صفحة الاستقبال مكتبة المدرّس التفسير والتأويل - تاريخه ومشروعيته

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

التفسير والتأويل - تاريخه ومشروعيته PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: الأستاذة مديحة شقشوق   
الأربعاء, 16 تموز/يوليو 2008 07:35

التفسير والتأويل : تاريخه ومشروعيَته        -  الأستاذة مديحة شقشوق 

«لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودعه الله في آية من كتابه لأنَه كلام الله ، وكلامه صفته ، وكما أنَ ليس للَه نهاية فكذلك لا نهاية لفهم كلامه ، وإنَما يفهم كلاَ بمقدار ما يفتح عليه»   سهل بن عبد الله التستري


1. مدخل : في التفسير والتأويل

1– التفسير :    التفسير لغة : هو الإيضاح والتبيين ، ومنه قوله تعالى في سورة الفرقان – 33 – " ولا يأتونك بمثل إلاَ جئناك بالحقَ وأحسن تفسيرا " أي بيانا وتفصيلا .   واصطلاحا : عرفه العلماء بتعاريف مختلفة من جهة اللفظ ، ولكنَها متَحدة من جهة المعنى وما تهدف إليه ، إذ أنَها تتَفق على أنَ التفسير هو علم يبحث فيه عن مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشريَة ، فهو شامل لكلَ ما يتوقَف عليه فهم المعنى وبيان المراد

2 – التأويل :    أمَا التأويل فهو مرادف للتفسير في أشهر معانيه اللغويَة ، قال صاحب القاموس " أوَل الكلام تأويلا وتأوَله : دبَره وقدَره وفسَره " ، وقال ابن منظور " آل الشيء يؤول أولا ومآلا رجع ... وأوَل الكلام وتأوَله دبَره وقدَره وأوَله وتأوَله فسَره "     والناظر في القرآن الكريم يجد أنَ لفظ التأويل قد ورد في كثير من آياته على معان مختلفة ، من ذلك :  قوله تعالى في سورة آل عمران – 7 – " فأمَا الذين في قلوبهم زيغ فيتَبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وما يعلم تأويله إلاَ الله ..." فهو في هذه الآية بمعنى التفسير والتعيين وقوله تعالى في سورة النساء – 59 –  " فإن تنازعتم في شيء فردَوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا " فهو في هذه الآية بمعنى العاقبة والمصير وقال تعالى " هل ينظرون إلاَ تأويله ، يوم يأتي تأويله ... " الأعراف 53 وقال في سورة يونس – 39 –" بل كذَبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولمَا يأتهم تأويله ... " فهو في هاتين الآيتين بمعنى وقوع المخبر به وقال " وكذلك يجتبيك ربَك ويعلَمك من تأويل الأحاديث "  يوسف 6 وقال على لسان يوسف " قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلاَ نبَأتكما بتأويله ... " يوسف 27 وقال " وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ... " يوسف 44 وقال " أنا أنبَئكم بتأويله " يوسف 45 وقال " هذا تأويل رؤياي من قبل " يوسف 100 فالمراد به في كلَ هذه الآيات نفس مدلول الرؤيا وقال " سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا " الكهف 78 وقال " ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا " الكهف 82    فمراده بالتأويل هنا تأويل الأعمال التي أتى بها الخضر من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار وبيان السبب الحامل عليها ، وليس المراد منه تأويل الأقوال    

أمَا التأويل في الاصطلاح : فبعضهم يرى أنَه مرادف للتفسير ، وعلى هذا فالنسبة بينهما التساوي ، وهذا المعنى هو الشائع عند المتقدَمين وعلى رأسهم الإمام الطبري الذي التزم في تفسيره جامع البيان بقوله عند تفسير الآية " وتأويل الآية عندي "    أمَا عند المتأخَرين من الأصوليين والفقهاء والمتكلَمين والمحدَثين فالتأويل عندهم هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به ، وهذا هو التأويل الذي يتكلَمون عنه في أصول الفقه وعلم الخلاف ، فإذا قال أحد منهم : هذا الحديث أو هذا النصَ مؤوَل أو هو محمول على كذا ، قيل له : هذا نوع تأويل ، والتأويل يحتاج إلى دليل    وعند التحقيق يتبيَن أنَ التفرقة أدقَ وإن اتَفقا لغة واستعمالا عند بعض المفسَرين     وبناء على ما تقدَم فإنَ المتأوَل على هذا المعنى مطالب بأمرين : الأوَل : أن يبيَن احتمال اللفظ للمعنى الذي حمله عليه وادَعى أنَه المراد الثاني : أن يبيَن الدليل الذي أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح

3 – الفرق بين التفسير والتأويل والنسبة بينهما :   

اختلف العلماء في بيان الفرق بين التفسير والتأويل وفي تحديد النسبة بينهما اختلافا نتجت عنه أقوال كثيرة ، وكأنَ التفرقة بين التفسير والتأويل أمر معضل استعصى حاله على كثير من الناس ، حتَى قال ابن حبيب النيسابوري : " نبغ فـي زماننـا مفسَـرون لـو سئلوا عـن الفـرق بيـن التفسيـر والتأويـل ما اهتدوا إليه " ( الإتقان 2 / 173  )     وليس بعيدا أن يكون منشأ هذا الخلاف هو ما ذهب إليه الأستاذ أمين الخولي حيث يقول " وأحسب أنَ منشأ هذا كلَه هو استعمال القرآن لكلمة التأويل ، ثمَ ذهاب الأصوليين إلى اصطلاح خاصَ فيها ، مع شيوع الكلمة على ألسنة المتكلَمين من أصحاب المقالات والمذاهب " التفسير معالم حياته (دائرة المعارف 6 / 348 ، مادة التفسير )     وقد أفاض السيوطي في كتابه الإتقان في هذا البحث ونقل الأقوال الكثيرة عن العلماء ، والذي تميل إليه النفس من هذه الأقوال هو : أنَ التفسير ما كان راجعا إلى بيان اللفظ عن طريق الرواية  ، والتأويل ما كان راجعا إلى بيان اللفظ عن طريق الدراية ، أو التفسير هو بيان المعاني التي تستفاد من وضع العبارة ، والتأويل هو بيان المعاني التي تستفاد بطريق الإشارة ،  وذلك لأنَ التفسير معناه الكشف والبيان ، والكشف عن مراد الله تعالى لا نجزم به إلاَ إذا ورد عن رسول الله صلَى الله عليه وسلَم أو عن بعض أصحابه الذين شهدوا نزول الوحي وعلموا ما أحاط به من حوادث ووقائع    وأمَا التأويل فملحوظ فيه ترجيح أحد محتملات اللفظ بالدليل ، والترجيح يعتمد على الاجتهاد ، ويتوصَل إليه بمعرفة مفردات الألفاظ ومدلولاتها في لغة العرب واستعمالها بحسب السياق ومعرفة الأساليب العربيَة واستنباط المعاني من كلَ ذلك    وفي ذلك يقول بدر الدين الزركشي " وكان السبب في اصطلاح كثير من العلماء على التفرقة بين التفسير والتأويل هو التمييز بين المنقول والمستنبط ، ليحيل على الاعتماد في المنقول وعلى النظر في المستنبط  (الإتقان 2 / 173 )   -

1 - التفسير والتأويل : نشأة وتاريخا  

من خلال الاستقراء يمكن أن نقسَم مراحل النشأة والتطوَر إلى أربع مراحل : * المرحلة الأولى : التفسير في عهد النبيَ صلَى الله عليه وسلَم وأصحابه   وقد كان الصحابة في هذا العصر يعتمدون في تفسيرهم القرآن على ثلاثة مصادر رئيسيَة ، هي :

 أ – القرآن الكريم : ذلك أنَ القرآن قد اشتمل على الإيجاز والإطناب ، وعلى الإجمال والتبيين ، وعلى الإطلاق والتقييد ، وعلى العموم والخصوص ، فما أوجز في مكان قد يبسط في مكان آخر ، وما أجمل في موضع قد يبيَن في موضع آخر ، وما جاء مطلقا في ناحية قد يلحقه التقييد في ناحية أخرى ، وما كان عامَا في آية قد يدخله التخصيص في آية أخرى ، وهذا من قبيل تفسير القرآن بالقرآن

ب – السنَة النبويَة : وهي المصدر الثاني الذي يرجع إليه الصحابة في تفسيرهم لكتاب الله لأنَ وظيفة السنَة البيان كما قال تعالى " وأنزلنا إليك الذكر لتبيَن للناس ما نزَل إليهم ولعلَهم يتفكَرون " النحل 44   والذي يعود إلى كتب السنَة النبويَة يجد أنَها قد أفردت للتفسير بابا من الأبواب التي اشتملت عليها ، ذكرت فيه كثيرا من التفسير المأثور عن رسول الله ، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان عن ابن مسعود قال : لمَا نزلت هذه الآية : " الذين أمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولائك لهم الأمن " ( الأنعام 82 ) شقَ ذلك على الصحابة فقالو : يا رسول الله وأيَنا لا يظلم نفسه ؟ قال : إنَه ليس الذي تعنون ، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح – لقمان – : " إنَ الشرك لظلم عظيم " إنَما هو الشرك

 ج – الاجتهاد وقوَة الاستنباط : ذلك أنَ الصحابة كانوا إذا لم يجدوا في القرآن ولم يتيسَر لهم أخذه عن رسول الله رجعوا في ذلك إلى اجتهادهم وإعمال الرأي    وهذا بالنسبة لما يحتاج إلى نظر واجتهاد ، أمَا ما يمكن فهمه بمجرَد معرفة اللغة فكانوا لا يحتاجون في فهمه إلى إعمال النظر ضرورة أنَهم من خلص العرب    وكان جمع من الصحابة يفسَرون آيات القرآن بطريق الاجتهاد والرأي مستعينين في ذلك بقوَة الفهم وسعة الإدراك ، ذلك أنَ الكثير من آيات القرآن يدقَ معناه ويخفى المراد منه ولا يظهر إلاَ لمن أوتي حظَا من الفهم ، ولقد كان ابن عباس صاحب النصيب الأوفر من ذلك ببركة دعاء النبيَ له ، فقد أخرج البخاري عن ابن عباس أنَ عمر بن الخطاب  : ما تقولون في قوله تعالى " إذا جاء نصر الله والفتح " فقال بعض الصحابة : أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا ،  فقال لي : أكذلك تقول يا ابن عباس ؟ فقلت : لا ، فقال : ما تقول ؟ قلت : هو أجل رسول الله صلَى الله عليه وسلَم أعلمه الله له ، قال : إذا جاء نصر الله والفتح فذلك علامة أجلك ، فسبَح بحمد ربَك واستغفره إنَه كان توَابا ، فقال عمر : لا أعلم منها إلاَ ما تقول

مميَزات التفسير في هذه المرحلة :    ومن مميَزات التفسير في هذه المرحلة :   

 * أنَ القرآن لم يفسَر جميعه ، وإنَما فسَر بعض منه وهو ما خفي فهمه ، وهذا الغموض كان يزداد في كلَ مرحلة كلَما ابتعدنا عن عصر التنزيل   

 * قلَة الاختلاف في فهم معانيه ، والاكتفاء بتوضيح المعنى بأخصر ألفاظه   

 * ندرة الاستنباط الفقهي من الآيات    * عدم التدوين لأنَ التدوين كان بعد القرن الثاني   

 * اتَخذ التفسير في هذه المرحلة شكل الحديث بل كان جزءا منه وفرعا من فروعه

* المرحلة الثانية : التفسير في عصر التابعين :   

اعتمد مفسَرو هذه المرحلة في فهمهم لكتاب الله تعالى على ما جاء في القرآن وعلى ما ورد في سنَة رسول الله وعلى ما رووه عن الصحابة من تفسيرهم ، ثمَ أضافوا إلى ذلك ما فتح الله به عليهم من طريق الاجتهاد والنظر في كتاب الله ، وقد روت لنا كتب التفسير كثيرا من أقوال التابعين في التفسير استنبطوها بطريق الرأي والاجتهاد ولم يصل إلى علمهم شيء فيها عن رسول الله أو عن أحد من الصحابة    وفي هذه المرحلة بدأ ظهور ما يعرف بمدارس التفسير حيث قامت مدرسة للتفسير بمكَة وأخرى بالمدينة وثالثة بالعراق وهذه المدارس الثلاث هي أشهر مدارس التفسير في الأمصار في هذا العهد    وفي ذلك يقول ابن تيميَة " وأمَا التفسير فإنَ أعلم الناس به أهل مكَة لأنَهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس ، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود ، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير , وأخذه عنه أيضا ابنه عبد الرحمان وأخذه عن عبد الرحمان عبد الله بن وهب " (مقدمة في أصول التفسير ص 24  ) 

 مميَزات التفسير في هذه المرحلة :   

 * ظلَ التفسير في هذه المرحلة محتفظا بطابع التلقَي والرواية   

* وبدأ ظهور الخلاف المذهبي مثل قتادة بن دعامة السدوسي الذي ينسب إلى الخوض في القضاء والقدر ، والحسن البصري الذي كان يفسَر القرآن على إثبات القدر ويكفَر من يكذَب به   

 * كثرة الخلاف بين التابعين مقارنة عمَا كان عليه الأمر بين الصحابة   

* دخول كثير من الإسرائيليات في التفسير لكثرة من دخل من أهل الكتاب في الإسلام ، وأكثر من روي عنه في ذلك من مسلمي أهل الكتاب : عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج 

 * المرحلة الثالثة : التفسير في عصر التدوين :     

كان التفسير في المرحلتين السابقتين يتناقل بطريق الرواية ، فالصحابة يروون عن رسول الله كما يروي بعضهم عن بعض ، والتابعون يروون عن الصحابة كما يروي بعضهم عن بعض    وفي هذه المرحلة – تحديدا من منتصف القرن الثاني للهجرة – ابتدأ تدوين التفسير باعتباره بابا من أبواب الأحاديث ، بحيث لم يفرد له تأليف خاص يفسَر القرآن سورة سورة وآية آية من مبدئه إلى منتهاه ، ثمَ انفصل التفسير عن الحديث فأصبح علما قائما بذاته ، ووضع التفسير لكلَ آية من آيات القرآن ورتَب على حسب ترتيب المصحف كما فعل ابن جرير الطبري(-- 310 ه) وابن المنذر النيسابوري(-- 318 ه ) وغيرهما ممَن فسَروا القرآن تفسيرا كاملا ، والملاحظ أنَ كلَ تلك التفاسير كانت مرويَة بالإسناد إلى رسول الله وإلى الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ، ثمَ قام من بعدهم مفسَرون تجاوزوا رواية التفسير بالإسناد ، فاختصروا الأسانيد ونقلوا الأقوال عمَن سبقهم من المفسَرين دون أن يعزوها إلى قائليها ، فالتبس الصحيح بالسقيم  

* المرحلة الرابعة : التفسير منذ عصر التدوين إلى اليوم :   

 هذه المرحلة هي أوسع المراحل وأفسحها ، إذ هي تمتدَ من العصر العباسي إلى يومنا هذا ، وهي مرحلة تجلَى فيها بوضوح امتزاج الفهم العقلي بالتفسير النقلي ، بدأ في شكل محاولات وترجيح لبعض الأقوال على بعض ، ثمَ ما فتئ هذا الإعمال العقلي يزداد ويتضخَم متأثَرا بمختلف المعارف وتنوَع العلوم والآراء ، فاتَجه المفسَرون في تفاسيرهم اتَجاهات متنوَعة وتحكَمت فيهم الاصطلاحات العلميَة والعقائد المذهبيَة حتَى وجد من كتب التفسير ما يجمع أشياء كثيرة لا تكاد تتَصل بالتفسير إلاَ عن بعد  

2 –  مشروعيَة التأويل :   قسَم العلماء التفسير تقسيمات عديدة بحسب الاعتبار الداعي إلى ذلك ، والذي يعنينا من تلك التقسيمات هو ما يتعلَق بموضوعنا ، وهو التفسير بالرواية : ويسمَى تفسير بالمأثور ، والتفسير بالدراية : ويسمَى التفسير بالرأي 

1 –  التفسير بالمأثور :   

 فأمَا التفسير بالمأثور فهو ما جاء في القرآن أو السنَة أو ما صحَ وروده عن الصحابة بيانا لمراد الله تعالى من كتابه ، وإنَما جعلنا تفسير الصحابة من المأثور لأنَهم قد شهدوا الوحي والتنزيل وعاينوا من أسباب النزول ما يكشف لهم النقاب عن معاني الكتاب ، فضلا عن علوَ شأنهم في الفصاحة والبيان ما يمكَنهم من الفهم الصحيح لكلام الله ، وهو ما يجعلهم يوقنون بمراد الله من تنزيله وهداه    وأمَا ما ينقل عن التابعين ففيه حلاف العلماء : فمنهم من اعتبره من المأثور لأنَهم تلقَوه عن الصحابة ، ومنهم من اعتبره من التفسير بالرأي    وفي تفسير الإمام ابن جرير الطبري كثير من النقول عن الصحابة والتابعين في بيان القرآن الكريم ، بيد أنَ الحافظ ابن كثير يقول " إنَ أكثر التفسير بالمأثور قد سرى إلى الروَاة من زنادقة اليهود والفرس ومسلمة أهل الكتاب ، وجلَ ذلك في قصص الرسل مع أقوامهم ، وما يتعلَق بكتبهم ومعجزاتهم ، وفي أمور الغيب من أشراط الساعة وقيامتها وما يكون فيها وبعدها 

  * ضعف الرواية بالمأثور وأسبابه :  

  أمَا تفسير بعض القرآن ببعض ، وتفسير القرآن بالسنَة الصحيحة المرفوعة إلى النبيَ صلَى الله عليه وسلَم ، فلا خلاف في وجاهته وقبوله    وأمَا تفسير القرآن بما يعزى إلى الصحابة والتابعين فإنَه قد تسرَب إليه الخلل وتطرَق إليه الضعف إلى حدَ كاد يفقدنا بكلَ ما روي من ذلك ، حتَى قال الإمام الشافعي " لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلاَ شبيه بمائة حديث " (الإتقان 2 / 189  )     وهذا العدد الذي ذكره الشافعي لا يكاد يذكر أمام ما روي عن ابن عباس من مرويات قد جاوزت الحدَ ، وهذا يدلَ على مبلغ  ما دخل في التفسير النقلي من الروايات المكذوبة التي لا تزال موجودة في كثير من كتب التفسير التي عني أصحابها بجمع شتات الأقوال 2 – التفسير بالرأي :    وأمَا المقصود بالتفسير بالرأي فهو تفسير القرآن بالاجتهاد بعد معرفة المفسَر لكلام العرب ومناحيهم في القول ومعرفته للألفاظ العربيَة ووجوه دلالتها ووقوفه على أسباب النزول ومعرفته بالناسخ والمنسوخ وغير ذلك من الأدوات التي يحتاج إليها المفسَر    وقد ساد اتَجاهان متقابلان في تدرَج التفسير : اتَجاه يتحرَج من القول في القرآن بالرأي ، في مقابل اتَجاه يجيز الخوض في القرآن بالرأي    وقد وقعت بين هذين الاتَجاهين انتقالات تدريجيَة ، فبعد التحرَج بدأ التفسير بالرواية ثمَ كثر واتَسع واشتمل على كثير ممَا لا يوثق به حتَى قال الإمام أحمد بن حنبل : " ثلاثة أمور ليس لها إسناد التفسير والملاحم والمغازي (ابن تيميَة : مقدمة في أصول التفسير ص 22  )   ولعلَ مراده المبالغة تنبيها للأذهان إلى أنَ الصحيح قليل بالنسبة إلى غير الصحيح ، وليس مراده النفي    ثمَ بدأت محاولات امتزاج الفهم العقلي بالتفسير النقلي تزداد حتَى ظهر تفسير الدراية فأظهر ألوانا من التفسير قلَ فيها النقل حتَى قال الغزالي في الإحياء : " التدبَر في قراءة القرآن إعادة النظر في الآية ، والتفهَم أن يستوضح من كلَ آية ما يليق بها كي تتكشف له من الأسرار معان مكنونة لا تتكشف إلاَ للموفَقين " (ابن عاشور : التحرير والتنوير 1 / 29  )    وقال الرازي في تفسير قوله تعالى " وعاشروهن بالمعروف " في سورة النساء " وقد ثبت في أصول الفقه أنَ المتقدَمين إذا ذكروا وجها في تفسير الآية فذلك لا يمنع المتأخَرين من استخراج وجه آخر في تفسيرها وإلاَ لصارت الدقائق التي يستنبطها المتأخَرون في التفسير مردودة ، وذلك لا يقوله إلاَ مقلَد (ابن عاشور : التحرير والتنوير 1 / 29 )     حتَى أنَ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور قد أجاز لمن استجمع بعض العلوم المتعلَقة بالقرآن أن يفسَر من آي القرآن بغير المأثور ، بل جعل عنوان المقدَمة الثالثة من كتابه التحرير والتنوير " في صحَة التفسير بغير المأثور " (ابن عاشور : التحرير والتنوير 1 / 28  )     ويقول في التفسير بالرأي " أراني كما حسبت أثبت ذلك وأبيحه وهل اتَسعت التفاسير وتفننت مستنبطات معاني القرآن إلاَ بما رزقه الذين أوتوا العلم في فهم كتاب الله ، وهل يتحقَق قول علمائنا : إنَ القرآن لا تنقضي عجائبه " إلاَ بازدياد المعاني باتَساع التفسير؟ ولولا ذلك لكان تفسير القرآن مختصرا في ورقات قليلة "       ثمَ قال " وهل استنباط الأحكام التشريعية من القرآن في خلال القرون الثلاثة الأولى من قرون الإسلام إلاَ من قبيل التفسير لآيات القرآن بما لم يسبق تفسيرها به قبل ذلك ؟    ويضيف في هذا الشأن قوله " لو كان التفسير مقصورا على بيان معاني مفردات القرآن من جهة العربيَة لكان تفسيرا نزرا ، ونحن نشاهد كثرة أقوال السلف من الصحابة فمن يليهم في تفسير آيات القرآن وما أكثر ذلك الاستنباط برأيهم وعلمهم     ولا يصحَ كما قال الغزالي والقرطبي أن يكون كلَ ما قاله الصحابة في التفسير مسموعا من النبيَ صلَى الله عليه وسلَم لوجهين : أحدهما : أنَ النبيَ لم يثبت عنه من التفسير إلاَ تفسير آيات قليلة الثاني : أنَ الصحابة اختلفوا في التفسير على وجوه لا يمكن الجمع بينها ، وسماع جميعها من رسول الله محال    فتبيَن قطعا أنَ كلَ مفسَر قال في معنى الآية بما ظهر له باستنباطه    وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي جحيفة قال : قلت لعليَ : هل عندكم شيء من الوحي إلاَ ما في كتاب الله ؟ قال : لا ، والذي فلق الحبَة وبرأ النسمة لا أعلمه إلاَ فهما يعطيه الله رجلا في القرآن ... "    وأمَا الشبهة التي نشأت من الآثار المرويَة في التحذير من تفسير القرآن بالرأي فترجع كما قال الشيخ ابن عاشور إلى أحد خمسة وجوه : (ابن عاشور : التحرير والتنوير 1 / 30  ) أوَلها : القول بمجرَد الرأي دون الاستناد إلى نظر في أدلَة العربيَة ومقاصد الشريعة وتصاريفها ، ومالا بدَ  منه من معرفة الناسخ والمنسوخ وسبب النزول  ثانيها : عدم تدبَر القرآن حقَ تدبَره فيفسَره بما يخطر له دون إحاطة بجوانب الآية ومواد التفسير مقتصرا على بعض الأدلَة دون بعض ثالثها : تأويل القرآن على وفق نزعته أو مذهبه مع صرفه عن المراد بحيث يرغم النصَ على تحمَل ما لا يساعد عليه المعنى المتعارف فيعمل على تطويع النصوص لتقرير رأيه  رابعها : تفسير القرآن برأي يستند إلى مقتضيات اللفظ ويعتبر أنَ هذا الرأي هو المراد دون غيره ، فيضيَق دائرة التأويل خامسها : القصد من التحذير أخذ الحيطة في التدبَر والتأويل تورَعا من الخطأ في كلام الله ، والحقَ أنَ الله ما كلَفنا في غير أصول الاعتقاد بأكثر من حصول الظنَ المستند إلى الأدلَة ، والأدلَة متنوَعة على أنواع المستند فيه   وبناء على ما تقدَم فإنَ الذين جمدوا على القول بالتفسير بالمأثور قد ضيَقوا سعة معاني القرآن وينابيع ما يستنبط من علومه إذ لا ملجأ لهم من الاعتراف بأنَ أئمَة المسلمين من الصحابة فمن بعدهم لم يقصروا أنفسهم على أن يرووا ما بلغهم من تفسير عن النبيَ صلَى الله عليه وسلَم ، فإن أرادوا بالمأثور ما روي عن النبيَ وعن الصحابة خاصَة لم يتَسع ذلك المضيق إلاَ قليلا ولم يغن عن أهل التفسير فتيلا لأنَ أكثر الصحابة لا يؤثر عنهم في التفسير إلاَ شيء قليل سوى ما يروع عن الإمام عليَ على ما فيه من صحيح وضعيف وموضوع ، وما يروى عن ابن عبَاس وكان أكثر ما يروى عنه قولا برأيه على تفاوت بين رواته ، وإن أرادوا بالمأثور ما كان مرويَا قبل تدوين التفاسير الأول مثل ما يروى عن أصحاب ابن عباس وأصحاب ابن مسعود ، فلا محيص من الاعتراف بأنَ التابعين قد اختلفت أقوالهم في معاني آيات كثيرة اختلافا ينبىء إنباء واضحا بأنَهم إنَما تأوَلوا تلك الآيات من أفهامهم    والذي نخلص إليه بعد هذا العرض أنَ الاقتصار على المنقول والجمود عليه تقصير وتفريط  ، ولكن لا يعني هذا أن نجعل النظر في كتاب الله فوضى لكلَ متأوَل في القرآن متلاعب بالنصوص عابث بأصول الدين وكلَياته ، بل الذي نريده هو أن نفرَق بين متأوَل وآخر ، بحيث ننظر هل أنَ هذا التأويل أو ذاك مستساغ أو غير مستساغ وفق ضوابط اللغة وأصول الإسلام المقطوع بها وكلَياته العامَة وبراهين العقل والفكر بحيث يكون المتأوَل ملمَا بجملة من الأدوات لفهم كتاب الله تعصمه من الزلل وتقيه من القول على الله بلا علم ، فنقبل ما هو مستساغ ونرحَب به ولو خالف رأينا ، ونردَ ما هو غير مستساغ في غير تردَد لأنَه ليس أخطر على الإسلام من الذين يتلاعبون بنصوصه ويعبثون بأصوله وتاريخنا على ذلك خير شاهد

 

تاريخ آخر تحديث: الأربعاء, 16 تموز/يوليو 2008 07:50