صفحة الاستقبال مكتبة المدرّس مناهج البحث عند علماء الإسلام
مناهج البحث عند علماء الإسلام PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: نور الدين هميلة والناصر المليح ويونس عطية وكمال بوهلال   
الإثنين, 22 أيلول/سبتمبر 2008 23:56

مناهج البحث عند المسلمين

مداخلة الأساتذة : نور الدين هميلة، يونس عطية ، الناصر المليح ، كمال بوهلال

خلال ندوة "قضايا في التفكير الإسلامي" - إشراف الأستاذ محمد سخّانة، متفقّد المدارس الإعدادية والمعاهد - ماي 2008

التخطيط

المقدّمة : تمهيد عام

& مفهوم المنهج العلمي و أهمّيته :

01 - مفهوم المنهج العلمي:

أ- مفهوم المنهج:

*لغة : *اصطلاحا : * المنهج في الاستعمال القرآني * المنهج في السنّة

ب - مفهوم العلم:

*لغة : *اصطلاحا : * العلم في الاصطلاح القرآني: - المفهوم

- دعوة الإسلام إلى العلم والتعلم

- تكوين العقلية العلمية في القرآن

02 - أهمية المنهج العلمي :

& من مناهج البحث عند علماء الإسلام:

تمهيد عام

01 - المنهج الاستدلالي أو الاستنباطي :

أ - تعريفه : ب- قواعده:

ب - أنواعه : * استدلال مباشر

* استدلال غير مباشر: استقرائي

و قياسي

ج - أمثلة من تطبيقات هذا المنهج:

01 - علم أصول الفقه ( مثال القياسي الأصولي)

02 - طريقة الوصول إلى الأحكام الشرعية: 03 - علم الكلام :

02 - المنهج التجريبي:

1 - تعريف المنهج التجريبي

2 - مراحله :

3 - أمثلة من الاستخدامات

03 - المنهج الاستردادي :

أ- تعريفه ونشأته - الاستردادي الغربي

ب أنواعه : - المنهج التوثيقي ( أنموذج علم الجرح والتعديل)

- المنهج التاريخي( مراحله )

& إسهامات العلماء المسلمين في تطوّر العلوم :

01 - تاريخيّة العلم عند المسلمين:

من علم الفرائض إلى علم الحساب

من مواقيت الصلاة إلى علم الفلك

من بنية النص القرآني إلى علوم اللغة

02 - نماذج من المساهمات في تطوّر العلوم:

أ- الشروط التي ساعدت على تحقيق هذه الإسهامات :

* الحرّية * حركة التّرجمة * عناية الدّولة بالمجهود العلمي

ب-نماذج من العلماء المسلمين : تمهيد صعوبة تصنيف العلماء لطابعهم الموسوعي

01- جابر بن حيان

02 - محمد بن موسى الخوارزمي

03 - الرازي

04 - البيروني

05 - الحسن بن الهيثم

06 - أبو جعفر الخازن

07 - ابن سينا

08 - ابن النفيس:

09 - ابن خلدون

الخاتمة

مناهج البحث عند المسلمين

تمهيد عام

إنّ موضوع مناهج البحث العلمي له أهميّة كبرى في عصرنا الحاضر وذلك للكشف عن الخطوط العريضة التي تنظم البحث العلمي في الإسلام وما تتسم به من أصالة وموضوعية وذلك في ضوء توجيهات القرآن الكريم والسنّة النبوية .

فالعلماء المسلمون كانت لهم الريادة في خلق وتنظير مناهج البحث وتطبيقها على جملة من الميادين مثل استخراج القضايا والأحكام وميدان التجريب والاستقراء في علوم الكون والطبيعة الذي كان القبس الذي أشعل جذوة النهضة العلمية في الحضارة الغربية .

كما أنّ هدفنا في البحث هو إشعار المتعلمين والباحثين بعظمة التوجيه الإسلامي في الحقل العلمي والخلقي على حدّ سواء ، وإطلاعهم على أصالة العقلية الإسلامية وريادة المنهجية العلمية في الإسلام .

كما نأمل بهذا البحث المتواضع أن نعمق لدى تلامذتنا وشبابنا أصالتهم الفكرية والعلمية ، ونعيد إليهم الثقة في أنفسهم وفي تراثهم وفي مناهجهم وأن يكون لهم حافزا على النّهوض من جديد واسترداد ما ضاع منهم ، وبالتالي تتحقق لهم الصدارة و الريادة كما تحققت لأسلافهم العظام .

& مفهوم المنهج العلمي و أهمّيته :

I. - مفهوم المنهج العلمي:

1- مفهوم المنهج:

أ- لغة : جاء في جمهرة اللغة لابن دريد : والنَّهْج: الطريق الواضح، والجمع نهوج و نِهاج، وهو المَنْهَج، والجمع مَناهج

ب - اصطلاحا : هو الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سائر العقل وتحدد عملياته الفكرية حتى يصل إلى نتيجة معلومة .

وعرّفه البعض بأنّه : " فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة إمّا من أجل الكشف عن الحقيقة حين نكون بها جاهلين ، أو البرهنة عليها للآخرين حين نكون بها عارفين "

والمنهج المقصود هنا هو المنهج التأملي الذي يسير فيه العقل سيرا مقصودا وفق خطوات معينة وقواعد معلومة ومحدّدة سلفا بخلاف المنهج التلقائي الذي يسير فيه العقل سيرا فطريا بلا قواعد مسبقة ، فهو وإن كان موصلا للحقيقة إلا أنّه ليس المقصود بالدراسة عند علماء المنهج .

ج - المنهج في الاستعمال القرآني :

وردت الإشارة إليه في موضع واحد عند حديث القرآن عن الكتب السابقة وموقف القرآن منها ، وموقف الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب ، حيث يقول تعالى : {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (48) سورة المائدة يقول ابن عباس رضي الله عنهما : " شرعة ومنهاجا أي سبيلا وسنة ، فالمنهاج هو السبيل أي الطريق الواضح ، والشرعة و الشريعة بمعنى واحد، وشرّع : سنّ . ) تفسير ابن كثير - (ج 3 / ص 129)

د - المنهج في السنة :

جاء بمعنى الشيء الواضح الذي ينبغي السير عليه يقول صلى الله عليه وسلم : " تكون النّبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثمّ تكون خلافة على منهاج النّبوة ... " مسند أحمد - (ج 37 / ص 361)

أي يسلك الخلفاء مسالك النبي وينهجون نهجه ويسيرون على طريقته .

الخلاصة :

كلمة منهج شائعة بكثرة في معاجم اللغة العربية وتعني الطريق الواضح ، وفي بداية عصر النّهضة الأوروبية أخذت الكلمة مدلولا اصطلاحيا يعني أنّها طائفة من القواعد العامة المصوغة من أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم بقدر الإمكان . وليس المنهج هدفا في حد ذاته بل وسيلة للوصول إلى المعرفة العلمية الصحيحة، إذ أنه - كما يقول" بيكون " بمثابة من يقوم بإشعال الشمعة أولا ثم بضوء هذه الشمعة ينكشف لنا الطريق الذي علينا أن نسلكه حتى النهاية " .

2 - مفهوم العلم:

أ- لغة : إنما سمي علما لأنه علامة يهتدي بها العالم إلى ما قد جهله الناس, وهو كالعلم المنصوب في الطريق .

ب - اصطلاحا : عني علماء الإسلام بتحديد العلم وصياغة مفهومه صياغة صناعية, كما عنوا بتعريف النظر والمعرفة والعقل والفكر وما إلى ذلك عناية فائقة في القرنين الرابع والخامس الهجريين خاصة, وذهبوا في ذلك مذاهب متباينة تباين اتجاهاتهم الفكرية ومذاهبهم العقدية والفقهية من اعتزالية وأشعرية....

وأقتصر هاهنا على تعريف أورده الإمام المازري (453 - 536 ه = 1061 - 1141 م) محمد بن علي بن عمر التميمي المازري، أبو عبد الله: محدث، من فقهاء المالكية. نسبته إلى (مازر) Mazzara بجزيرة صقلية، ووفاته بالمهدية. وهو:<< اعتقاد الشيء على ما هو به, مع سكون النفس إليه, إذا وقع عن ضرورة أو دليل >> [1]

وهذا التعريف متقدم جدا ومعاصر, إذ أن بعض المعاصرين يعر فه بما لا يختلف عنه, فهو قد جمع فيه بين أربعة عناصر واضحة: اعتقاد + مطابق + سكون النفس + دليل ضروري أو نظري.

لكن من العسير تحقيق المعنى الاصطلاحي تحقيقا يتفق عليه الباحثون في القديم, وفي عصرنا هذا أيضا, وإن ذهب أبو الحسن اللبان ( علي بن محمد بن نصر، أبو الحسن اللبّان الدَّينَوَري، أحد الجوّالين في الحديث المعتنين في جمعه. منع من الحديث، وكان ذلك في آخر عمره. وتوفي 468 هـ)

إلى عدم الجدوى من تعريفه: لأنه أظهر الأشياء, فلا معنى لحده بما هو أخفى منه .

* ليس المقصود بكلمة العلم هاهنا معناه المعاصر في العلوم الدقيقة فحسب, وإنما الغرض مفهومه العام الذي يشمل كل معرفة منظمة, عقلية منطقية كانت أو حسية تجريبية.

ج - العلم في الاصطلاح القرآني:

* - المفهوم : العلم في القرآن ليس قاصرا على العلم الديني أو الأخروي أو عالم الغيب.

ü فقد استعمل القرآن العلم كما ذكر أبو بكر بن العربي بمعناه المطلق الذي يشمل كل علم: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (78) سورة النحل لا تعلمون شيئا في بداية خروج الإنسان إلى الوجود, وكذلك في أواخر حياته إذا بلغ عتيا أو أرذل العمروكلمة "علم" هاهنا نكرة تفيد العموم المستغرق لعلم كل شيء.

ü واستعمل أيضا في العلم بظاهر الحياة الدنيا بكل جوانبها الطبيعية والإنسانية, أي العالم كله: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } (7) سورة الروم, فهذا العلم الدنيوي مقابل للعلم الأخروي.

ü واستعمل العلم في علم الحساب والفلك : {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (5) سورة يونس

ü واستعمله في معرفة مختلف مظاهر الطبيعة: من الماء والسماء والثمرات والجبال والناس والدواب والأنعام واختلاف ألوانها: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) } سورة فاطر

ü واستعمل في تعليم الشعر: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ } (69) سورة يــس

ü وفي تعليم الكتابة: { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ } (282) سورة البقرة.

ü وفي تأويل الرؤيا:{وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (21) سورة يوسف.

ü وفي تعليم السحر: {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ } (71) سورة طـه.

ü وفي الصناعة : {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} (80) سورة الأنبياء.

ü وفي تعليم البيان أو القدرة اللغوية: {خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} (4) سورة الرحمن.

ü واستعمله في فضيلة العلم الذي ينبغي أن يتصف به القائد السياسي والحربي: { قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (247) سورة البقرة

ü واستعمله في علم الاقتصاد: الذي يؤدي إلى الغنى وكسب الأموال والكنوز, كما قال تعالى على لسان قارون: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي } (78) سورة القصص, وفي علم يوسف بالاقتصاد: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (55) سورة يوسف.

ü وفي تعليم آدم أسماء الأشياء: أي القدرة العقلية على وضع الأسماء للأشياء ومعرفة حقائقها: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (31) سورة البقرة.

ü وفي معرفة المنافقين: من خلال لغتهم: {وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} (30) سورة محمد.

ü واستعمل في تعليم كلاب الصيد والجوارح:{وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ}(4) سورة المائدة.

ü وفي علم منطق الطير: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ } (16) سورة النمل.

حدد القرآن الكريم المصدر الأول للمنهج الإسلامي ـ للعلم أبعادًا ثلاثة:

علم الله المختص به. علم يكشفه الله لأنبيائه. علم يعطيه الله للبشر كافة وهو العلم المادي .

ولها ذا بما أن العلم مصدره الله إذن فلابد أن يلتقي والإيمان عند نقطة واحدة

*- دعوة الإسلام إلى العلم والتعلم: دعوة الإسلام إلى العلم والتعلم, وتنويهه بفضل العلم, ومنزلة العلماء, مما لا يختلف فيه اثنان, ونصوص القرآن الكريم والسنة النبوية في ذلك غزيرة مستفيضة. ولا يوجد دين من الأديان أفاض في الثناء, على العلم وأهله كالإسلام, وحسبنا أن أول آيات نزلت من القرآن نوهت بشأن العلم والتعليم " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) "(العلق: 1ـ5).

والعلم الذي نوه به القرآن, وحفلت به آياته, يشمل كل معرفة تنكشف بها حقائق الأشياء, وتزول به غشاوة الجهل والشك عن عقل الإنسانة

ففي القرآن الكريم آيات أثنت على العلم وأهله, من حيث هو (علم), أي معرفة تنكشف بها حقائق الأشياء, دون النظر إلى كونه علما دينيا أو دنيويا .

*- تكوين العقلية العلمية في القرآن : ومن أعظم ما عني به القرآن في مجالنا: هو تكوين العقلية العلمية من خلال :

1 ـ رفض الظن فى موضع اليقين: كما فى مقام تأسيس العقائد التى تقوم عليها نظرة الإنسان إلى الوجود, أعنى: إلى الله والكون والإنسان والحياة ومن هنا أنكر القرآن على المشركين اتباعهم الظن فى هذه القضايا, وقال عز وجل : {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} (36) سورة يونس. ونجد نفس المعنى في عدة آيات مثل (الأنعام 116)و (الأنعام 148).

2 ـ عدم إتباع الأهواء والعواطف في مجال العلم.

ترفض العقلية العلمية الهوى والعاطفة, فالهوى يعمي ويصم, وإتباع العواطف قد يضلل الإنسان عن الحق, وخصوصا العواطف الهوج, مثل الحب الشديد, والكره الشديد, والغضب الشديد.

ولاغرو أن جاء فى الحديث الصحيح: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" صحيح مسلم - (ج 9 / ص 115) بَاب كَرَاهَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ

ولهذا عاب القرآن على المشركين هذين الأمرين: إتباع الظن وهوي الأنفس معا {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} (23) سورة النجم ونجد نفس المعنى في عدة آيات مثل (الجاثية 23).

3 ـ رفض التقليد الأعمى للآباء والأسلاف:

ترفض العقلية العلمية القرآنية الجمود على ما كان عليه الآباء والأجداد, أو التسليم المطلق لما عليه السلف المعظمون, دون وضعه موضع الاختبار, والنظر إليه فى ضوء العقل, وبميزانه المستقل, فليس من المعقول أن يفكر لنا الأموات ونحن أحياء ففي سورة البقرة يقول تعالي {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) } سورة البقرة

ونجد نفس المعنى في عدة آيات مثل (المائدة 104) و(هود 109) و(الزخرف22، 23، 24 ).

4 ـ رفض التبعية للسادة والكبراء:

ترفض العقلية العلمية القرآنية الجمود شمل المتمثل في تبعية الشعوب والجماهير للسادة والكبراء وأصحاب السلطان والثراء فذمها القرآن وحمل الشعوب وزرها, مع المتبوعين..

يقول القرآن في قصة هود وقومه عاد: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} (59) سورة هود. نجد نفس المعنى في عدة آيات مثل(الأحزاب 66، 67 ، 68).

5 ـ التعبد بالنظر العقلي:

تؤكد العقلية العلمية القرآنية على النظر والتفكر, فالنظر عندها فريضة, والتفكر لديها عبادة.

والقرآن حافل بالآيات التى تحض على النظر, وتدعو إلى التفكر, بأساليب شتي, وصور متنوعة.

يقول تعالي: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} (5) سورة الطارق {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} (24) سورة عبس

نجد نفس المعنى في عدة آيات مثل الغاشية 17, 20) و (ق 10) و (الأعراف 185)......

ولم يكن النظر مقصورا على الأشياء, بل تعداها إلى الأحداث والسنن التى تدل عليها, مثل: سنن الله فى عقوبات المكذبين, وفى تغيير ما بالناس من نعم إذا غيروا ما بأنفسهم من خير. وسنته فى سقوط الأمم رغم عمارتها للأرض وكثرة أعدادها.

6 ـ لاتقبل دعوى بغير برهان :

ترفض العقلية العلمية القرآنية  أي دعوى تدعى بغير برهان علمي, يشهد لها, ويدل على صحتها وصدقها, وما لم يوجد دليل يثبت الدعوى أو القضية المطروحة, فهي فى نظر العقل المسلم مرفوضة ساقطة.

لقد رفض القرآن ما شاع لدي كثير من أرباب الديانات السابقة من قبول الدعاوي العريضة, والمعتقدات الموروثة, دون برهان يدل على صحتها, ولم يرض بمسلك الذين قالوا: " اعتقد وأنت أعمي " ! أو" أغمض عينيك ثم اتبعني " !

نقرأ في ذلك حديث القرآن عن دعاوي أهل الكتاب, وتعقيبه عليها: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (111) سورة البقرة

نجد نفس المعنى في عدة آيات مثل (النمل 64)و (الأنبياء 24) و(الأنعام 143) و (الأنعام 148) و (يونس 68).....

7 ـ رعاية سنن الله فى الكون والمجتمع :

ومن معالم "العقلية العلمية" التى ينشئها القرآن: احترام السنن والقوانين التى أقام الله عليها نظام الكون, ونظام المجتمع, وهي سنن وقوانين لها صفة العموم والشمول, فهي تحكم على الناس جميعا , أبيضهم وأسودهم عربهم وعجمهم, الكل فى ميزانها سواء. كما أن لها صفة الثبات والدوام, فهي لا تتغير ولا تتبدل, وهي تجري على الآخرين كما جرت على الأولين, وتعمل فى عصر سفن الفضاء, عملها فى عصر الجمل سفينة الصحراء.

يقول الله تعالي: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ } (137) سورة آل عمران

نجد نفس المعنى في عدة آيات مثل(الفتح 22, 23).....

II.- أهمية المنهج العلمي :

تعود أهمية المنهج في الإسلام إلى كونه الطريق الآمن في الوصول إلى العلم الصحيح ، وبما أنّ الإسلام أمر بالعلم وشجّع عليه وأثنى على أصحابه وذمّ الجهلة ، فإنّه طالب أيضا بالتثبت والتحقق عند طلبه وأثناء ممارسته ، كما أمر بإقامة الدليل والحجّة علة أية دعوى يدعيها الإنسان ، وكما يقول علماء البحث والمناظرة " إذا كنت ناقلا فالصحّة وأن كنت مدّعيا فالدليل " فمثلا لمّا ادعى المشركون أنّ الملائكة بنات الله ، وحكموا عليهم بالأنوثة طالبهم الله عز وجلّ بالبرهان والدليل على ما يدّعون ، وبيّن أنّ هذا الأمر دليله المشاهدة والمعاينة وهم لم يشاهدوا خلق الملائكة فكيف يحكمون عليهم بالأنوثة ؟ إنّه حكم خاطئ لأنّهم سلكوا فيه مسالك وطرق خاطئة وبنوا حكمهم على التخمين والظّن ، وهذا أمر طريق إثباته يعتمد على المشاهدة والمعاينة حيث يقول الله تعالى {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} (19) سورة الزخرف

لهذا كانت عناية الإسلام بالمناهج كبيرة فهي وسيلة التثبت والتحقق في طلب العلم وبدون المنهج السليم من البحث يحلق الذهن بعيدا وربّما تتحكم فيه الأهواء وبالتالي يظل طريقه الصحيح .

ولا يعتبر الإنسان عالما ما لم يسلك منهجا علميا يحقق به موضوعاته ، فلا يكفي أن يكون هناك عقل سليم بل يجب أن نعرف كيف نستخدمه استخداما سليما على حدّ تعبير "ريني ديكارت " .

وقد أمر الإسلام أولي العقول بالاعتبار فقال تعالى : { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} (2) سورة الحشر والمقصود بالاعتبار كما يؤكد العلماء هو القياس وهو أحد المناهج المستخدمة في توليد الأحكام .

إلى جانب ذلك دعا الإسلام إلى العناية بتوثيق الأخبار فقد طالب اليهود بتوثيق دعواهم حينما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم " تدعي أنّك على ملّة إبراهيم ولكنك تخالف شريعته فأنت تأكل من لحوم الإبل وتشرب من ألبانها وإبراهيم قد حرّمها على نفسه ، فنزل القرآن يكذب اليهود ويبيّن أنّ دعواهم ينقصها التوثيق فهي دعوى كاذبة لأنّها قامت على منهج خاطئ لأنّهم لم يشاهدوا إبراهيم ولم يعاصروه ولم يأتهم نً في التوراة يدلّ على ذلك ، فدعواهم إذن تفتقد المنهجية الصحيحة قال تعالى {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } (93) سورة آل عمران

ومن هنا كانت عناية الإسلام بمنهج توثيق الأخبار كعنايته بمنهج القياس والاستنباط في تفريع الأحكام ومنهج التجريب والمشاهدة في علوم الكون والحياة . إذن يمكن القول بأنّ مسألة المناهج في الإسلام هي من الدّين حيث روي عن عبد الله بن المبارك أنه قال :<< الإسناد من الدين ، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء >> القراءة خلف الإمام للبيهقي - (ج 1 / ص 443) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي: (118 - 181 ه = 736 - 797 م) الحافظ، شيخ الاسلام، المجاهد التاجر، صاحب التصانيف والرحلات الأعلام للزركلي - (ج 4 / ص 115) .

الخلاصة : قال الشيخ/ إبراهيم السلقيني بمجلة الجامعة الإسلامية : << وهكذا أعطى المنهج المسلمين حقائق علمية ثابتة لا نظريات متبدلة لذا وجدنا أن سلوك هذا المنهج السليم يضمن للمسلمين الوصول إلى الحقائق العلمية والشرعية و بالتالي يضمن لهم وحدة فكرية ويقضي على أسبابه عدم سلوك هذا المنهج العلمي الصحيح.>>

& من مناهج البحث عند علماء الإسلام:

تمهيد عام حول أنواع المناهج :

إنّ تصنيف العلماء المسلمين لمناهج البحث مرتبط بتصنيفهم المعرفي للعلوم ، فالمعارف والعلوم على كثرتها وتنوعها تنقسم إلى نوعين :

* النوع الأول : وهو ما يسمى بالمعرفة الخبرية ومأتاها النقل والإخبار والرواية أو ما يسمى بالمعرفة النقلية .

* النوع الثاني : وهو المعرفة الاستنباطية أو الاستدلالية والتي مبناها على استخراج الأحكام واستنتاج النتائج وإعمال العقل في توليد الحقائق والبرهنة على القضايا .

ولعل العلماء المسلمين استندوا في هذا التصنيف المعرفي على قوله تعالى في رده على عبدة الأصنام {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (4) سورة الأحقاف

حيث طالبهم المولى عزّ وجلّ بإثبات دعواهم وإقامة الدليل عليها إمّا بتقديم مستند من النقل أو بتقديم مستند من العقل ، أي علامة أو دليل علمي ولعلّ هذا ما دفع بالعلماء عند المناظرة باشتراط هذا الشرط " إن كنت ناقلا فالصّحة وإن كنت مدعيا فالدليل "

كما يجب الإشارة إلى أن علماء المسلمين كانوا قد بدؤوا البحث في المسائل العملية قبل البحث في المسائل الاعتقادية ، ونتج عن هذا أسبقية المنهج الأصولي لدى علماء أصول الفقه قبل منهج المتكلمين في المسائل الإعتقادية ، والمنهج الأصولي هو الاستدلال والاستقراء .

وعلى هذا الأساس رتبنا مناهج البحث عند المسلمين بحسب الأسبقية لا بحسب الأهمية ، باعتبار أنّ المناهج كلّها متساوية من حيث الأهمية ومتداخلة فيما بينها .

01 - المنهج الاستدلالي أو الاستنباطي :

أ - تعريفه : إنّ الاستدلال يعني الإبانة عن شيء مجهول بواسطة شيء معلوم ، أمّا الاستنباط فيعني استخلاص نتائج من شيء نعرفه معرفة يقينية تلزم عنه ، وعلى ذلك فالمنهج الاستدلالي أو الاستنباطي في مجال العلوم العقلية يعني السير بالعقل من قضايا يقينية أو من مبادئ ثابتة مسلم بها حتى يستخلص منها قضايا أخرى دون الالتجاء إلى التجربة . وقد استخدم العلماء منهجي الاستقراء والقياس كأداة للاستنباط واكتشاف الأفكار والنتائج بشكل واسع ودقيق . ومن الجدير بالذكر أنّ هذين المنهجين ( الاستقراء والقياس ) هما المنهجان المتبعان في العلوم والمعارف المادية والإنسانية كلّها .

فلو أخذنا مثلا مسألة إثبات وجود الله لوجدنا هذا الإثبات يعتمد على استقراء جزئيات الكون والموجودات عن طريق الملاحظة والتجربة وهذا الاستقراء هو الذي يقود إلى اكتشاف نتيجة علمية أساسية وهي قانون السببية ، وبتطبيق القياس أي قياس الكون والعالم ككل على جزئيا ته نصل إلى تفسير نشوء الكون والعالم وفق هذا القانون الكلي فنثبت بذلك أنّ للعالم والكون سببا أول تنتهي إليه الأسباب وهو الله سبحانه وتعالى .

ب - قواعد الاستدلال والاستقراء: وضعت قواعد الاستدلال والاستقراء وتطورت على نحو متكامل على يد الإمام الشافعي رحمه الله وذلك في القرن الثاني للهجرة في كتابه القيم " الرسالة " .

* قاعدة المنهج الاستدلالي

وضعت قواعد الاستدلال والاستقراء وتبلورت على نحو متكامل على يد الإمام الشافعي في القرن الثاني للهجرة وذلك في كتابه الرسالة .

والمنهج الاستدلالي قام على قاعدتين :

* الأولى : قاعدة العلية أي أنّ لكل معلول علة .

· الثانية : قاعدة الاطراد في وقوع الحوادث ، أي أن العلة الواحدة إذا وجدت تحت ظروف متشابهة أنتجت معلولا متشابها ، مثال ذلك ما جاء في تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها قياسا على تحريم الجمع بين الأختين في قوله تعالى : { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} (23) سورة النساء

حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ سَمِعَ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : << نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا >> صحيح البخاري - (ج 16 / ص 62)

، وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم العلّة في ذلك القياس بقوله : << إِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ.>> المعجم الكبير للطبراني - (ج 10 / ص 31)

وهاتان القاعدتان هما اللتان أقام عليهما " جون ستوارت ميل " سنة 1873 قواعد منهجه الاستقرائي واشتهر باسمه بعد ذلك ، لكن في الحقيقة إنّ هذا السبق كان فقط في وضع المنهج على صورته التنظيمية المتكاملة ، لكن قواعد الاستنباط والاستدلال كانت موجودة منذ عصر النبي عليه الصلاة والسلام وطبقها مع أصحابه في الاستدلال

إنّ المنهج الاستدلالي أو المنهج الاستنباطي وفيه يربط العقل بين المقدمات والنتائج أو بين الأشياء وعللّها على أساس المنطق العقلي والتأمل الذهني فهو يبدأ من الكليات ليصل منها إلى الجزئيات ، أمّا المنهج الاستقرائي فهو على عكس المنهج الاستدلالي يبدأ بالجزئيات ليصل منها إلى قوانين عامة ويعتمد على التحقق بالملاحظة المنظمة الخاضعة للتجريب والتحكم في المتغيرات المختلفة .

ب - أنواعه : أ - استدلال مباشر:

وهو ما ينتقل فيه الذهن من قضية إلى أخرى دون توسط قضية ثالثة .

ب - استدلال غير مباشر :

ويعني استخلاص قضية من قضيتين أو أكثر وهو نوعان : قياسي واستقرائي .

* قياسي : كل إنسان فان زيد إنسان زيد فان

* استقرائي : فهو استنتاج قضية عامة من قضايا جزئية أو هو الذي ينطلق فيه الفكر من التخصيص إلى التعميم ومن تتبع بعض الحالات إلى بلوغ كلّ الحالات .

ج - أمثلة من تطبيقات هذا المنهج:

01 - طريقة الوصول إلى الأحكام الشرعية:
عن طريق الاستدلال كان المؤمن ملزما بأخذ الحلول التي جاءت في الإسلام للمشاكل, والأحكام للحوادث, إذ أن هذه فروع عن الأصل وهو الإيمان والفرع يبنى على الأصل, والجزئيات تنبع عن الكليات, ومعلوم أن مصدر الأحكام الإسلامية القرآن الكريم, والحديث الشريف, ولا بد من الرجوع لهذين المصدرين لأخذ الأحكام منهما وضع علماء المسلمين منهجا دقيقا لاستنباط واضح المعالم فما على المسلم إلا أن يدرس هذا المنهج دراسة واعية, ثم يطبق خطواته فإذا به يصل إلى مقصودة دون خطأ أو التواء أوغموض.
خطوتا المنهج: وهذا المنهج يتألف من خطوتين, فلا بد للباحث أن يمر في مرحلتين هما: مرحلة إثبات النص أولا, ثم مرحلة فهم النص ثانيا.

المرحلة الاولى:
مرحلة إثبات النص:-النصوص التي يعتمد عليها الإسلام هي كما مر كتاب الله تعالى وسنة رسول صلى الله عليه وسلم

فأما كتاب الله فإن نصوصه ثابتة وقد نقله إلينا بالتواتر علماء المسلمين وتناقلته الأجيال

, وأما السنة فثبوتها يتوقف على أمرين هما: صحة المتن, وصحة السند.
ولقد وضع العلماء المسلمون علما مستقلا دقيقا يتعرف بوساطته إلى الحديث الصحيح من غير الصحيح ويسمى هذا العلم بمصطلح الحديث.
وتفرع عنه فن آخر هو علم الجرح والتعديل وتفرع من علم الجرح والتعديل علم تراجم الرجال, حيث تلتقي هذه العلوم على وضع ميزان بغاية الدقة, وهكذا احتوت المكتبة الإسلامية التي في كل بلد منها أثر وفي كل مكتبة من مكتبات العالم منها خبر احتوت على مؤلفات كبرى تستعرض معجم الرجال الذين وردت أسماؤهم في أي سند من الأسانيد وتستطيع أن تقف على ترجمة من تشاء منهم جرحا أو تعديلا وأن تعرف الزمن الذي عاش فيه لتعلم من ذلك معاصريه.
أما المرحلة الثانية : الفهم والاستنباط

بعد أن يتأكد الباحث من ثبوت النص وصحته يعود إلى النص فيبذل أقصى ما عنده من جهد لفهمه واستنباط الحكم منه.

02 - علم أصول الفقه : يقف المرء أمام الفقه الإسلامي ـ وهو أعظم تنظيم ديني ودنيوي معاً للحياة البشرية ـ وقفة إعجاب وإكبار من حيث سعته وشموله ودقته وإحكامه وعدله وإنسانيته.

تعريفه وتفرد المسلمين به:

وعلم أصول الفقه هو ـ كما يعرفه الأصوليون ـ النظر في الأدلة الشرعية من حيث تؤخذ منها الأحكام والتكاليف، أو هو علم يتعرف منه استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها الإجمالية اليقينية، أو هو ـ كما يعرفه القاضي البيضاوي أحد أئمته ـ: معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد ..

وإذا ذهبنا نعدد مآثر أمة الإسلام وفضائلها، فلن نجد بدّاً من التنويه بهذا العلم الذي تفردت به أمتنا الإسلامية من دون سائر الأمم السابقة، بل واللاحقة أيضاً، فلم يكن لغيرها أبداً علم مستقل كعلم أصول الفقه في تكامله ودقته تستطيع به ضبط قوانينها ودساتيرها...

قال ابن خلدون في مقدمته - (ج 1 / ص 262) << اعلم أن هذا الفن ـ يقصد علم أصول الفقه ـ من الفنون المستحدثة في الملة، وكان السلف في غنية عنه >>

بواعث استحداث علم أصول الفقه:

أما بواعث استحداث هذا العلم عند المسلمين فقد كانت عديدة متنوعة لكنها كلها طيبة جليلة، فمنها:

1) المحافظة على الشريعة الإسلامية

2) تمثل المسلمون الأوامر الشرعية :التي تدعوهم للتفكر والتدبر في القرآن، ونقله نصاً وروحاً للبشرية جمعاء،

3) الرغبة في الجمع بين مدرستي ومنهجي أهل الحديث وأهل الرأي

4) الحاجة إلى دراسة الاختلاف بين الأئمة والمجتهدين والفقهاء، وسبب تعدد آرائهم

موضوعات علم أصول الفقه:

أما موضوع بحثه فإنه ينحصر في الأدلة الشرعية الكلية من حيث كيفية استنباط الأحكام الشرعية منها. وذلك على النحو التالي:

1) يبحث علم أصول الفقه في مصادر التشريع في الإسلام ، وهي الأصول التي يستقي منها كل مؤمن أحكام الدين.

وهي قسمان: مصادر متفقُُ على العمل بها بين المسلمين كافة، وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس وتسمى المصادر الأربعة الأساسية.

ومصادر مختلف في العمل بها بين الفقهاء وهي: الاستحسان والمصلحة المرسلة وقول الصحابي وسد الذرائع والاستصحاب وشرع من قبلنا.

ولكل من هذه المصادر المتفق عليها والمختلف فيها أبحاثُُ ومسائل وفروع وقواعد.

2) كما يبحث علم أصول الفقه في الأحكام الكلية التي تتولد أو تثبت بالأدلة السابقة.

والأحكام الكلية الثابتة بالمصادر التشريعية نوعان:

نوع يسمى بالأحكام التكليفية أي التي يخاطب بها الفرد المكلف : وهي خمسة

أما النوع الثاني الأحكام الوضعية وهي متعلقة بالنوع الأول وهي السبب والشرط والركن والمانع والصحة والفساد والرخصة والعزيمة.

3) ويبحث علم أصول الفقه في موضوع الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وشروط المجتهد وصفاته، تقليد المجتهد وحكم ذلك، ومن هو المقلد، ومتى يجب عليه التقليد، ومتى لا يحل له ذلك؟

4) كما يبحث أصول الفقه في تعارض الأدلة متى يكون ، وكيف يمكن الترجيح بينها؟

5) ويبحث أصول الفقه كذلك في دلالات نصوص الكتاب والسنة، والتي تبين لنا كيفية اقتباس الأحكام الشرعية من النصوص الواردة وقواعد الاستنباط، وعلم الأصول في مواضيعه تلك يستند كثيراً إلى علوم اللغة العربية وعلى علم التفسير والحديث والمنطق والخلاف وعلم الفروع الفقهية.

الرواد الأوائل في علم الأصول:

وأول من كتب في علم أصول الفقه الإمام الفذ أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، وقد دون فيه كتابه الشهير (الرسالة).

وعلى يديه رحمه الله ولد ونشأ هذا العلم ولم يكن معروفاً من قبل ـ وإن كان واقعاً حقيقة ـ لأن السلف السابق من طبقة الصحابة والتابعين كانوا في غنية عنه، بما كانوا عليه من ملكة لسانية عربية فصيحة، يستخدمونها لاستخراج المعاني من الألفاظ، وبما تميزت به حياتهم من بساطة وبعد عن التعقيد، وانشغالهم بتثبيت أركان الدين والدعوة إليه.

قال ابن خلدون في المقدمة - (ج 1 / ص 262) << وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله تعالى عنه. أملى فيه رسالتة المشهورة>> . ولكن الحقيقة أن للشافعي كتباً أخرى في الأصول أيضاً مثل (جُماع العلم) و(إبطال الاستحسان) و(اختلاف الحديث).

القياس الأصولي : من مميزات المنهج الإسلامي في استنباط الأحكام

1/ مفهوم القياس : * في اللغة، وهو: التقدير والمساواة .

*في الاصطلاح: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما.

2/أركان القياس:وهي أربعة: الأصل ، والفرع، والحكم، والعلة.

1- الأصل: هو ما بني عليه غيره، أو ما عرف بنفسه دون افتقار إلى غيره.

2- الفرع: هو ما تفرع: وبنى على غيره،. قال فيه الفقهاء: إنه هو المحل أو الشيء الذي نريد أن نحكم عليه.

3- الحكم: هو الحكم الشرعي الذي يحكم به على الفعل من ناحية كونه حراماً أم حلالا

4 - العلّة: تعتبر أهم أركان القياس، وهي التي تستنبط من حكم الأصل، أو ينص عليها، وتكون موضع البحث والنظر، والتأمل في الفرع حتى إذا تحقق وجودها جرى حكم الأصل عليه.

3/ خصائص القياس الأصولي ومقارنته بالقياس المنطقي

أ‌- القياس الأصولي هو نتاج الشريعة الإسلامية التي حثت على الاجتهاد لاستنباط الأحكام ، أمّا القياس المنطقي كان وليد التفكير الاستنباطي الشائع في عصر .

ب‌- القياس الأصولي قائم على مقدمة واحدة وأربعة أركان ، أمّا القياس المنطقي فقائم على نظرية البرهان .

ت‌- القياس الأصولي يقوم على البرهنة على حقيقة مجهولة عن طريق الاستنباط ، أمّا القياس المنطقي فهو لا يفيد علما حقيقيا .

ث‌- القياس الأصولي ينتقل فيه من جزئي إلى جزئي مثله ، أمّا القياس المنطقي فينتقل فيه من الكلي إلى الجزئي .

03 - علم الكلام :

تعريفه : علم الكلام هو: إثبات العقائد الدينية بالأدلة العقلية

موضوعه : علم الكلام هو من العلوم المستحدثة في الإسلام ـ و إن كانت جذوره و مبادئه موجودة في الكتاب و السنة ـ و يُبحث فيه عن إثبات أصول الدين الإسلامي أي الألوهية ـ التي تشمل التوحيد و العدل ـ و النبوة و الإمامة و المعاد ، بالأدلة التي تفيد اليقين و تسبب الاعتقاد .

و يتكفل هذا العلم الإسلامي بدراسة المسائل الاعتقادية ـ أصول الدين ـ و إثباتها بالأدلة و الحجج ، و مناقشة الأقوال و الآراء المخالفة لها ، و نقد الشبهات المطروحة حولها و دفعها بالحجة و البرهان .

وهي بدورها تتمركز على 4 محاور رئيسية وهي: * الألوهية: البحث عن إثبات الذات و الصفات الإلهية.

*النبوة: عصمة الأنبياء و حكم النبوة بين الوجوب عقلاً، وهو مذهب المعتزلة و الجواز عقلاً، وهو مذهب الأشاعرة.

*الإمامة: الآراء المتضاربة حول رئاسة العامة في أمور الدين و الدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبي محمد -ص-

* المعاد: فكرة يوم القيامة و إمكان حشر الأجسام. ويدرج البعض عناوين فرعية أخرى مثل "العدل" و "الوعد" و "الوعيد" و "القدر" و "المنزلة"

تاريخ نشوء علم الكلام :

أُسِّس علم الكلام في بدايات القرن الأول الهجري ، و لم يكن تأسيسه و تدوينه إلا لضرورة دَعت إليها حاجة المسلمين إلى صيانة دينهم و عقيدتهم و شريعتهم من تهاجمات الأفكار المضادة التي شاعت إثر الاحتكاك الثقافي بين المسلمين و غيرهم و بسبب ترجمة الكتب الفلسفية و الإعتقادية للفرس و اليونان ، فلم يجد المسلمون سبيلا إلاّ التسلح بالبراهين العقلية كي يصونوا بذلك معتقداتهم و يدافعوا عنها .

بواعث استحداثه:

1.  معرفة أصول الدين معرفة علمية قائمة على أساس من الدليل و البرهان .

2.  القدرة على إثبات قواعد العقائد بالدليل و الحجة .

3.  القدرة على إبطال الشبهات التي تثار حول قواعد العقائد

سبب تسميته بعلم الكلام : في سبب تسمية هذا العلم بعلم الكلام أقوال كثيرة نشير إلى أهمها و هي :

1. إن تسميته بهذا الاسم مأخوذة من أول مسألة طرحت على بساط البحث في هذا العلم و هي مسألة كلام الله عَزَّ و جَلَّ هل انه حادث أم قديم .

2. سُمِّي بهذا الاسم لأنه كان من عادة علماء الكلام الأوائل بدأ مقالاتهم في كتبهم الإعتقادية التي تبحث عن أصول الدين بـ " الكلام في كذا " و من هنا جاءت التسمية .

3. بما أن من شان هذا العلم زيادة قدرة متعلميه على التحدث و الكلام في مجال العقيدة و الاستدلال فلذلك يطلق عليه علم الكلام .

طريقة علم الكلام
يستند علم الكلام في أدلته وبراهينه على علم المنطق بشكل أساسي ، فهو يقرر مسلمات معينة ثم ينطلق منها في إقامة البراهين من خلال مقدمات معينة . ولهذا العلم مصطلحاته الخاصة به مثل الجوهر الفرد
.

الضربات التي تلقاها علم الكلام
لاقى علم الكلام مواجهة عنيفة من أئمة السلف وعلمائهم ، و تلقى ضربتين موجعتين جداً كان لهما الأثر البالغ في صرف الناس عنه أو ضعف مواقفه . وتأتي أهمية هاتين الضربتين من كونهما أثَّرتا في أصل هذا العلم والأساس الذي يقوم عليه وهو المنطق والعقل بمفهوم هذا العلم .
الضربة الأولى كانت على يد شيخ الإسلام ابن تيمية الذي عمد إلى نقض المنطق ونسفه من أساسه ،

أما الضربة الثانية فكانت على يد الشيخ تقي الدين النبهاني من المعاصرين ، والذي اعتبر أفكار علم الكلام بأنها غير عقلية مطلقاً لان العقل لا يمكن أن يعمل في المغيبات .

أهمّيته : يعتبر من قبل البعض البدايات الأولى نحو نشوء الفلسفة الإسلامية ، كان علم الكلام مختصا بموضوع الإيمان العقلي بالله وكان غرضه الانتقال بالمسلم من التقليد إلى اليقين و إثبات أصول الدين الإسلامي بالأدلة المفيدة لليقين بها. علم الكلام كان محاولة للتصدي للتحديات التي فرضتها الالتقاء بالديانات القديمة التي كانت موجودة في بلاد الرافدين أساسا (مثل المانوية و الزرادشتية و الحركات الشعوبية) وعليه فإن علم الكلام كان منشأه الإيمان على عكس الفلسفة التي لا تبدأ من الإيمان التسليمي .

هناك مؤشرات على إن بداية علم الكلام كان سببه ظهور فرق عديدة بعد وفاة الرسول محمد-ص- ،ومن هذه الفرق:

المعتزلة (القدرية) / الجهمية (الجبرية)/ الخوارج / الزنادقة / الاشاعرة والماتريدية والصوفية والسلفية / الامامية والزيدية والاسماعيلية / لاباضية

كان نشأة علم الكلام في التاريخ الإسلامي نتيجة ما اعتبره المسلمون ضرورة للرد على ما اعتبروه بدعة من قبل بعض "‏الفرق الضالة" وكان الهدف الرئيسي هو إقامة الأدلة وإزالة الشبه

02 - المنهج التجريبي:

1 - تعريف المنهج التجريبي ويسمى بالمنهج التجريبي أو بمنهج الاستقراء والتجريب وهو المنهج الذي ينتقل فيه الباحث من الجزء إلى الكل أو من الخاص إلى العام فهو يسير متدرجا في التعميم حتى يصل إلى حكم عام أو قضايا كلية .

ويعتبر هذا المنهج مفتاح النهضة العلمية في مجال العلوم الطبيعية على وجه الخصوص لأنّ موضوعاته هي وقائع خارجية محسوسة ومشاهدة وبالتالي فهي تفرض نفسها من الخارج على العقل ، ثمّ يقوم العقل بتفسيرها وتحليلها واستقراء جزئياتها واستنباط القوانين العامة منها .

وفي هذا تقول المستشرقة زيقريد هونكة :" إنّ أثمن هدية قدّمها العرب لأوروبا هي منهج البحث الذي لولاه لبقيت أوروبا في همجيتها " شمس العرب تسطع على الغرب ص 401

2 - مراحله :

ü مرحلة التحليل .

1/ الملاحظة والمشاهدة : وهو ما يسمى أو يعرف بالرصد والتتبع لتصور الظاهرة موضوع البحث

2 / وضع الفروض لتفسير الظاهرة : تجاوز مرحلة الوصف الى مسألة التفسير وبيان الروابط بين الظاهرة وغيرها ويضع من الفروض ما يمكن أن يكون تفسيرا لهذه الظاهرة أو لهذا الحدث ثم يقوم الباحث بتصفية هذه الفروض واستبعاد ما لا يصلح منها حتى لا يبقى لديه إلا فرضا واحدا مهمّا وهو ما يعرف عند علماء المسلمين ب " تنقيح المناط " أو دليل السبر والتقسيم " وقد سماه " فرنسيس بيكون " بمنهج الحذف والاستبعاد "

3 / التجربة : وفيها يقوم الباحث باختيار صحة الفرض الذي ترجح لديه من حيث تلازمه مع الظاهرة أو الحدث في كلّ الأحوال وجودا بوجوده وعدما بغيابه وهو ما يسمى بالدوران عند الأصوليين .

ü مرحلة التركيب أو مرحلة التقنين وهي الخطوة الرابعة .

4 / تقنين النتائج الجزئية : بحيث تجتمع هذه النتائج الجزئية المتناثرة ويصاغ منها قانون كلي تنبني عليه المعارف ، وهكذا يصبح العلم الحسي الجزئي أساسا للحكم العقلي الكلي .

وضع جابر بن حيان أسس علم الكيمياء حيث عمد إلى التجربة في بحوثه، وآمن بها إيماناً عميقاً، وكان كثيراً ما يوصي تلاميذه بقوله: "أول واجب أن تعمل وتجري التجارب، لأن من لا يعمل ويجري التجارب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان".     اتجه علماء الحضارة الإسلامية إلى المنهج التجريبي الاستقرائي عن خبرة ودراية بأصوله وقواعده، وأحرزوا على أساسه تقدما ملموسا في حركة التطوير العلمي والتقني .

3 - أمثلة من الاستخدامات

ü استخدم منهج الاستقراء التجريبي في وقت مبكر لدى علماء الإسلام، وكانت قد ظهرت أوليات هذا المنهج على يد علماء الأصول استناداً إلى طبيعة العلوم الشرعية التي تتطلب الوصول إلى الحكم من خلال ممارسة الطريقة الاستقرائية،

ü تنبه الأصوليون إلى قيمة الأحكام ومراتبها العلمية من حيث القوة والضعف تبعاً لطبيعة الظواهر أو القرائن المستقرأة، ولهذا رجحوا سلسلة من الأحكام الجزئية على سلسلة أخرى حسب طبيعة القرائن التي يشملها الحكم الشرعي، ولهذا تكلم الأصوليون في قواعد المنهج واستخلصوا من تطبيقاتهم العلمية أسساً وشروطاً كان لها الأثر البعيد في شروط وقواعد المنهج على عموم رواد المناهج العلمية،

ü وبعد انتقال المنهج إلى أيدي العلماء التطبيقيين من المسلمين شهد تطوراً كبيراً، ذلك ان هؤلاء العلماء تناولوا قواعد المنهج بفلسفة علمية تنم عن إدراك ووعي كبيرين، فأفاضوا في الحديث عن خصائصه وشروطه، ولهذا جاءت مراحل الطريقة الاستقرائية، من ملاحظة وتجربة وفروض مدعمة بالمواصفات العلمية، بالقدر الذي يتناسب ومعطيات ذلك العصر.

ü وأشاروا إلى أن الملاحظة لم تكن مجرد مراقبة، بل وسيلة لتحقيق الغاية العلمية، من تدوين النتائج الملاحظة وتدبرها تبعاًَ للطريقة العلمية.

ü ثم ميّزوا بين التجربة الحسية والتجربة المختبرية (العلمية)، وبناءً على هذا التحديد لطبيعة التجربة سجل علماء الإسلام البداية الصحيحة للبحث العلمي.

ü وقد مارس علماء الإسلام التجربة المرتجلة أسلوباً من أساليب البحث في حصر الظواهر بغية اكتشاف سلوكها.

ü ثم تناول علماء الإسلام تقويم القضية التجريبية وما تنطوي عليه من معايير علمية، فأكدوا صدق القضية التجريبية المفردة، وإنها تؤدي نتائج صادقة مقابل القانون التجريبي المستخلص من جملة أحكام تجريبية، الذي يمتاز بنتائج محتملة ظنية،

ü ثم تناول المسلمون مسألة تقويم القضية الاستقرائية، وتكلموا عن مشكلة التعميم في الاستقراء والفجوة التي يستبطنها هذا التعميم، فأثاروا مشكلة الاستقراء وأصبحت من المشكلات العلمية التي عالجوها في بحوثهم. ولقد تصدى العديد من علماء المناهج الاسلاميين لهذه المشكلة، وبحثوها بشكل دقيق كجابر بن حيان والحسن بن الهيثم والشيخ الرئيس ابن سينا، بحيث انتهى هؤلاء إلى أن القيمة للدليل الاستقرائي لا تتعدى الظن أو الاحتمال، وان غاية ما يحققه المنهج لا يتجاوز هذا اللون من الحكم، ولهذا حصروا الاستدلال الاستقرائي ضمن مفهوم الاحتمال، وان النظرية التي تنتسب إلى هذا الحكم الاستدلالي لا تكون إلا مرجحة أو محتملة وليست ذات يقين مطلق.

ü لقد سجل المسلمون سبقاً علمياً بطرحهم المشكلة بالشكل المتقدم، وفاقوا بذلك علماء المناهج المحدثين من الغربيين. وعلى الرغم من أن المسألة قد أثارها هؤلاء وخاصة ديفيد هيوم وستيوات مل. إلا إنها لم تكتسب الحل المطلوب في مناقشاتهم وقصروا في التعبير عن حقيقتها، ولهذا أبان علماء المناهج المعاصرون قصور المدرسة التجريبية الحديثة في هذا المجال على الخصوص.

ü أكد مفكرو الإسلام دور الاستقراء في البحث العلمي، وانتهوا إلى الاستقراء لا يمثل سوى مرحلة من مراحل الاستدلال العقلي، وبهذا أكدوا ضرورة تطوير منهج البحث، فاستعانوا بمناهج علمية أخرى حققت لهم عملية التطوير هذه، فمارسوا منهج القياس والتمثيل والمنهج الفرضي والمنهج الرياضي.
لقد تمثل منهج القياس في أبحاث الحسن بن الهيثم وخاصة في مجال الضوء، حيث اتخذ منه أداة لاستنباط النتائج العلمية بعد التثبت منها تجريبياً، وشاع استخدام نهج التمثيل لدى جملة علماء آخرين، وقد اتسعت تطبيقات هذا المنهج فشملت حقول الفلك والطب.

قال فون كر يمر "إن أعظم نشاط فكري قام به العرب يبدو لنا جلياً في حقل المعرفة التجريبية ضمن دائرة ملاحظاتهم واختباراتهم ، فإنهم كانوا يُبدون نشاطاً واجتهاداً عجيبين حين يُلاحظون ويمحصون ، وحين يَجمعون ويُرتبون ما تعلموه من التجربة ، أو أخذوه من الرواية والتقليد ، ولذلك فإن أسلوبهم في البحث أكبر ما يكون تأثيراً عندما يكون الأمر في نطاق الرواية والوصف" .

03 - المنهج الاستردادي :

أ- تعريفه : يعتمد هذا المنهج على عملية استرداد ما كان في الماضي ليتحقق من مجرى الأحداث،ولتحليل القوى والمشكلات التي صاغت الحاضر. وهو المنهج المستخدم في العلوم التاريخية و الأخلاقية

ب أنواعه : - المنهج التوثيقي - المنهج التاريخي - الاستردادي الغربي

ملاحظــــة

هناك فرق بين المنهج التاريخي عند المسلمين وبالتحديد عند ابن خلدون وبين المنهج الإستردادي عند علماء الغرب ، وهو أنّ الثاني يقوم على عملية استعادة الوقائع وهي تعتبر الخطوة العملية في المنهج إلى جانب النقد الخارجي والباطني . وعملية استعادة الوقائع تعتمد على التّخيل وقوّة الملاحظة عند المؤرخ أو ما يسمونه بالحاسة التاريخية من خلال استحضار الأحداث الماضية ثم يستنبط منها معلومات ويقوم بسدّ الثغرات في النّص أو ما يسمى بإكمال الناقص وتصحيح الأخطاء أو حذف واستبعاد النشاز منها وهذه المرحلة هي عماد المنهج الإستردادي الأوروبي .

01 - المنهج التوثيقي :

وضع العلماء المسلمون علما مستقلا دقيقا يتعرف بوساطته إلى الحديث الصحيح من غير الصحيح ويسمى هذا العلم بمصطلح الحديث ،وتفرع عنه فن آخر هو علم الجرح والتعديل ، وتفرع من علم الجرح والتعديل علم تراجم الرجال,

علوم الحديث:

انطلاقاً من كون السنة النبوية الركن الثاني لهذا الدين ، وما لذلك من آثار وخلفيات‘ فإن علماء المسلمين منذ السنوات الأولى لفجر الإسلام وعلى مر العصور واختلاف الدهور كان لهم في علوم السنة النبوية شغل شاغل وعمل علمي متواصل وتفرغ كامل.

وهكذا تولدت علوم جمة ومعارف كثيرة،مما يعني كمّا كبيراً ضخماً من المؤلفات والمواضيع،

تعريف علم الحديث رواية ودراية:

وإذا أردنا بادئ ذي بدء تعريفاَ شاملاً لعلوم الحديث، نجد أنفسنا مضطرة إلى اتباع طريقة العلماء في تقسيم تلك العلوم إلى قسمين أساسين هما علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية.

فأما علم الحديث رواية فهو: يشتمل على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها.

وأما علم الحديث دراية ( وهو الذي يطلق عليه مصطلح الحديث ) فهو علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن.

نشأته وتطوّره :

وأقدم من يمكن إضافة تأليف بعض المباحث في علم مصطلح الحديث إليه ـ كما قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في كتابه ( لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث ) ـ هو الإمام علي بن المديني المتوفى عام 234 وهو من أشهر أئمته....

كما يمكن أن يقال: إن الإمام الشافعي رحمه الله المتوفى عام 204هـ أول من دون بعض المباحث الحديثية في كتابه (الرسالة).

لكن العصر الذهبي لتدوين السنة النبوية إنما كان القرن الثالث الهجري.

أما القرن الرابع فهو عقد التآليف الجامعة التي لا تزال حتى الآن مراجع لا يستغنى عنها.

وفيما بين القرن السابع والقرن العاشر كان دور النضج والاكتمال وبلوغ الغاية القصوى والتمام.

سرد علوم الحديث:

وإذا أردنا أن نستقصي جملة علوم الحديث الشريف فلا بد من تقسيمها إلى مجموعات كبرى لكثرتها مثل :

1) علوم رواة الحديث: 2) علوم رواية الحديث 3) علم قبول الحديث ورده 4) علوم المتن:

5) علوم السند:  6) ومن علوم الحديث الشريف علوم توصف بأنها مشتركة بين سند الحديث ومتنه

وهكذا.... نجد أن الأمة الإسلامية خلال عصورها المتعاقبة بذلت جهوداً جبارة ومضنية في خدمة الأساس الثاني لدينها، إذ ثبوت السنةا يتوقف على أمرين هما: * صحة المتن و صحة السند.

علاقة الحديث بالتأريخ:
وفي علاقة الحديث بالتأريخ يلاحظ أن على رواية الحديث تبنى الأحكام وتقام الحدود، فهي تتصل مباشرة بأصل من أصول التشريع وهو السنة النبوية. ولذلك فإن ثقات المحدثين وضعوا رواة الحديث في موازين دقيقة بقدر الإمكان وعرفوا كل راوٍ: تاريخه وسيرته، ووضعوا من أجل هذا قواعد للجرح والتعديل.

الملاحظ حول علم الجرح والتعديل :

1. بداية أن التجريح والتعديل لم يكن متاحاً لأي أحد ، وذلك لخطورة الجرح وعظم مسؤوليته أولا ً قال ابن دقيق العيد (625 - 702 ه = 1228 - 1302 م) قاض، من أكابر العلماء بالاصول، مجتهد الأعلام للزركلي - (ج 6 / ص 283)

رحمه الله : " أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان الحكام والمحدثون " . عن لسان الميزان - (ج 1 / ص 7) لابن حجر العسقلاني

2. أن ذلك يتطلب من الأهلية والمُكْنة ما لا يمكن أن يصل إليه إلا القلة من جهابذة النقاد والمحدثين ، وليس أدلَّ على ذلك من أن رواة الأخبار كثيرون يعدون بالألوف ، وأما النقاد الحاذقون فإنهم قليل لا يتجاوزن أصابع اليد في كل طبقة ،

3. لم يجاملوا أحداً حتى ولو أقرب الأقربين من ذلك:<< ما أورده علي بن الحسين بن الجنيد عن أبي داود يقول ابني عبد الله كذاب>> لسان الميزان للعسقلاني- (ج 2 / ص 42)

4. وضع العلماء لهذا العلم قواعد وضوابط مثل شروط قبول الجرح والتعديل ، وألفاظهما ومراتبها ،

5. إن المطالع لكتب الجرح والتعديل يجد أنهم ينصون على ضرورة ذكر سبب الجرح وتفسيره ، لأن الجارح ربما قدح بأمر ليس جارحاً في الحقيقة .

6. اختلاف الأئمة في الرواة بين مجُرِّح ومُعَدِّل فمردُّه إلى اختلاف الأنظار ، وتباين الاجتهاد في أحوال الرواة بين متشدد ومعتدل ومتساهل

7. إن أهل السنة لم يكونوا يجرحون مخالفيهم من أهل الأهواء والبدع إلا إذا كانت بدعته تؤدي إلى كفر ، أو وقوع في صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أن يكون داعية إلى بدعته أو حديثه موافق لما يدعو إليه ،لذلك وجدنا أصحاب الكتب الستة وفي مقدمتهم الشيخان يحتجون بأحاديث جماعة من المبتدعة الثقات في كتبهم ماداموا مستوفين لشروط الرواية ، فقد حدَّث البخاري عمران بن حطان الخارجي ،و من ذلك مثلا ما ذكره الذهبي في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي << ، قال: " شيعي جلد، ولكنه صدوق فلنا صدقه، وعليه بدعته. وقد وثقة أحمد بن حنبل، وابن معين ، وأبو حاتم، وأورده ابن عدي، وقال: كان غاليا في التشيع >> سير أعلام النبلاء - (ج 1 / ص 59).( أحد الكتب التي استخرجها الذهبي من كتابه الضخم: (تاريخ الإسلام) )

الخلاصة :
فعلم مما سبق أن المحدثين لم ينطلقوا في توثيقهم وتجريحهم ، وتصحيحهم وتضعيفهم من الأهواء والأمزجة ، وإنما انطلقوا من قواعد متينة ، فاشترطوا في الجارح شروطاً عالية ، ومؤهلات دقيقة ، وجعلوا لذلك آداباً وأحكاماً ، وجوزوه بقدر الحاجة ، ولم يقبلوا منه إلا ما كان موافقاً للأصول والقواعد ، فجاءت أحكامهم في منتهى الدقة والنزاهة ،.

الفرق بين رواية الخبر ورواية الحديث :

وهنا لابد من الإشارة إلى شئ مهم جدا وهو وجوب التفريق بين رواية الحديث ورواية الأخبار الأخرى فعلى الأولى تبني الأحكام ولكن يختلف الأمر بالنسبة لرواية الأخبار فهي وإن كانت مهمّة لا سيما حينما يكون مجالها الإخبار عن الصحابة إلا أنّها لا تمحّص كما يمحّص الحديث . لهذا السبب فرقنا بين المنهج التوثيقى والذي يعرف بعلم مصطلح الحديث وبين المنهج التاريخي .

02 - المنهج التاريخي:

أ - تعريف المنهج التاريخي :

علم التاريخ: قال محمد بن شاكر الكتبي في كتابه فوات الوفيات - (ج 1 / ص 1) :<< إنّ علم التاريخ هو مرآة الزمان لمن تدبر، ومشكاة أنوار يطلع بها على تجارب الأمم مَن أمعن النظر وتفكر>>

يقول صدّيق بن حسن القنّوجي في كتابه أبجد العلوم - (ج 2 / ص 570) << علم يبحث فيه عن أماكن أقوام مخصوصين ومواضع طوائف معنيين ورسوم مألوفة وعادات معروفة لكل قوم ومبادئه : مأخوذة من الاستقراء والتواتر من الثقات وغرضه : تحصيل ملكة ضبط تلك الأمور وغايته : الاحتراز عن الخطأ فيها >>

والمنهج التاريخي هو منهج اعتمده العلماء المسلمون لتوثيق الأخبار والمرويات ودراستها في ضوء النقد الداخلي والخارجي للنصوص واستقراء الحوادث وقياس الغائب على الشاهد . لقد تمت صياغة هذا المنهج على يد علماء الحديث منذ القرن الثاني للهجرة وهو عصر تدوين السنّة وتمحيصها من أجل الوصول إلى أحكام دقيقة وموازين عامة في قراءة التاريخ .

فمنهج البحث التاريخي هو مجموعة الطرق و التقنيات التي يتبعها الباحث و المؤرخ للوصول إلى الحقيقة التاريخية. و إعادة بناء الماضي بكل وقائعه و زواياه . وكما كان عليه زمانه و مكانه. ويجمع تفاعلات الحياة فيه . وهذه الطرق قابلة دوما للتطور و التكامل مع تطور جموع المعرفة الإنسانية و تكاملها و منهج اكتسابها.
ب - النشأة:

لم يكن المسلمون هم الذين اخترعوا علم التاريخ، بل سبقتهم كثير من الأمم إلى الكتابة فيه.. ولكن المسلمين لم يكتفوا بما كتبه غيرهم فيه لأسباب عديدة، أهمها تحري الدقة واتخاذ الحيطة، وتصحيح كثير من المفاهيم المتعلقة بهذا العلم ، سواء من حيث تعريفه أو موضوعه أو الغرض منه.

نشأ علم التاريخ عند المسلمين فرعا من علم الحديث و قد سعوا إلى المصادر الموثوقة و كذا الرواية الشفوية. و اهتم مؤرخوهم بالمكان فمزجوا بين التاريخ و الجغرافيا مثل المسعودي. و ابن النديم. ومن ثم اعتمدوا على الوثائق الرسمية في مدوناتهم مثل اليعقوبي و البلاذري و الطبري و بن الجوزي و غيرهم... لقد عمل المؤرخون على بيان مظانهم في مقدمات كتبهم أو في طليعة روايتهم للخبر. وفي القرون الأولى للتدوين التاريخي استخدموا الإسناد كما في الحديث. و بذلك كانوا أمناء في نقل الأخبار. ويلاحظ هذا بخاصة عند الطبري..

ج - النقد التاريخي : أما النقد التاريخي عند العرب فقد بينه القران الكريم في آيات كثيرة في ضرورة إعمال العقل فيما يرى الإنسان و يسمع. وأكد على مفهوم البينة و الحجة و البرهان..ووجوب التثبت مت الخبر . وكلها أمور توجه الفكر إلى النقد العقلاني للأمور. وقد نبه الرسول (ص) في أحاديثه إلى ضرورة تبين الصدق من الكذب. أي نقد ما يرى و يسمع. ومن ثم أوجد علماء الحديث تدريجيا أصولا نقدية للتمييز بين الصحيح و الموضوع من الأحاديث. و لتصنيفها حسب قربها من الحقيقة. و اتبع المؤرخون العرب تلك الأصول للتحقق من صحة الخبر أيضا. فالأسلوب النقدي الذي صاروا عليه و اقتدوا فيه بعلماء الحديث كان " التجريح و التعديل " هذا النهج هو في حقيقة المنهجية العلمية المعاصرة للبحث التاريخي: النقد الباطني السلبي أو ما يسمى بنقد المؤلف. وقد اتخذوا الموازنة الزمنية بين خبرين. و الموازنة بصفة عامة. بحيث استطاعوا بهذا النمط من الموازنة و المحاكمة الزمنية التاريخية أن ينقدوا ما يدعى بأنه وثائق و يظهروا زيفها. وقد حاول المؤرخين العرب ضبط الأحداث زمنا بواسطة التوقيت لها بالسنة و الشهر و الليلة. وبذلك فاقوا مؤرخي اليونان و الرومان و أوربا في العصور الوسطى.

وهذا ما عناه ابن خلدون في معرض حديثه عن التاريخ بأنه " في ظاهره لا يزيد على أخبار ... وفي باطنه نظر و تحقيق و تعليل الكائنات و مبادئها دقيق. وعلم بكيفيات الوقائع و أسبابها عميق ".تاريخ ابن خلدون - (ج 1 / ص 3)

وقد اتهم المؤرخون العرب بعدم سعيهم إلى التعليل. بل اكتفوا بالسرد. ويتفاوت المؤرخون العرب في تقصيهم للأسباب في تفسير الظواهر و الحوادث. إلى أنهم أدركوا بالمجموع أهمية العوامل الاقتصادية و الجغرافية في دفع الأحداث. وفي التأثير على حياة البشر. وكذلك العوامل النفسية و الاجتماعية و الفكرية. وندري جدا من المؤرخين من كان كتابه مجرد سرد ساذج لا يحمل ضمن التطور تأويله الخاص و تفسيره الذاتي. كما لم يكتف المؤرخون المسلمون بتتبع أسباب الحوادث فقط. بل سعوا لتكوين تركيب فلسفي لمعنى التاريخ.
الخلاصة :

إن منهج البحث التاريخي عند المؤرخين العرب يسجل لهم أنهم أول من ضبط الحوادث بالإسناد. و التوقيت الكامل. و أنهم مدوا حدود البحث التاريخي و نوعوا التأليف فيه و أكثروه. إلى درجة لم يلحق بهم فيها من تقدمهم أو عاصرهم من مؤرخي الأمم الأخرى. و أنهم أول من كتب فلسفة التاريخ. وأنهم حرصوا على العمل جهد طاقتهم بأول واجب المؤرخ و أخره. وهو " الصدق في القول و النزاهة في الحكم " وبذلك يكون المؤرخون العرب هم الذين وضعوا الأصول الأولى لمنهج البحث التاريخي العلمي الحديث الذي بدأ ناضجا في أوربا في القرن 19( الاستردادي ). وهم الذين تركوا بتلك الأصول أثرهم في مؤرخي أوربا في مطلع العصور الحديثة الذين شرعوا بدورهم ينتهجون في الكتابة التاريخية طريق النقد و التمحيص و التدقيق.
الهدف من البحث التاريخي.
إن الهدف من البحث التاريخي هو صنع معرفة علمية من الماضي الإنساني. ونعني بالعلمية أنها تستند إلى طرائق عقلانية توصل إلى الحقيقة بقدر ما تسمح به الظروف التي تخضع لها. وهي ظروف تقنية. " طبيعة الوثائق المستخدمة و وجودها " وظروف منطقية " تلك التي تحللها نظرية المعرفة "
منهج المسلمين في تدوين التاريخ:

ولئن لم يكن أمام المؤرخين المسلمين سبيل سوى الاعتماد على كتب الإسرائيليات وغيرها من الأخبار والمدونات القديمة، فيما تنقله لهم من أخبار الأنبياء والرسل والشعوب السابقين والجيوش والبلدان، فإنهم قد تسلحوا في تدوينهم لأخبار التاريخ بعدة أسلحة تعينهم على الوصول إلى الحقيقة، وتبين منهجهم في هذا العلم الواسع، وتبرهن على أنهم كانوا محققين كما كانوا نقلة، وكانوا بصراء كما كانوا أمناء.

1ـ عرض الأخبار المتعلقة بالأمم السابقة على الكتاب والسنة أولاً،

2ـ المحاكمة العقلية للحوادث المدونة، حتى تكون منضبطة بضوابط الواقع، مقيدة بقيد العقل، مسايرة لأحوال الخلق وطبيعة الكون.

وفي هذا المجال يقول ابن خلدون في تاريخه - (ج 1 / ص 9) << حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك .. فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط لان الاخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والاحوال في الاجتماع الانساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأيمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثما أو سمينا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الاخبار فضلوا عن الحق >>

ثم يستعرض أمثلة رائعة لما وقع فيه بعض المؤرخين من أخطاء في تقدير أعداد وجيوش بني إسرائيل مثلاً، أو ما تناقله الناس من قيام أهل اليمن بغزو أفريقية والمغرب العربي،

وعلى ذلك يرى ابن خلدون أن منهجية الحديث المقامة على نقد السند عن طريق الجرح والتعديل غير مجدية بمفردها في حصر الحقيقة التاريخية فما فائدة النظر مثلا في السند عندما يكون الخبر المنقول خرافة مستحيلة الوقوع عقلا .

أضاف ابن خلدون إلى منهجية الحديث قانون المطابقة وهو أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران أو ما يسميه بطبائع الكائنات أو طبائع الموجودات أو طبائع الأحوال في العمران " والجمع بين علمي الحاضر والماضي و قياس الغائب على الشاهد .

3ـ أما أخبار الإسلام وأهله ودوله، فلقد حظيت باهتمام من المؤرخين شديد، سواء في تفصيلاتها الدقيقة، أو في المحافظة على سلسلة رواتها للتأكد من صدقهم، وهذا ما نجده واضحاً في أخبار سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وأخبار الخلفاء الراشدين، بل وأخبار الدولة الأموية والدولة العباسية كذلك، مما جعل هذا الجزء من التاريخ أصدق أجزاء التاريخ القديم، بل والحديث أيضاً.

4ـ اهتمام المؤرخين المسلمين بضبط الأسماء الواردة في التاريخ حتى ولو كانت غير عربية. وهذا أمر مهم حتى يخدم المتعلم ويحفظ الأصل.

وقد أفرد ابن خلدون في مقدمته كلاماً خاصاً في ذلك، يقول في تاريخه - (ج 1 / ص 33)

<< قد بقي علينا أن نقدم مقدمة في كيفية وضع الحروف التي ليست من لغات العرب إذا عرضت في كتابنا>>

أهم كتب التاريخ:

وكتب التاريخ التي خاضت غماره كثيرة العدد جدا، حتى قال حاجي خليفة في كشف الظنون - (ج 1 / ص 271) << أما الكتب المصنفة في التاريخ فقد استقصيناها إلى ألف وثلاثمائة >> .. وهي أنواع فمنها ما يتناول فترة معينة، ومنها ما يشمل تاريخ العالم كله، ومنها ما يتحدث عن بلد معين، ومنها ما صدره مؤلفه بمقدمة عن أمور مهمة تتعلق بالتاريخ أو العمران أو الشعوب، ومنها ما تناول أعلام مائة من السنين معينة، إلى غير ذلك من الأنواع والأصناف.

وعلى سيبل المثال لا الحصر نذكر من تلك الكتب ما يلي: (البداية والنهاية) لابن كثير، و(تاريخ أبي جعفر الطبري) وتاريخه أصح التواريخ وأثبتها، و(الكامل) لابن الأثير الجزري، و(مرآة الزمان) لسبط ابن الجوزي. و(تاريخ بغداد) للخطيب البغدادي، و(شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام) للإمام الفاسي، و(التاريخ الكبير) للإمام الذهبي، و(الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) لابن حجر، و(يتمية الدهر) للثعالبي، و(تاريخ دمشق) لابن عساكر، و(تاريخ الخلفاء الراشدين) للسيوطي، وغير ذلك كثير وكثير جداً..

نعم لقد صدق بعضهم حينما قال: لم تهتم أمة بالتاريخ قدر اهتمام المسلمين به، حتى سبقوا غيرهم في هذا المجال.

& إسهامات العلماء المسلمين في تطوّر العلوم :

01 - تاريخيّة العلم عند المسلمين:

أ - من علم الفرائض إلى علم الحساب :

وإذا كان ضبط المعاملات وحفظ الحقوق وقضاء الديون أحد فوائد علم الحساب، فإن للمسلمين علماً خاصاً بهم يتعلق بعلم الحساب، لا يشاركهم فيه أحد سواهم، نبع من دينهم وصب في حياضهم. وهو علم حساب الفرائض والمواريث، وهو: معرفة فروض الوراثة، وتصحيح سهام الفريضة مما تصح باعتبار فروضها الأصول أو مناسختها.

وفي علم المواريث والفرائض تمتزج الأحكام الفقهية المستنبطة من الكتاب والسنة والقياس والإجماع بعلم الأعداد والكسور، وعمليات الضم والتفريق، والنظر في موافقة الأعداد للأصل ومخالفتها له.

وانظر على سبيل المثال كيف صرّفت الآيات حصص الورثة في مثل قوله سبحانه وتعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ..} (11) سورة النساء مع قريناتها من آيات أخر في نفس الموطن وغيره .. انظر إليها تجد أن عملية تقسيم التركات وبيان حقوق الورثة تعلقت بعلم الحساب تعلقاً واضحاً، وأحوجت المسلمين إلى وضع علم خاص بها.

يقول ابن خلدون في تاريخه (ج 1 / ص 484 / 485) عن علم الفرائض: << ومن فروعه ايضا الفرائض).

وهي صناعة حسابية في تصحيح السهام لذوي الفروض في الوراثات إذا تعددت وهلك بعض الوارثين وانكسرت سهامه على ورثته أو زادت الفروض عند اجتماعها وتزاحمها على المال كله أو كان في الفريضة إقرار وإنكار من بعض الورثة فتحتاج في ذلك كله إلى عمل يعين به سهام الفريضة من كم تصح وسهام الورثة من كل بطن مصححا حتى تكون حظوظ الوارثين من المال على نسبة سهامهم من جملة سهام الفريضة فيدخلها من صناعة الحساب جزء كبير من صحيحه وكسره وجذره ومعلومه ومجهوله وترتب على ترتيب أبواب الفرائض الفقهية ومسائلها فتشتمل حينئذ هذه الصناعة على جزء من الفقه وهو أحكام الوراثة >>

ولا يكاد يخلو كتاب من كتب الفقه في باب الفرائض والمواريث عن الإشارة إلى القواعد العامة لعلم حساب الفرائض ولعل بعض الفقهاء قد أفرد ذلك بالتأليف لأهميته من ذلك كتاب ابن كثير، ومختصر القاضي أبي القاسم الحوفيّ ثم الجعديّ. ومن متأخري أفريقية ابن النمر الطرابلسي وأمثالهم .

ب - من مواقيت الصلاة إلى علم الفلك :

وعندما جاء الإسلام حصل تطورا هائلا في فترة ازدهار الدولة الإسلامية وذلك لارتباط الفلك بالدين من حيث العبادات لحساب مواقيت الصلاة وتحديد أوائل الشهور العربية أو لفهم بعض الآيات الكونية حيث حث الله المؤمنين في مواضع شتى للنظر إلى السماء والتفكر في آياتها ، قال تعالى : {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} (190) سورة آل عمران

كما قام المسلمون بترجمة الكتب وتنقيحها وتصحيحها ، ووضعوا ذلك في كتب تضمنت جداول ومعلومات أسموها (الأزياج) ، ووضعوا الكثير من الأسس والقواعد الفلكية المهمة ، بل برهنوا على دوران الأرض والكواكب حول الشمس ، وقد بذلوا جهدا كبيرا في وضع قواعد لضبط مواقيت الصلاة ، كما استنتجوا طرقا لحساب بداية الشهور العربية وضبط التقويم الهجري ، كما أجروا التجارب العلمية لحساب خطوط الطول والعرض لشتى المدن الإسلامية وغير ذلك الكثير .

حيث يقول (جورج سارتن) في كتابه (المدخل لتاريخ العلوم) : إن البحوث التي قام بها العرب والمسلمين في حقل الفلك كانت مفيدة للغاية ، إذ أنها هي بالحقيقة التي مهدت الطريق للنهضة الفلكية الكبرى التي ازدهرت في عهد (كبلر) و(كوبرنيك) ، ويقول (شكات) في كتابه (تاريخ الرياضيات) : كانت قياسات علماء العرب والمسلمين في الفلك إلى حدّ كبير أصح من قياسات اليونان .

ج - من بنية النص القرآني إلى علوم اللغة :القرآن الكريم كتاب البلاغة الأم

وليس ثمة أنفع للإنسان من دراسة القرآن الكريم دراسة لغوية بلاغية، لتحصيل علوم البلاغة، بل وعلوم العربية كلها، فضلاً عن الهداية والاسترشاد اللذين هما مقصودا القرآن الأول.

واستمع إلى قوله سبحانه: { وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء، وقضي الأمر، واستوت على الجود وقيل بعداً للقوم الظالمين } (هود/44) ثم انظر إلى الآية كيف حوت: أمرين، وخبرين، وبشارة، ودعاء.

أو أجل فكرك في قوله سبحانه: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون } (النحل/90) كيف جمعت الأمر بكل خير الدنيا والآخرة، على المستوى الفردي والجماعي ونهت عن كل الشرور الدينية والدنيوية، ثم ختمت ذلك بالتذكير ترغيبا وترهيبا.

قال السيد أحمد الهاشمي في كتابه (جواهر الأدب): وأول كتاب دون في علم البيان كتاب ( مجاز القرآن ) لأبي عبيدة تلميذ الخليل، ثم تبعه العلماء.

02 - نماذج من المساهمات في تطوّر العلوم:

أ- الشروط التي ساعدت على تحقيق هذه الإسهامات :

أجمع العلماء علي أن الحضارة الإسلامية تحتل مكانة رفيعة بين الحضارات الكبرى التي ظهرت في تاريخ البشرية، كما أنها من أطول الحضارات العالمية عمراً، وأعظمها أثراً في الحضارة العالمية ومن العوامل المساهمة في تطورها وازدهار العلوم بها ما توفّر من حرّيات ومن عناية الدّولة بالمجهود العلمي مما دفع إلى الترجمة والإبداع ومن الأدلة على ذلك :

01 - أسس الخليفة العباسي "أبو جعفر المنصور" مدينة بغداد (145- 149 هـ) وجعلها عاصمة لدولته، ومقراً للخلافة العباسية صاحبة السلطان الشرعي على جميع الأقطار الإسلامية. فهي لم تكن مثل الفسطاط أو دمشق أو قرطبة، عاصمة قطر بعينه، بل كانت عاصمة العالم الإسلامي كله. ولهذا صارت مدينة دولية COSMOPOLITE واكتسبت صفة عالمية، وسكنتها عناصر من مختلف الأجناس، والملل والنحل، إسلامية وغير إسلامية، فهناك الفرس والهنود والسريان والروم والصينيون وغيرهم. وكل هذه العناصر لم تسكن بغداد بأشخاصها فقط، بل بثقافاتها وتجارتها وعلمها وفنها، فعربت ألفاظ يونانية وفارسية وهندية كثيرة.

02 - وترجمت عن اليونانية عدة كتب منها "حكم سقراط وأفلاطون وأرسطو

وعن الهندية، ترجمت أعمال كثيرة مثل الكتاب الهندي المشهور في علم الفلك والرياضيات، "براهمسبهطسدهانت " وتختصر بسد هانتاSiddhanta أي " المعرفة والعلم والمذهـب ". وقد ظهرت الترجمة العربية في عهد أبي جعفر المنصور بعنوان "السند هند" وهو تحريف للعنوان الأصلي. ومع كتاب "السند هند" دخل علم الحساب الهندي بأرقامه المعروفة في العربية بالأرقام الهندية فقد تطور على أثرها علم العدد عند العرب، وأضاف إليها المسلمون نظام الصفر، والذي لولاه لما فاقت الأرقام العربية غيرها من الأرقام، ولما استطعنا أيضاً أن نحل كثيراً من المعادلات الرياضية من مختلف الدرجات

وعن الفارسية، ترجم كتاب "كليلة ودمنة" الذي كان هندياً في الأصل ثم ترجم إلى الفارسية وعنها نقله "عبد الله بن المقفع " إلى العربية في خلافة المنصور أيضاً. هذا إلى جانب ترجمته لعدة كتب أخرى في تاريخ وأدب الفرس ونظمهم وتقاليدهم. ومن المعروف أن الخليفة العباسي المأمون قد أوكل إلى سهل بن هارون، ترجمة الكتب الفارسية. كذلك نذكر كتاب "هزار افسانه " ومعناه ألف خرافة، والناس يسمون هذا الكتاب ألف ليلة وليلة

03 - وفي خلافة هارون الرشيد (170 هـ/ 786،ـ 193هـ / 808 م) أسس في بغداد في بيت الحكمة" لأعمال النقل والترجمة، الذي ازدهر في عهد ولده عبد الله المأمون (198 هـ/813 م- 218 هـ/833 م)، فترجمت فيه أمهات الكتب اليونانية القديمة، وأقيمت فيه المراصد، ورسمت فيه الرسوم (الخرائط) الجغرافية على أحدث ما توصل إليه العلم في الأرصاد وأعمال المساحة. كما تخرج منه مشاهير العلماء أمثال " محمد بن موسى الخوارزمي (ت 232 هـ846 م) " الذي عهد إليه المأمون بوضع كتاب في علم الجبر، فوضع كتابه " المختصر في حساب الجبر والمقابلة"، وهذا الكتاب هو الذي أدى إلى وضع لفظ الجبر وإعطائه مدلوله الحالي.

04 - وفي مجال الطب والعناية بالمرضى أنشأ العباسيون عدداً كبيراً من البيمارستانات (المستشفيات)، ومخازن الأدوية، واستأثرت العاصمة بغداد بالعديد منها، فنسمع عن البيمارستان الذي أنشأه الرشيد في الجانب الغربي من بغداد على يد الطبيب "جبرائيل بن بختيشوع "، والبيمارستان الصاعدي أيام المعتضد في الجانب، الشرقي من بغداد، والبيمارستان المقتدري الذي بناه المقتدر سنة 306 هـ 918م، وبيمارستان السيدة الذي أنشأته أمه في الأعظمية، وبيمارستان ابن الفرات الذي أنشأه وزيره أبو الحسن علي بن الفرات، والبيمارستان العضدي... الخ. وكانت هذه محاولة لإيجاد أماكن تعالج فيها المرضى ويخضعون للملاحظة والتسجيل، وهي أساس المستشفيات الحديثة.

05 - قد توصل الأطباء المسلمون إلى أراء جديدة في الطب تخالف أراء القدماء في معالجة كثير من الأمراض، واستخدموا في مستشفياتهم الكاويات في الجراحة، ووصفوا صب الماء البارد لقطع النزف أو معالجة الحميات، وعالجوا الأورام الأنفية وخياطة الجروح، وقطع اللوزتين، وشق أوراق الحلق، وقطع الأثداء السرطانية، وإخراج الحصاة من المثانة، وجراحة الفتق وجراحة العيون، وإخراج الجنين بالآلة، وإخراج العظام المكسورة، واستخدام المرقد (البنج) (ويدخل في تركيبه الأفيون والحشيش وست الحسن) كما فرقوا بين الحصبة والجدري... الخ.

06 - كانت الدولة تراقب الممارسات الطبية والأطباء، فكانوا يمتحنون الأطباء والصيادلة فقد امتحن الصيادلة زمن المأمون والمعتصم، وأمر الخليفة المقتدر الطبيب الكبير سنان بن ثابت بن قرة سنة 316 هـ بمنع سائر المتطببين من التصرف وممارسة مهنتهم إلا بعد إجراء امتحان لهم، فامتحن يومئذ أكثر من ثمانمائة طبيب. وكان كل من يقوم بممارسة مهنة الطب، يؤخذ عليه قسم الطبيب المسلم والذي كان يعتمد على المحافظة على سر المريض وعلاجه دون تمييز وأن يحفظ كرامة المهنة وأسرارها.

وكان المحتسب هو الذي يأخذ عليه هذا القسم، لأن من عمله مراقبة هذه المهنة ونصه " برئت من قابض أنفس الحكماء، ورافع أوج السماء، فاطر الحركات العلوية، إن خبأت نصحا وبدأت ضرا، أو قدمت ما يقل عمله. إذا ما عرفت ما يعظم نفعه، وعليك بحسن الخلق بحيث تسمع الناس واستفرغ لمن ألقى، إليك زمامه ما في وسعك فإن ضيعته، فأنت الضائع والله الشاهد على وعليك والسامع لما تقول، فمن نكث عهده فقد استهدف لقضائه، إلا أن يخرج من أرضه وسمائه ".

07 - من مشاهير الأطباء الذين برزوا في العصر العباسي الأول نذكر الطبيب "جورجيوس (جرجس) ابن بختيشوع "

وفي أيام المعتصم وولديه الواثق والمتوكل، برز الطبيب "يحيى بن ماسويه(ت 243 هـ) " الذي تنسب إليه مؤلفات طبية عديدة من أهمها: "كتاب دغل العين) أي ما يضر العين ويؤذيها، وهو أول كتاب عربي في علم الرمد. كذلك يؤثر عن هذا الطبيب أنه كان يدرس التشريح عن طريق تقطيع أجسام القردة، وكان الخليفة المعتصم يعتمد على مشورته، ولهذا كان يحتفظ ببنية قوية. ويعرف " ابن ماسويه " في الغرب باسم "ماسو الكبير" MESUE MAIOR .

كذلك نذكر الطبيب اللامع "حنين بن إسحاق (ت 260 هـ ) الذي عرف عند علماء الغرب باسم يوهانيتس YOHANTUS الف كتباً كثيرة أهمها كتاب في الرمد باسم "العشر مقالات في الـعين "، وكتاب " السموم والترياق "، وكتاب في أوجاع المعدة، وكتاب في الحميات، وكتاب في الفم والأسنان. وهذا الكتاب الأخير أعجب به الخليفة الواثق لأنه يصف الفم والأسنان وصفاً دقيقاً. وقد نقل المسعودى في كتابه "مروج الذهب (ج 4 ص 80- 81) " قسماً منه، ذكر فيه أن عدد الأسنان في الفم اثنتان وثلاثون سناً، منها في اللحى (الفك) الأعلى " ستة عشر سناً، وفي اللحى الأسفل كذلك.

الخلاصة :

ازدهرت العلوم العقلية والتجريبية الإسلامية نتيجة لهذه الاستراتيجية العباسية التي قدمت كل تشجيع لحركة النقل والترجمة، مما أدى إلى ذيوع الكتب العلمية المنقولة إلى العربية، ومن ثم صارت اللغة العربية لغة علمية بعد أن كانت لغة شعر وأدب فقط.

ب- نماذج من العلماء المسلمين :

تمهيد :

مما يجب ملاحظته ما تميز به علماء الإسلام من الجمع بين العلوم الفقهية والعلوم الطبيعية،

فالكندي مثلاً ت 260 هـ/873 م جمع بين الفلسفة والمنطق والحساب والفلك والهندسة والسياسة والطب والفقه وأصول العقيدة، وابن سينا ت 428 هـ 1036 م جمع بين الطب والفلسفة والرياضيات والعلوم الطبيعية والموسيقى والفلك والحدود والشعر واثبات التنبؤات والقدر، ومثلهما الفارابي والرازي وعمر الخيام وابن النفيس وعبد اللطيف البغدادي وابن رشد وابن الطفيل والسمعاني وغيرهم.

لقد عرض هؤلاء العلماء لكبريات المشكلات المنطقية فعالجوها بأصالة المنهج في الملاحظة والتشخيص والكشف عن الأسباب والعلامات

لم يقع العلماء المسلمون فريسة التفريق بين الإلهام الإلهي والنظر الاستنباطي، وإنما جعلوهما يلتقيان على نحو من التكامل، فغاية العلوم الفقهية، تعليم الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورسم نهج الحياة، وغرض العلوم الطبيعية، الوقوف على الحقيقة والتوجه إلى الخير والتحويل عن الشر، فالدرس والتفحص مقرون بالقياس واستخراج الحكمة هي السبل الصحيحة للوصول إلى الحقيقة العلمية،

.فكانت محصلة كل ذلك دراسة العلوم الدنيوية دون أن تؤثر على العقيدة الإسلامية، إذ عملوا على سد الثغرات التي يمكن أن تؤثر على علمهم وذلك بالبحث والدرس. وهذا ما جعلهم يربطون بين ما تلقوه من تعاليم القرآن وتصوراتهم وآرائهم الفلسفية والعلمية بتوازن تام ونسق منهجي باهرلذلك يصعب تصنيف العلماء حسب العلوم ولكن سنذكر نماذج حسب التسلسل التاريخي :

01 - جابر بن حيان

مولده ونشأته: أبو عبد الله جابر بن حيان بن عبد الله الأزدي، ولد على أشهر الروايات في سنة( 101 هـ/721 م وقيل أيضاً 117 هـ / 737 م )وقد اختلفت الروايات على تحديد أصله وكذلك مكان مولده توفي حوالي عام ( 198هـ، /813 م.)

ولعل هذا الانتساب ناتج عن تشابه في الأسماء فجابر المنسوب إلى الأندلس هو عالم فلكي عربي ولد في إشبيلية وعاش في القرن الثاني عشر الميلادي. ولكن معظم المصادر تشير إلى أنه ولد في مدينة طوس من أعمال خراسان.

وقد وصف بأنه كان طويل القامة ، كثيف اللحية مشتهرا بالإيمان والورع وقد أطلق عليه العديد من الألقاب ومن هذه الألقاب "الأستاذ الكبير" و"شيخ الكيميائيين المسلمين" و"أبو الكيمياء" و"القديس السامي التصوف" و"ملك الهند".

وتعتبر مدرسة جابر بن حيان هي الرائدة في مجال تطوير منهج الفرض الذي أرسى على أساسه نتائج علم الكيمياء لديه، وبذلك اعتبر جابر بن حيان صاحب الكيمياء التجريبية القائمة على نظرية فلسفية.
وعلى الرغم
من كونه طبيباً فإنه أول من اشتغل بالكيمياء القديمة ونبغ فيها، حتى إن العرب سمَّوا الكيمياء عامة "صنعة جابر". وضع جابر بن حيان أسس علم الكيمياء حيث عمد إلى التجربة في بحوثه، وآمن بها إيماناً عميقاً، وكان كثيراً ما يوصي تلاميذه بقوله: "أول واجب أن تعمل وتجري التجارب، لأن من لا يعمل ويجري التجارب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان" .

بعض منجزات ابن حيان

هذه قائمة بسيطة وموجزة حول بعض منجزات جابر بن حيان في علوم الكيمياء:

· إكتشف "الصودا الكاوية" أو القطرون (NaOH).

· أول من إستحضر ماء الذهب.

· أول من أدخل طريقة فصل الذهب عن الفضة بالحلّ بواسطة الأحماض. وهي الطريقة السائدة إلى يومنا هذا.

· أول من أكتشف حمض النتريك.

· أول من إكتشف حمض الهيدروكلوريك.

· إعتقد بالتولد الذاتي.

· أضاف جوهرين إلى عناصر اليونان الأربعة وهما ( الكبريت والزئبق) و أضاف العرب جوهرا ثالثا وهو (الملح).

· أول من إكتشف حمض الكبريتيك وقام بتسميته بزيت الزاج.

· أدخل تحسينات على طرق التبخير والتصفية والإنصهار والتبلور والتقطير.

· استطاع إعداد الكثير من المواد الكيميائية كسلفيد الزئبق و أكسيد الارسين (arsenious oxide).

· اخترع القلويات المعروفة في مصطلحات الكيمياء الحديثة

· صاحب الفضل في اكتشاف ملح النشادر والبوتاس

· عمليات الترشيح، والتصعيد، وتكرير المعادن، وتحضير الفولاذ، وصبغ الأقمشة، ودبغ الجلود، وطلاء القماش المانع لتسرب الماء

· واستعمال ثاني أكسيد المنغنيز في صنع الزجاج.

· وهو أول من استعمل الموازين الحساسة والأوزان المتناهية في الدقة في تجاربه العلمية

· وضع جابر بن حيان مع أبي بكر الرازي أسس المنهج العلمي التجريبي

.مؤلفاته: جاء في كتاب "الأعلام" للزركلي أن جابراً له تصانيف كثيرة تتراوح ما بين مئتين واثنين وثلاثين وخمس مئة كتاب، ضاع أكثرها، وتُرجمت بعض كتبه إلى اللغة اللاتينية والإنجليزية، ومن أهم هذه الكتب: - كتاب "السموم ودفع مضارها". - نهاية الإتقان: وهو مؤلف رائد في الكيمياء. - أصول الكيمياء. - استقصاءات المعلم. - الموازين الصغير. - كتاب الرسائل السبعين: ويشمل سبعين مقالة حول أهم تجاربه في الكيمياء والنتائج التي توصل إليها.

02 - محمد بن موسى الخوارزمي

مولده ونشأته: أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي (أبو جعفر) (حوالي 164هـ /781م) وتوفي(230هـ/ 845م )، كان من أوائل علماء الرياضيات المسلمين حيث ساهمت أعماله بدور كبير في تقدم الرياضيات في عصره.

نشأته : انتقلت عائلته من مدينة خوارزم في خراسان إلى بغداد في العراق، أنجز الخوارزمي معظم أبحاثه بين عامي 813 و 833 في دار الحكمة، التي أسسها الخليفة المأمون. و نشر أعماله باللغة العربية، التي كانت لغة العلم في ذلك العصر. وتجمع الموسوعات العلمية -كالموسوعة البريطانية وموسوعة مايكروسوفت إنكارتا وموسوعة جامعة كولومبيا وغيرها - على أنه عربي، في حين تشير مراجع أخرى إلى كونه فارسي الأصل.

الخوارزمي عالم الرياضيات:

ابتكر الخوارزمي مفهوم الخوارزمية في الرياضيات و علم الحاسوب، (مما اعطاه لقب أبي علم الحاسوب عند البعض)، حتى إن كلمة خوارزمية في العديد من اللغات (و منها algorithm بالانكليزية) اشتقت من اسمه، بالإضافة لذلك، قام الخوارزمي بأعمال هامة في حقول الجبر و المثلثات والفلك و الجغرافية و رسم الخرائط. أدت أعماله المنهجية و المنطقية في حل المعادلات من الدرجة الثانية إلى نشوء علم الجبر، حتى إن العلم اخذ اسمه من كتابه حساب الجبر و المقابلة، الذي نشره عام 830، و انتقلت هذه الكلمة إلى العديد من اللغات (Algebra في الانكليزية).

أعمال الخوارزمي :

ü أنجز الكثير في تجميع و تطوير المعلومات التي كانت موجودة مسبقا عند الإغريق و في الهند، فأعطاها طابعه الخاص من الالتزام بالمنطق.

ü بفضل الخوارزمي، يستخدم العالم الأعداد العربية التي غيرت و بشكل جذري مفهومنا عن الأعداد، كما انه ادخل مفهوم العدد صفر، الذي بدأت فكرته في الهند.

ü صحح الخوارزمي أبحاث العالم الإغريقي بطليموس Ptolemy في الجغرافية، معتمدا على أبحاثه الخاصة.

ü كما انه قد اشرف على عمل 70 جغرافيا لانجاز أول خريطة للعالم المعروف آنذاك.

ü و من أشهر كتبه في الجغرافيا كتاب (صورة الأرض).

عندما أصبحت أبحاثه معروفة في أوروبا بعد ترجمتها إلى اللاتينية، كان لها دور كبير في تقدم العلم في الغرب، أصبح كتابه الخاص بالجبر الذي يدرس في الجامعات الأوروبية عن الرياضيات حتى القرن السادس عشر،

ü كتب الخوارزمي أيضا عن الساعة، الإسطرلاب، و الساعة الشمسية.

تعتبر انجازات الخوارزمي في الرياضيات عظيمة، و لعبت دورا كبيرا في تقدم الرياضيات و العلوم التي تعتمد عليها.

03 - الرازي: الطبيب الإنسان والعالم والموسوعي

مولده ونشأته: ولد بالري قرب طهران سنة(249 هـ / 864 م) توفي سنة(320 هـ / 932م )

ممارسته الطب:

مارس الطب لمدة طويلة في المشافي، وينعته ابن جلجل بأنه "طبيب مارستاني". واحتل الرازي مناصب هامة في المشافي التي عمل فيها، فتولى إدارة بيمارستان الري، وعندما قصد بغداد وأقام فيها، أدار أحد مستشفياتها الذي اختلف في اسمه؛ هل هو البيمارستان العضدي أو المقتدري أو الصاعدي أو التوانسي أو المعتضدي، وما إلى ذلك، والمهم أن الرازي قد تولى إدارة هذا المستشفى لفترة طويلة.

ولما كان الرازي عالماً وطبيباً، وقد كان له عدد كبير من المريدين والتلاميذ يجلسون حوله في حلقات متصلة، يصغون إليه بكل شغف وإعجاب.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن العرب المسلمين هم أول من جعل التدريس من واجبات الدولةو هم أول من عرفوا تأميم الطب والعلاج.

الرازي طبيب المسلمين الأول :

يعدُّ الرازي من الروَّاد الأوائل للطّب، ليس بين العلماء المسلمين فحسب، وإنما في التراث العالمي والإنساني بصفة عامة، ومن أبرز جوانب ريادة الرازي وأستاذيته وتفرده في الكثير من الجوانب أنه:

ü يعدّ مبتكر خيوط الجراحة المعروفة بالقصاب.

ü أول من صنع مراهم الزئبق.

ü قدم شرحاً مفصلاً لأمراض الأطفال والنساء والولادة والأمراض التناسلية وجراحة العيون وأمراضها.

ü كان من روّاد البحث التجريبـي في العلوم الطبية، وقد قام بنفسه ببعض التجارب على الحيوانات كالقرود، فكان يعطيها الدواء، ويلاحظ تأثيره فيها، فإذا نجح طبقه على الإنسان.

ü عني بتاريخ المريض وتسجيل تطورات المرض؛ حتى يتمكن من ملاحظة الحالة، وتقديم العلاج الصحيح له.

ü كان من دعاة العلاج بالدواء المفرد (طب الأعشاب والغذاء)، وعدم اللجوء إلى الدواء المركَّب إلا في الضرورة،

ü كان يستفيد من دلالات تحليل الدم والبول والنبض لتشخيص المرض.

ü استخدم طرقًا مختلفة في علاج أنواع الأمراض.

ü اهتم بالنواحي النفسية للمريض، ورفع معنوياته ومحاولة إزالة مخاوفه من خلال استخدام الأساليب النفسية المعروفة حتى يشفى

ü كما اشتهر الرازي في مجال الطب الإكلينيكي، وكان واسع الأفق في هذا المجال، فقد فرّق بشكل واضح بين الجدري والحصبة، وكان أول من وصف هذين المرضين وصفاً دقيقاً مميزاً بالعلاجات الصحيحة.

ü إلى جانب الطب كان الرازي : كيميائي بارع و مخترع في الفيزياء

قالت عنه المستشرقة الألمانية (زيغريد هونكه) في كتابها "شمس العرب تسطع على الغرب": "في شخصية الرازي تتجسد كل ما امتاز به الطب العربي وما حققه من فتوحات علمية باهرة. فهو الطبيب الذي عرف واجبه حق المعرفة، وقدَّس رسالته كل التقديس، فملأت عليه نفسه وجوانب قلبه، وهو ينقذ المعوزين ويساعد الفقراء. إنه الموسوعي الشمولي الذي استوعب كل معارف سالفيه في الطب وهضمها وقدمها للإنسانية أحسن تقديم، وهو الطبيب العملي الذي يعطي للمراقبة السريرية أهميتها وحقها، وهو البحّاثة الكيميائي المجِّرب الناجح، وهو أخيراً المنهجي في علمه الذي أضفى على الطب في عصره نظاماً رائعاً ووضوحاً يثير الإعجاب".

مؤلفاته:

يذكر كلُّ من ابن النديم والقفطي أن الرازي كان قد دوَّن أسماء مؤلفاته في " فهرست" وضعه لذلك الغرض. ومن المعروف أن النسخ المخطوطة لهذه المقالة قد ضاعت مع مؤلفات الرازي المفقودة، ويزيد عدد كتب الرازي على المائتي كتاب في الطب والفلسفة والكيمياء وفروع المعرفة الأخرى، ويتراوح حجمها بين الموسوعات الضخمة والمقالات القصيرة منها نذكر أ ـ الحصبة والجدري / ب ـ كتاب منافع الأغذية /المرشد أو الفصول / ج - كتاب في "الشكوك على جالينوس" د - كتاب "الطب الروحاني"

04 - البيروني و إسهاماته الحضارية

مولده ونشأته: البيروني هو  محمد بن أحمد أبو الريحان البيروني الخوارزمي، ولد سنة 363هـ/973م بإحدى ضواحي خوارزم في فارس (أوزبكستان حالياً) و توفي سنة(429 هـ - 1037 م ).

كان البيروني عالماً في الرياضيات، والطبيعيات، والفلك، والطب ، بالإضافة إلى كونه مؤرخاً ولغوياً وأديباً.
وعلى الرغم من اطلاعه الواسع على مختلف مجالات المعرفة في عصره، فإن اهتمامه كان مركزاً أكثر على الرياضيات والفلك. ويعدّه أعلام المستشرقين من العباقرة المسلمين العالميين الواسعي الاطلاع..

إسهاماته العلمية :يعترف للبيروني بإسهام في مختلف العلوم:

ü فقد حدَّد بدقة خطوط الطول وخطوط العرض،

ü وناقش مسألة ما إذا كانت الأرض تدور حول محورها أم لا،

ü وبحث في الوزن النوعي، وقدر بدقة كثافة 18 نوعاً من الأحجار الكريمة والمعادن،

ü وتوصل إلى أن سرعة الضوء أكبر من سرعة الصوت،

ü كما شرح كيفية عمل الينابيع الطبيعية والآبار الارتوازية بناء على مبدأ هيدروستاتيكي.

ü وكان البيروني ألمع علماء زمانه في الرياضيات كما يعترف بذلك"سمث" في الجزء الأول من كتابه "تاريخ الرياضيات".

ü اشتغل بالفلك، وبحث في هيئة العالم وأحكام النجوم،

ü وضع طريقة لاستخراج مقدار محيط الأرض تعرف عند العلماء الغربيين باسم " قاعدة البيروني" ؛

ü وصف ظواهر الشفق وكسوف الشمس وغير ذلك من الظواهر الطبيعية بجانب إشارته لدوران الأرض حول محورها.

ü كما كان ملمًا بعلم المثلثات، وهو من الذين بحثوا في التقسيم الثلاثي للزاوية.
مؤلفاته :
ترك البيروني مؤلفات عديدة، تزيد عن مائة وخمسين كتاباً، وقد ذكر أغلبها في رسالته المعروفة بالفهرس، وتتناول مواضيع متنوعة منها الجغرافيا، والرياضيات، والفلك. من أشهرها :
"كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية"، ناقش فيه البيروني دوران الأرض حول نفسها، وتسطيح الكرة

ü "القانون المسعودي في الهيئة والنجوم"، ألفه البيروني (421هـ/1030م) تناول فيه مختلف موضوعات الفلك والرياضيات.

ü "تاريخ الهند"، ضمنه البيروني خلاصة دراساته في الهند.

ü "كتاب التفهيم لأوائل صناعة التنجيم"، يبحث هذا الكتاب الحساب، والهندسة، والجبر، والعدد، والفلك.

ü ترك البيروني عدة رسائل في الهندسة، والحساب، والفلك، والآلات العلمية، والطب، والصيدلة. كما كانت له مراسلات مع ابن سينا.

ü وإضافةً إلى ذلك، فقد ترجم عدداً من الكتب من اللغة السنسكريتية إلى العربية.
وقد ترجمت معظم كتبه إلى اللغات الفرنسية، والألمانية، والإنجليزية، ونشرت في القرنين التاسع عشر والعشرين

05 - الحسن بن الهيثم

مولده ونشأته:
هو الحسن، أبو علي، محمد بن الحسن بن الهيثم، ولد في البصرة عام 354 )هـ /965م) توفي في القاهرة سنة (431 هـ/ 1039م )

مؤلفاته:

يقول ابن أبي أصيبعة (596هـ - 668 هـ = م1200 - 1270 م) أحمد بن القاسم بن خليفة بن يونس الخزرجي موفق الدين، أبو العباس ابن أبي أصيبعة: الطبيب المؤرخ، صاحب (عيون الأنباء في طبقات الأطباء - ط) في مجلدين. "إن ابن الهيثم كان متفنناً في العلوم، لم يماثله أحد من أهل زمانه في العلم الرياضي، ولا يقرب منه
ذكر أن لابن الهيثم ما يقرب من مأتي كتاب، خلا رسائل كثيرة، فقد ألف في الهندسة والطبيعيات، والفلك، والحساب والجبر والطب والمنطق والأخلاق.

ألف في شؤون طبية هامة نقل معظمها عن غالينوس، ولكنه علق عليها وزاد فيها، وألف كتباً أخرى، ذات صلة بالطب والمعالجة، كرسالته في تأثير اللحون الموسيقية، في النفوس الحيوانية·
شهرته:

ü وأما شهرة ابن الهيثم الكبرى فجاءته من دراساته الطبيعية والرياضية والهندسية، التي أدخل فيها إلى هذه العلوم نظريات وبحوثاً وتطبيقات جديدة، لم تكن معروفة قبله·

ü قلب ابن الهيثم الأوضاع القديمة، وأنشأ علماً جديداً أبطل فيه علم المناظر، الذي أنشأه اليونان،

ü كما أنشأ علم الضوء الحديث، يعود إليه الفضل في إدخال العناصر الأولية من علم الضوء إلى أوربا، وما أورده في كتاب البصائر عن تشريح العين وغريزتها وكيفية الإبصار يدل على أنه كان مطلعاً اطلاعاً عميقاً على عناصر معرفتها فهو وصف العين وصفاً دقيقاً فيما يتعلق بوظيفتها في الإبصار·

ü بعد وفاة الحاكم بأمر الله الفاطمي أتم أكبر أعماله العلمية وأعظمها شأناً هو كتاب "المناظر" الذي أحدث دوياً كبيراً في الأوساط العلمية فيما بعد،

ü كما ألف كتاب الذخيرة الذي اختلط أمره على بعض مؤلفي الغرب وظنوا أنه لأبي جعفر الخازن إلى أن وضح هذه الصورة المستشرق الألماني فيدمان Viedmann، وأثبت أن كتاب الذخيرة من تأليف ابن الهيثم،

ü وجاءت في كتابه "الذخيرة" ومخطوطة "الفاتح" صور لأجزاء كرة العين وعناصرها التشريحية·

ü أكبر فيزيائي عربي، وكتابه في البصريات تضمن أول وصف صحيح للعين بأخلاطها المائية وجسمها البللوري وقرنيتها وشبكيتها وغرفتها المظلمة·

ü ومن كتبه الهامة أيضاً "الكرة والأسطوانة" و "المخروطات
، ويعد من أعظم العلماء وصاحب عبقرية خالدة ومازالت الحضارة البشرية تستمد منها النور والمعرفة، وكانت مؤلفاته مرجعاً للكثير من علماء الغرب، أمثال بيكون وكيبلرو نيوتن

06 - أبو جعفر الخازن

مولده ونشأته: (000 م- 550 هـ) (000 م - 1155 م) عبد الرحمن الخازن، أو الخازني (أبو الفتح) عاش في مرو من أعمال خرسان اشتهر بالرياضيات والفلك،وحياة الخازن يلفها الإبهام والغموض، كمل خلط فريق من الكتاب بينه وبين علماء آخرين، وأسندوا بعض أعماله إلى غيره.

أعماله :

ü اشتغل بالفيزياء والميكانيكا (أو علم الحيل)،

ü كما حسب جداول فلكية عُرفت باسم (الزيج المعتبر السيخاري)، فدقق في مواقع النجوم، وأعطى جداول السطوح المائلة والصاعدة.

ü ومن الموضوعات التي عالجها الخازن موضوع (كتلة الهواء).

ü وبحث الخازن كذلك في الأجسام الطافية، وفي الكثافة وطريقة تعيينها للأجسام الصلبة والسائلة.

ü وأورد بعض القيم ، لأوزان الأجسام النوعية، وهي قيم دقيقة إلى أقصى حد. وقد اخترع الخازن ميزاناً خاصاً لوزن الأجسام في الهواء وفي الماء. وعلى ذلك يعتبر الخازن الممهد الأول لطريق قياس عنصري الضغط ودرجة الحرارة.

ü للخازن بحوث في الجاذبية

ü قيل أنه أول عالم حلّ المعادلات التكعيبية هندسياً بواسطة قطوع المخروط، كما بحث في المثلثات على أنواعها.

مما سبق يتضح لنا أن الخازن كان من كبار علماء العرب، جال في ميادين متعددة، وقدم بحوثاً مهمة، وترك اختراعات خدم بها الإنسانية، مما أسهم في تقدهما

مؤلفاته :

ü ومن المؤلفات المهمة التي تركها الخازن كتاب (ميزان الحكمة) الذي يعد من أنفس كتب العلوم عند العرب، لما تضمنه من البحوث المبتكرة، وفيه تتجلى عبقرية الخازن. ففي الكتاب جمع الخازن الموازين وبيّن وجوه الوزن، وبذلك مهّد لاختراع (البارومتر) و (الترمومتر) وسائر الموازين الحديثة التي ظهرت على يد العلماء الأوروبيين.

ü كتاب كتاب زيج الصفائح

ü كتاب المسائل العددية

07 - ابن سينا

مولده ونشأته: ابن سينا هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، ولد في قرية (أفشنة) الفارسية قرب بخارى في أوزبكستان حاليا سنة 370هـ (980م) وتوفي في همذان سنة 427هـ (1037م)

اشتهر بالطب والفلسفة واشتغل بهما. عرف باسم الشيخ الرئيس وسماه الغربيون بأمير الأطباء.

. إن ابن سينا هو من أول من كتب عن الطبّ فى العالم الإسلامى ولقد اتبع نهج أو أسلوب هيبوكراتس و جالين. وقد قال جورج سارتون عن ابن سينا أنّه أشهرعالم فى الإسلام . كما أنّه يعتبر من الأعظم شهرة فى كل الأزمان و الأماكن والأوقات. وأعظم أعماله المشهورة هى كتاب الشفاء وكتاب القانون فى الطب.

مؤلفاته : ألّف 450 كتاب فى مواضيع مختلفة, العديد منها يركّز على الفلسفة والطب

ü فی الفلسفه : الإشارات والتنبیهات ، الشفاء ، النجاة

ü في الرياضيات رسالة الزاوية ،مختصر إقليدس ،مختصر الارتماطيقي ،مختصر علم الهيئة ،مختصر المجسطي

رسالة في بيان علّة قيام الأرض في وسط السماء

ü في الطبيعيات وتوابعها رسالة في إبطال أحكام النجوم ،رسالة في الأجرام العلوية وأسباب البرق والرعد،رسالة في الفضاء ،رسالة في النبات والحيوان

ü في الطب: كتاب القانون الذي ترجم وطبع عدّة مرات والذي ظل يُدرس في جامعات أوروبا حتى أواخر القرن التاسع عشر.،كتاب الأدوية القلبية ،كتاب دفع المضار الكلية عن الأبدان الإنسانية ،الألفية الطبية المشهورة التي ترجمت وطبعت

ü في الموسيقى مقالة جوامع علم الموسيقى ،مقالة الموسيقى ،مقالة في الموسيقى

08 - ابن النفيس: الطبيب العالم والفقيه

مولده ونشأته:

علاء الدين أبو العلاء ابن النفيس (000 هـ - 687 هـ = 000 م - 1288 م) ترعرع في ربوع القرشية من أعمال حمص، ، وانضمَّ إلى مدارس الفقه والحديث فيها، وعكف على دراسة علوم العربية وبيانها وصرفها، وأدرك معانيها وبديعها في زمن قياسي لم يعتده دارس قبل ابن النفيس، فكان إطراء الأساتذة على تلميذهم النابه شديداً مشجِّعاً، حتى خيّل للبعض أن ابن النفيس سيكون عالم فقه وحديث من الطراز الأول.

ولكن ابن النفيس ذهب في اتجاه آخر، حيث وجد نفسه توّاقاً للعلم والطبّ، كانت دمشق في تلك الفترة تحت حكم الأيوبيين الذين كانوا يعتنون بالعلم عامةً، وبالطب خاصة، وجعلوا من دمشق حاضرة للعلوم والفنون، وكانت تضم، في ما تضم، مكتبة عظيمة تحوي نفائس الكتب، وبيمارستاناً عظيماً اجتذب أمهر أطباء العصر الذين توافدوا إليه من كل مكان وهو "البيمارستان النوري"، نسبة إلى نور الدين زنكي منشئ هذا البيمارستان..

وفي هذا المعهد، درس ابن النفيس الطبّ.

أعمال ابن النفيس :

ü وكان طبيباً فذّاً وصفه ابن أبي أصيبعة، الذي ولد في دمشق (سنة 600هـ /1203م) وزامل ابن النفيس في التلمذة والتدريب على يديه، بقوله: "وقد عالج أمراضاً كثيرة مزمنة كان أصحابها قد سئموا الحياة، ويئس الأطباء من برئهم، فبرئوا على يديه بأدوية غريبة يصفها أو معالجات بديعة يعرفها".

ü لم ينس الاهتمام بدراسة الفقه على المذهب الشافعي، فالتحق بالمدرسة المسرورية، وتردَّد على مجلسه العلماء والأعيان وطلاب العلم يطرحون عليه مسائل الفقه والطب والأدب، ووصفه معاصروه بأنه كريم النفس، حسن الخلق، صريح الرأي، متديّن على المذهب الشافعي، ولذلك أفرد له السبكي ترجمة في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى"، باعتباره فقيهاً شافعياً".

ü اقترن اسم ابن النفيس باكتشافه الدورة الدموية الصغرى، أو دوران الدم الرئوي، التي سجّلها في كتابه "شرح تشريح القانون" لابن سينا، وقبل العالم الطبيب الإنجليزي هارفي المتوفى (سنة 1068 هـ /1657م)، الذي بحث في دورة الدم بعد ما يزيد على ثلاثة قرون ونصف من وفاة ابن النفيس، وظلَّ الناس يتداولون هذا الوهم حتى أبان عن الحقيقة محي الدين التطاوي في رسالته العلمية.

ü يعزى إليه أنه اكتشف الدورتين الصغرى والكبرى للدورة الدموية،

ü وضع نظرية باهرة في الإبصار والرؤية،

ü كشف العديد من الحقائق التشريحية،

ü وجمع شتات المعرفة الطبية والصيدلانية في عصره،

ü قدّم للعلم قواعد للبحث العلمي وتصوّرات للمنهج العلمي التجريـبي.

ü أوَّل من طالب مرضاه بضرورة الاعتدال في تناول الملح ، وقدّم أدق الأوصاف لأخطار الملح، وأثره على ارتفاع الضغط،

ü كما أنه أبدع في تشريح الحنجرة وجهاز التنفس والشرايين وبيّن وظائفها.

ü أما عن تشريح ابن النفيس جثة الإنسان، فقد دار الجدل حولها، وظهرت في الأفق وجهات نظر ثلاث:

الفريق الأول: ينكر قيام ابن النفيس والعلماء العرب المسلمين بأي عمل تشريحي كان،

أما الفريق الثاني: يقول: "إن ابن النفيس قد شرّح، ولكن شرّح الحيوان فقط". كما فعل جالينوس.

أما الفريق الثالث: يعتقد أن ابن النفيس شرّح جثة الإنسان، ويعزز هذا الفريق رأيه بالقول بمشروعية تشريح جثة الإنسان، ويعزي سيادة فكرة تحريم تشريح جثة الإنسان إلى الموروثات الشعبية العامية النابعة من الاحترام الشديد للأجداد وللموتى، وإلى هذا المعنى ذهب ابن النفيس، وقال في مقدمة كتابه شرح تشريح القانون لابن سينا - (ج 1 / ص 1)

"وقد صدنا عن مباشرة التشريح وازع الشريعة، وما في أخلاقنا من الرحمة فلذلك رأينا أن نعتمد في تعرف صور الأعضاء الباطنة على كلام ما تقدمنا من المباشرين لهذا الأمر" وهذا الكلام رآه الدكتور سليمان قطاية دليلاً على قيام ابن النفيس بالتشريح، حيث يقول: من المعروف أن المؤلف يكتب مقدمة كتابه بعد الانتهاء من تأليفه، ولربما لاحظ ابن النفيس أن ما جاء في كتابه كان دليلاً على مزاولته التشريح، فوجد أنه من الأفضل والأنسب أن ينفي عنه التهمة من البداية، فكتب هذه الجملة، خاصة أن القلائل هم الذين سيقرأون الكلام برمّته، لأن النسخ منه قليلة.

ولقد استند "مايرهوف" "وشاخت" وغيرهما على هذه الجملة لنفي قيام ابن النفيس بالتشريح إطلاقاً.

مؤلفاته :

لابن النفيس مؤلّفات كثيرة نشر بعضها وما يزال بعضها الآخر حبيس رفوف المخطوطات لم ير النور بعد، منها:

ü شرح فصول أبقراط، والمهذَّب في الكحل المجرَّب، الموجز في الطبّ، شرح تشريح القانون وهو من أهمِّ الكتب، وتبرز قيمته في وصفه للدورة الدموية الصغرى،

ü اكتشافه أنَّ عضلات القلب تتغذى من الأوعية المبثوثة في داخلها لا من الدم الموجود في جوفه.

ü نقض كلام أعظم طبيبين عرفهما العرب في ذلك الوقت، وهما: جالينوس، وابن سينا،

ü أعظم مؤلَّفاته تتمثل في موسوعته الكبيرة المعروفة بـ"الشامل في الصناعة الطبية".وكان ابن النفيس قد وضع مسودات موسوعته في ثلاثمائة مجلَّد، بيّض منها ثمانين، وهي تمثِّل خلاصة الجهود العلمية للمسلمين في الطب والصيدلة لخمسة قرون من العمل المتواصل. وقد وضعها ابن النفيس لتكون نبراسًا ودليلاً لمن يشتغل بالعلوم الطبية.

ü كان ابن النفيس فيلسوفًا وعالمًا بالتاريخ وفقيهاً ولغويًا، له مؤلّفات في اللغة والنحو، حتى كان ابن النحّاس العالم اللغوي المعروف لا يرضى بكلام أحد في القاهرة في النحو غير كلام ابن النفيس، وكان يقضي معظم وقته في عمله أو في التأليف والتصنيف أو في تعليم طلابه.

ü كتاباته الإسلامية:اهتمَّ ابن النفيس، بالعلوم الإسلامية، كالسير والأحاديث، وقد بقي من كتبه التي قيل عنها إنها كانت كثيرة، كتاب في سيرة الرسول(ص) تحت عنوان: "الرسالة الكاملية في السيرة المحمدية" وكتاب آخر في أصول الحديث تحت عنوان: "مختصر في علم أصول الحديث".

ü وله رسالة في علم الكلام عارض فيها كتاب أبو حيّان التوحيدي "حيّ بن يقظان"، وهذه الرسالة تحت عنوان "فاضل بن ناطق".

ü كما كتب ابن النفيس كتباً في الفقه ، ولكنها كانت شرحاً على التنبيه للشيرازي.. غير أن المصادر التي أشارت إلى هذا الكتاب ذكرته اسماً ولم تحصل على نسخة منه للتأكد من ذلك.

ü ويقال إن ابن النفيس كتب في الفلسفة شرحاً لكتاب "الإشارات"، وآخر لكتاب "الهداية في الحكمة" للشيخ الأديب والرئيس ابن سينا، ونلاحظ أن معظم مؤلَّفاته كانت تصنيفاً وشرحاً للكتب الشهيرة.


09 - ابن خلدون ورؤيته النقدية للتاريخ
: 732 هـ ـ 808 هـ/ 1332 م ـ 1406م

مولده ونشأته: ولد ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خالد (خلدون) الحضرمي بتونس في [ غرة رمضان 732هـ= 27 من مايو 1332م] ، في أسرة أندلسية الأصل من مدينة اشبيلية، هاجرت إلى المغرب، ثم قدمت إلى تونس أثناء بداية حكم الحفصيين.

قرر الهجرة إلى مصر سنة 1382 أيام حكم الملك الظاهر برقوق أقام ابن خلدون في مصر إلى أن وافته المنية في رمضان عام 1406 م، وكان حينئذ قاضي قضاة المالكية فيها.

أعماله :

ü يعد ابن خلدون عبقرية عربية متميزة، فقد كان عالمًا موسوعيًا متعدد المعارف والعلوم،

ü وهو رائد مجدد في كثير من العلوم والفنون،

ü فهو المؤسس الأول لعلم الاجتماع،

ü وإمام ومجدد في علم التاريخ،

ü وأحد رواد فن الأتوبيوجرافي ـ فن الترجمة الذاتية ـ

ü كما أنه أحد العلماء الراسخين في علم الحديث،

ü وأحد فقهاء المالكية المعدودين،

ü ومجدد في مجال الدراسات التربوية، وعلم النفس التربوي والتعليمي،

ü كما كان له إسهامات متميزة في التجديد في أسلوب الكتابة العربية.

ü هو أحد الرواد الذين شيدوا البناء البناء الفكري لصرح العلوم الإنسانية، وعلى رأسها علم الإجتماع،

ü ويُنظر إليه على أنه صاحب رؤية حضارية خاصة ،ولاسيما فيما يتعلق بدراسة التاريخ البشري ،والمجتمع الإنساني والعمران الحضاري ،

ü ويتجاوز بعض الدارسين له ذلك فيتحدثون عن عبقريته في الفكر الاقتصادي والتربوي والسياسي وغير ذلك من الحقول المعرفية.

لقد كان ظهور العلامة العربي ابن خلدون في القرن الرابع عشر بمثابة الانعطافة الكبرى التي غيرت أسلوب التفكير ومنهج النظر في شؤون العمران البشري والاجتماع الإنساني .

أهم مؤلفات ابن خلدون :

هو  كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، الذي قدم له بمقدمة شهيرة طغت شهرتها على الكتاب نفسه. و له أيضا شرح البردة و هي كتاب في مدح الرسول، و كتاب لباب المحصل في أصول الدين ، وهو تلخيص كتاب الفخر الرازي في علم التوحيد. وكتاب في الحساب، ورسالة في المنطق.

ابن خلدون و التغيير الاجتماعي:

يؤكد ابن خلدون أن التغيير سمة ثابتة من سنن العمران البشري ولازمة أساسية من لوازمه ولا يحصل تطور الأفراد والمجتمعات والدول إلا بها حيث يقول في تاريخه - (ج 1 / ص 28) << وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول سنة الله التي قد خلت في عباده>>

يقرر ابن خلدون بأن دراسة ظواهر الاجتماع على هذا النحو الذي أتى به،علم غير مسبوق ،بمنهج غير مطروق من قبل، حيث يؤكد في هذا الصدد في تاريخه - (ج 1 / ص 38) " واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة عزيز الفائدة اعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص"

.ويقوم منهج ابن خلدون التغييري  على المرتكزات  التالية :

1- الإستبصارالإيماني: -2- الجماعة أو العصبية: 3- الاقتران بين الإستبصارالإيماني وفقه الواقع الاجتماعي:

الخاتمة

لم يختلف العلماء المسلمون في حث الأمة على طلب العلوم بأنواعها وتعلم الصناعات بأشكالها كافة, حتي قال الفيلسوف ابن رشد (خلال القرن الثاني عشر الميلادي) ما نصه: "ولذلك وجب على من أراد أن يعرف الله تعالي المعرفة التامة, أن يفحص عن منافع جميع الموجودات (مناهج الأدلة لابن رشد), بل يؤكدون على أن تعلم العلوم والصناعات التى يحتاجها المجتمع هي من الواجبات الكفائية التى يعاقب المجتمع على تركها.

والحضارة الإسلامية ـ فى حقيقتها ـ هي ثمرة جهود علماء وخبراء فى اختصاصات مختلفة ابتداء بعلماء الشريعة ومرورا بعلماء الطبيعيات والاجتماعيات وانتهاء بالصناعيين والفنانين.

كان معظم هؤلاء يجمعون بين العلوم الطبيعية والعلوم الشرعية والعلوم العقلية والعلوم الإنسانية, ويعدونها امتدادات لبعضها, حتي أطلقوا عليها وصف " العلوم والفنون الإسلامية " وسمي علماؤها العلماء المسلمين " وكان المتخصص بالكيمياء يسمى عالما كيميائيا وفى الفلك عالما فلكيا , وفى الفقه عالما فقهيا , وفى الحديث عالما محدثا ولم يكن لهذا التألق العلمى ليتحقق بدون الأجواء والمناهج التى وفرتها تعاليم القرآن والسنة. ولم يحدث هذا الفصام بين أجزاء العلم إلا فى مراحل التراجع الإسلامي ودخول أوروبا ما عرف ب " عصر النهضة ".

وفى الختام... لايزال الأمل منعقدا على استعادة العلم موقعة لدي المسلمين, فهو رهان الحاضر والمستقبل, بل هو رهان القدرة على البقاء والاستمرار, ولا يقتصر هذا العلم على حقل دون آخر, بل على كل أجزاء العلوم, ولاسيما تلك التي تشكل البنية التحتية العلمية لكل نهضة. ولكي نكون واقعيين, فإن التجربة البشرية التي قطعت أشواطا واسعة ماثلة أمام المسلمين ليأخذوا منها في حدود ما لا يتقاطع مع الشريعة. ويبقي أن علينا استخدام المناهج والآليات التي تشد كل حقل علمي إلى أغراض الدين وأهدافه ومحدداته الشرعية.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } (18) سورة الحشر

والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ آخر تحديث: الثلاثاء, 23 أيلول/سبتمبر 2008 23:54