد ابن جبير: (إذا جاع أهل النار استغاثوا فأغيثوا بشجرة الزقوم، فيأكلون فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حرّه، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حرّه لحوم وجوههم.
ثيابهم:قال تعالى: هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصبّ من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود[الحج:-30]. قال سعيد بن جبير: فصّلت لهم مقطّعات من النار من نحاس وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي. وفي الحديث: ((إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه -وهو الصهر- ثم يعاد كما كان.
عميان أهلها:   ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم   [الإسراء:97]. وعن أنس  : ((قيل يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: الذي أمشاههم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم.
أقل أهل النار عذابا: للحديث:"إن أهون أهل النار عذابا رجل في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل بالقمقم." والقمقم ما يسخن به الماء من نحاس وغيره. 

اللهمّ آمنّا بك وبنبيّك صلّى الله عليه وسلّم وبما جاء في كتابك ، وشهدنا أنّ جهنّم حقّا فلا تحرقنا بنارها ، وحرّم وجوهنا عنها  يا عزيز يا غفّار  ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله .