صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 06 جويلية 2012 محـــبّة الــــله لعبـــــاده

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 06 جويلية 2012 محـــبّة الــــله لعبـــــاده طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

الإمام : خالد التّلمودي                                                                                                                                                                                                                                                           التّأريخ : 06 ـ 07 ـ 2012

جامع الصّبر بخزامة الغربيّة                                                                                                                     16 شعبان ـ 1433

 

 

محـــبّة الــــله لعبـــــاده

 

الحمد لله نحمده تعالى ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كلّ على شيء قدير، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره الكافرون ، والصلاة والسلام على من رفعت به منارة الإسلام وحطمت به دولة الأصنام , وفرضت به الصلاة والصيام ،خير من سجد وقام ,رسول البشرية .......زعزع كيان الوثنية صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا 

اللهم يا مؤنس القلوب ...ويا ساتر العيوب  اللهم أسألك باسمك الأعظم ...ووجهك الكريم  كما جمعتنا في هذا المكان الطيب الطاهر على طاعتك ومحبتك  أن تجمعنا مع سيد الدعاة والمجاهدين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  إخوانا على سرر متقابلين

عباد الله : خير ما أفتتح به هو وصية الله سبحــانه وتعالى للأولين والآخرين  :"ولَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ" فأوصي نفسي الخاطئة  وإيّاكم بتقوى الله....

أما بعد : إن الله جل وعلا إذا أحبّ عبداً من عباده ..قرّبه وأدناه ..وفتح له باب الخيرات والبركات  فَحبُّ الله جل وعلا... لعبدٍ من عبيده ..أمر عظيم... 
يقول ابن القيم رحمه الله كلاما بمعناه " ليس العجيب.. أننا نحب الله تبارك وتعالى ،ليس بعجيب أن الفقير يُحب الغني ...وأن الذليل يُحب العزيز ،  فالنفس مجبولة على حبِ من أنعم عليها ...وتفضل عليها بالنعم ، لكن العجيب.... من ملكٍ ...يحب رعيته ...ويحب عباده ويتفضل عليهم... بسائر النعم "

فحب الله لعبدٍ من عبيده .....أمر عظيم.. إذا أحب الله عبدا نادى جبريل ...إني قد أحببت فلانا ....قال فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض .....فذلك قوله تعالى : )سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا )

أخي المؤمن عليك ان تتصوّر هذا الموقف العظيم ، ربّ السّماوات والأرضين ينادي  جبريل :يا جبريل).. من جبريل )؟ أمين السماء وسيد الملائكة ..الذي انزل الوحي على سيّد الخلق ، يقول له المولى عزّ وجلّ :إنّـي أحبُّ فلانْ..باسمك يا عبد الله ..باسمك يا أمة الله ..فسبحانه ما أعظمه..وسبحانه ما أكرمه  ،ومن الذي ينادي إنه الله العظيم..الملك ..الجليل ....الذي نعبده ....؟ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) من الذي ينادي إنه الله العظيم.. الله .. (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ... وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)فينادي العظيم ...إنّـي أحبُّ فلانْ..سبحانه ما أعظمه !! .. 
فإذا أحب الله عبـدا.." مالذي يحصل ؟

اللهم اجعلنا منهم ،.. ان الله يحب فلان... فأحبوه ...فتحبه الملائكة ....و كلُ من في السماء ...فيستغفرون له ... ويدعون له في كل يوم،  فيوضع له القبول في الأرض
(
فلنقرأ الآية مرّة أخرى، بوعي هذه المرّة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) أي وداً في الأرض وقبولاً في الأرض. محبة في قلوب الناس ،،إنّه الوعد الإلهي المقدّم كجائزة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات وفق إيمانهم ،هم الذين ربطوا الصّلة بين الإيمان والعمل  هؤلاء  :سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) إنّه لأمر عظيم ، لاسيما وأننا نعلم أن الله حينما يمتن على أحد من عباده بشئ، فلا بدّ أن يكون ذلك الشيء عظيمًا؟ إنّها نعمة إلهية عظيمة تأتي كجائزة مهداة من الله لصفوة عباده. 

ـ ولكن كيف يتحقق هذا الجعل الإلهي؟  يمكن تصور ذلك بنحوين: 

الأول: الجعل الغيبي: أيّ أن الله سبحانه وتعالى سيجعل القلوب منجذبة إليهم، بتدخل غيبي، تماماً مثلما تتدخل يد الغيب لتدفع عنك بلاءً أو لتطيل عمرك أو لتعطيك رزقاً لم تكن تتوقعه استنادا لنداء الله لجبريل الآنف الذّكر . وما حب الله لعبد من عباده إلا لأنه يستحق المحبة، لصفاء قلبه، وطهارة نفسه، ولسلامة عمله. 
ـ هذا هو التأثير الغيبي، حيث يجعل الله سبحانه له جاذبية فتنجذب نحوه القلوب والنفوس في الأرض. 

الثاني: النحو الآخر الذي يمكن أن نفهم به هذا الجعل: أن طبيعة الروح العالية والنية الصافية والطيبة والأخلاق الرفيعة والمصداقية والعطاء والعمل الصالح وخدمة الناس والتواضع كلها أمور تجعل الإنسان في موقعيّة المحبوب عند الناس، وفي الحديث : (جُبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها). 
ـ وقد يسأل البعض أنك قد ترى إنساناً مؤمناً من أهل المساجد آثار العبادة بادية عليه، إلا أن النفوس لا تنجذب إليه، بل قد تجد الناس يتحاشون الاختلاط به والتعامل معه،أو حتّى مجرّد الحديث، فكيف يمكن التوفيق بين الآية وبين هذه الحقيقة العملية؟

ـ والجواب واضح، فالإيمان الحقيقي حين يقترن بالعمل الصالح يفترض بذلك أن يتحقق التغيير في الشخصية بالمستوى الذي يزرع فيها دماثة الخلق والطيبة والسمعة الطيبة وصفاء الروح وصدق النيات وخدمة الناس وغير ذلك، ومشكلة البعض أنهم يتعاملون مع الإيمان والعبادة في بعدها الفردي الذي يريدون من خلاله أن يضمنوا الجنة وكفى، وأما البعد الاجتماعي من الإيمان والعمل الصالح فهو غائب عنهم، الأمر الذي ينعكس لاحقاً على موقف الناس منهم. ذلك أنّ الدّين المعاملة ومخالطة النّاس والصّبر عليهم وعلى اذاهم ، أليس هذا هو خلق النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم ؟

ـ فالآية في نفس الوقت الذي تستعرض فيه المنّ الإلهي بهذه النعم،  تقدم لنا الصورة الصحيحة للمؤمن الذي يعمل الصالحات و تقرر أن تغلغل مودته في قلوب الناس يغدو معياراً من معايير التقييم لديه عن إيمانه وعمله الصالح وتدفع الإنسان المؤمن لكي يطلب مودة الآخرين بما يوجبها، وفي الحديث النبوي: (رأس العقل: الإيمان بالله والتودّد إلى الناس) كل الناس، لا للمؤمنين فقط.. لا بشكل مصطنع بحيث تحمل الكراهية في نفسك وتصطنع المودة.. ولا بشكل مصلحي بحيث تسعى من ورائه لنيل أصواتهم الانتخابية مثلاً.. وهذا ما علّمنا إيّاه صفوة الخلق  ، الرّحمة المهداة للعالمين، في تعامله مع سائر النّاس بما في ذلك أعداء الإسلام .......وعندما تتحقق هذه المودة تكون بمثابة من اكتسب قرابة جديدة، أي أضفت رصيداً في أقربائك الذين هم عضدك في الحياة، فعن علي(ع): (المودة قرابة مستفادة). وفي نص آخر: (المودة أقرب رحم). 

 هذا هو أحد الكنوز التي يبحث الإنسان المؤمن عنها في حياته ليضيفها إلى رصيد ممتلكاته،

اللهم فلا تدع خصلة تعاب منّا إلا اصلحتها، و لا عائبة نؤنب بها إلا حسّنتها، و لا أكرومة فينا ناقصة إلا اتممتها. ، وأبدلنا من بُغضة أهل الشنآن المحبة، ومن حسد أهل البغي المودة، ومن ظِنَة أهل الصلاح الثقة، و من عداوة الأدنين الولاية، ومن عقوق ذوي الأرحام المبرة، ومن خذلان الأقربين النصرة، و من مرارة خوف الظالمين حلاوة الأمن .

الخطبة الثّانية

 

الحمدُ للهِ الذي أنشأَ وبَرَا،... وخلقَ الماءَ والثَّرى، ...وأبْدَعَ كلَّ شَيْء وذَرَا، 
ولا يَعْزُبُ عن علمه مثقالُ ذرةٍ في الأرض ولاَ في السَّماء،
حبيب الطائعين،.... وملاذ الهاربين....، وملجأ الملتجيئن.....، وأمان الخائفين....، 
يحب التوابين ويحب المتطهرين..وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله , 
أرسله ربه هاديا ومبشرا ونذيرا ...وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا 

أيا عبد الله ..أيا أمة الله ...هل حملتم هذا الهمّ.. بعدما ذكرت ،،،همّ أن يذكر اسمك في السماء ؟! هل دعوت الله وقلت .....اللهم اجعلني ممن تذكرهم في سماءك ؟!
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
((
ما من عبد إلا و له صيت في السماء ،... فإن كان صيته في السماء حسناً ، 
وضع في الأرض ،.... و إن كان صيته في السماء سيئاً وضع في الأرض ))

وهل تعرف كيف يحبّك الله ؟ وكيف يزداد حبّه لك ؟ الأمر الأوّل والذي ذكرت في الخطبة الأولى : ربط الإيمان بالعمل الصّالح ، والأمر الثّاني : هو التّقرّب إلى الله بالنّوافل كما ورد في الحديث القدسي المشهور، يقول جل وعلا ..: ((وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ..... حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ ..كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ...وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا..وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَلئنْ سَأَلَنِي ....لَأُعْطِيَنَّهُ ....وَلَئِنْ ......اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّه ))

وها نحن مقبلون على شهر الصّيام والطّاعات والقربات ،شهر يقبل النّاس فيه على مولاهم ويدبرون عن إبليس ، شهر القيام والمبرّات  ، شهر القرآن يتذوّق النّاس فيه حلاوة الإيمان بسبب القرب من الله عزّ وجلّ ، فيتذوّقون فيه محبّة الله لهم ، وقد كان بن عمر يدعو ويقول :"اللهم اجعلني ممن يحبك" وفي ذلك إشارة إلى ضرورة أن نسأل الله محبّته،،،  كما سئل الجنيد رحمه الله.. ما هي صفات من يحب الله ؟ فقال : هو عبد ذاهب عن نفسه..متصل بربه  ،إن تكلم فعن الله.. وإن سكت فمع الله ...وإن تحرك فبأمر الله .. وإن نطق فبالله ومع الله.
فيا أيّها المؤمنون والمؤمنات هل أنا وأنت... ؟! ممن يحبون الله ؟! بحسب هذه المواصفات ؟



نحمد الله تعالى أن جمعنا في بيته وعلى دينه وعلى كلمته ونحمد الله أن بلّغنا شعبان وهانحن مقبلون على رمضان ، فالحمد لله على كلّ شيء ، هذا وصلوا وسلّموا على خير خلق الله كما أمركم ربّكم فقال :" ....انَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً " الهمّ صلّ وسلّم
اللهم إنا نسألك توبة نصوحاً قبل الموت ..وشهادة عند الموت ..ورحمة بعد الموت ..يا ربّ العالمين

اللهم اجعلنا من التوابين ..واجعلنا من المتطهرين ....الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا .....، كره إلينا الكفر والفسوق والعصيان  اجعلنا يا ربنا من الراشدين ..اللهم اجعل خير أعمارنا أخرها  وخير أعمالنا خواتيمها ، .....وخير أيامنا يوم نلقاك ..اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا و لا مبلغ علمنا ..اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين .. اللهم نوّر على أهل القبور قبورهم.. اللهم اغفر لهم ، وارحمهم ،..... ويسر أمورهم ..وارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه....