صفحة الاستقبال

مكتبة المدرّس - دراسات - بحوث


مناهج البحث عند علماء الإسلام طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: نور الدين هميلة والناصر المليح ويونس عطية وكمال بوهلال   

مناهج البحث عند المسلمين

مداخلة الأساتذة : نور الدين هميلة، يونس عطية ، الناصر المليح ، كمال بوهلال

خلال ندوة "قضايا في التفكير الإسلامي" - إشراف الأستاذ محمد سخّانة، متفقّد المدارس الإعدادية والمعاهد - ماي 2008

التخطيط

المقدّمة : تمهيد عام

& مفهوم المنهج العلمي و أهمّيته :

01 - مفهوم المنهج العلمي:

أ- مفهوم المنهج:

*لغة : *اصطلاحا : * المنهج في الاستعمال القرآني * المنهج في السنّة

ب - مفهوم العلم:

*لغة : *اصطلاحا : * العلم في الاصطلاح القرآني: - المفهوم

- دعوة الإسلام إلى العلم والتعلم

- تكوين العقلية العلمية في القرآن

02 - أهمية المنهج العلمي :

& من مناهج البحث عند علماء الإسلام:

تمهيد عام

01 - المنهج الاستدلالي أو الاستنباطي :

أ - تعريفه : ب- قواعده:

ب - أنواعه : * استدلال مباشر

* استدلال غير مباشر: استقرائي

و قياسي

ج - أمثلة من تطبيقات هذا المنهج:

01 - علم أصول الفقه ( مثال القياسي الأصولي)

02 - طريقة الوصول إلى الأحكام الشرعية: 03 - علم الكلام :

02 - المنهج التجريبي:

1 - تعريف المنهج التجريبي

2 - مراحله :

3 - أمثلة من الاستخدامات

03 - المنهج الاستردادي :

أ- تعريفه ونشأته - الاستردادي الغربي

ب أنواعه : - المنهج التوثيقي ( أنموذج علم الجرح والتعديل)

- المنهج التاريخي( مراحله )

& إسهامات العلماء المسلمين في تطوّر العلوم :

01 - تاريخيّة العلم عند المسلمين:

من علم الفرائض إلى علم الحساب

من مواقيت الصلاة إلى علم الفلك

من بنية النص القرآني إلى علوم اللغة

02 - نماذج من المساهمات في تطوّر العلوم:

أ- الشروط التي ساعدت على تحقيق هذه الإسهامات :

* الحرّية * حركة التّرجمة * عناية الدّولة بالمجهود العلمي

ب-نماذج من العلماء المسلمين : تمهيد صعوبة تصنيف العلماء لطابعهم الموسوعي

01- جابر بن حيان

02 - محمد بن موسى الخوارزمي

03 - الرازي

04 - البيروني

05 - الحسن بن الهيثم

06 - أبو جعفر الخازن

07 - ابن سينا

08 - ابن النفيس:

09 - ابن خلدون

الخاتمة

مناهج البحث عند المسلمين

تمهيد عام

إنّ موضوع مناهج البحث العلمي له أهميّة كبرى في عصرنا الحاضر وذلك للكشف عن الخطوط العريضة التي تنظم البحث العلمي في الإسلام وما تتسم به من أصالة وموضوعية وذلك في ضوء توجيهات القرآن الكريم والسنّة النبوية .

فالعلماء المسلمون كانت لهم الريادة في خلق وتنظير مناهج البحث وتطبيقها على جملة من الميادين مثل استخراج القضايا والأحكام وميدان التجريب والاستقراء في علوم الكون والطبيعة الذي كان القبس الذي أشعل جذوة النهضة العلمية في الحضارة الغربية .

كما أنّ هدفنا في البحث هو إشعار المتعلمين والباحثين بعظمة التوجيه الإسلامي في الحقل العلمي والخلقي على حدّ سواء ، وإطلاعهم على أصالة العقلية الإسلامية وريادة المنهجية العلمية في الإسلام .

كما نأمل بهذا البحث المتواضع أن نعمق لدى تلامذتنا وشبابنا أصالتهم الفكرية والعلمية ، ونعيد إليهم الثقة في أنفسهم وفي تراثهم وفي مناهجهم وأن يكون لهم حافزا على النّهوض من جديد واسترداد ما ضاع منهم ، وبالتالي تتحقق لهم الصدارة و الريادة كما تحققت لأسلافهم العظام .

& مفهوم المنهج العلمي و أهمّيته :

I. - مفهوم المنهج العلمي:

1- مفهوم المنهج:

أ- لغة : جاء في جمهرة اللغة لابن دريد : والنَّهْج: الطريق الواضح، والجمع نهوج و نِهاج، وهو المَنْهَج، والجمع مَناهج

ب - اصطلاحا : هو الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سائر العقل وتحدد عملياته الفكرية حتى يصل إلى نتيجة معلومة .

وعرّفه البعض بأنّه : " فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة إمّا من أجل الكشف عن الحقيقة حين نكون بها جاهلين ، أو البرهنة عليها للآخرين حين نكون بها عارفين "

والمنهج المقصود هنا هو المنهج التأملي الذي يسير فيه العقل سيرا مقصودا وفق خطوات معينة وقواعد معلومة ومحدّدة سلفا بخلاف المنهج التلقائي الذي يسير فيه العقل سيرا فطريا بلا قواعد مسبقة ، فهو وإن كان موصلا للحقيقة إلا أنّه ليس المقصود بالدراسة عند علماء المنهج .

ج - المنهج في الاستعمال القرآني :

وردت الإشارة إليه في موضع واحد عند حديث القرآن عن الكتب السابقة وموقف القرآن منها ، وموقف الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب ، حيث يقول تعالى : {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (48) سورة المائدة يقول ابن عباس رضي الله عنهما : " شرعة ومنهاجا أي سبيلا وسنة ، فالمنهاج هو السبيل أي الطريق الواضح ، والشرعة و الشريعة بمعنى واحد، وشرّع : سنّ . ) تفسير ابن كثير - (ج 3 / ص 129)

د - المنهج في السنة :

جاء بمعنى الشيء الواضح الذي ينبغي السير عليه يقول صلى الله عليه وسلم : " تكون النّبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثمّ تكون خلافة على منهاج النّبوة ... " مسند أحمد - (ج 37 / ص 361)

أي يسلك الخلفاء مسالك النبي وينهجون نهجه ويسيرون على طريقته .

الخلاصة :

كلمة منهج شائعة بكثرة في معاجم اللغة العربية وتعني الطريق الواضح ، وفي بداية عصر النّهضة الأوروبية أخذت الكلمة مدلولا اصطلاحيا يعني أنّها طائفة من القواعد العامة المصوغة من أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم بقدر الإمكان . وليس المنهج هدفا في حد ذاته بل وسيلة للوصول إلى المعرفة العلمية الصحيحة، إذ أنه - كما يقول" بيكون " بمثابة من يقوم بإشعال الشمعة أولا ثم بضوء هذه الشمعة ينكشف لنا الطريق الذي علينا أن نسلكه حتى النهاية " .

2 - مفهوم العلم:

أ- لغة : إنما سمي علما لأنه علامة يهتدي بها العالم إلى ما قد جهله الناس, وهو كالعلم المنصوب في الطريق .

ب - اصطلاحا : عني علماء الإسلام بتحديد العلم وصياغة مفهومه صياغة صناعية, كما عنوا بتعريف النظر والمعرفة والعقل والفكر وما إلى ذلك عناية فائقة في القرنين الرابع والخامس الهجريين خاصة, وذهبوا في ذلك مذاهب متباينة تباين اتجاهاتهم الفكرية ومذاهبهم العقدية والفقهية من اعتزالية وأشعرية....

وأقتصر هاهنا على تعريف أورده الإمام المازري (453 - 536 ه = 1061 - 1141 م) محمد بن علي بن عمر التميمي المازري، أبو عبد الله: محدث، من فقهاء المالكية. نسبته إلى (مازر) Mazzara بجزيرة صقلية، ووفاته بالمهدية. وهو:<< اعتقاد الشيء على ما هو به, مع سكون النفس إليه, إذا وقع عن ضرورة أو دليل >> [1]

وهذا التعريف متقدم جدا ومعاصر, إذ أن بعض المعاصرين يعر فه بما لا يختلف عنه, فهو قد جمع فيه بين أربعة عناصر واضحة: اعتقاد + مطابق + سكون النفس + دليل ضروري أو نظري.

لكن من العسير تحقيق المعنى الاصطلاحي تحقيقا يتفق عليه الباحثون في القديم, وفي عصرنا هذا أيضا, وإن ذهب أبو الحسن اللبان ( علي بن محمد بن نصر، أبو الحسن اللبّان الدَّينَوَري، أحد الجوّالين في الحديث المعتنين في جمعه. منع من الحديث، وكان ذلك في آخر عمره. وتوفي 468 هـ)

إلى عدم الجدوى من تعريفه: لأنه أظهر الأشياء, فلا معنى لحده بما هو أخفى منه .

* ليس المقصود بكلمة العلم هاهنا معناه المعاصر في العلوم الدقيقة فحسب, وإنما الغرض مفهومه العام الذي يشمل كل معرفة منظمة, عقلية منطقية كانت أو حسية تجريبية.

ج - العلم في الاصطلاح القرآني:

* - المفهوم : العلم في القرآن ليس قاصرا على العلم الديني أو الأخروي أو عالم الغيب.

ü فقد استعمل القرآن العلم كما ذكر أبو بكر بن العربي بمعناه المطلق الذي يشمل كل علم: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (78) سورة النحل لا تعلمون شيئا في بداية خروج الإنسان إلى الوجود, وكذلك في أواخر حياته إذا بلغ عتيا أو أرذل العمروكلمة "علم" هاهنا نكرة تفيد العموم المستغرق لعلم كل شيء.

ü واستعمل أيضا في العلم بظاهر الحياة الدنيا بكل جوانبها الطبيعية والإنسانية, أي العالم كله: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } (7) سورة الروم, فهذا العلم الدنيوي مقابل للعلم الأخروي.

ü واستعمل العلم في علم الحساب والفلك : {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (5) سورة يونس

ü واستعمله في معرفة مختلف مظاهر الطبيعة: من الماء والسماء والثمرات والجبال والناس والدواب والأنعام واختلاف ألوانها: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) } سورة فاطر

ü واستعمل في تعليم الشعر: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ } (69) سورة يــس

ü وفي تعليم الكتابة: { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ } (282) سورة البقرة.

ü وفي تأويل الرؤيا:{وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (21) سورة يوسف.

ü وفي تعليم السحر: {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ } (71) سورة طـه.

ü وفي الصناعة : {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} (80) سورة الأنبياء.

ü وفي تعليم البيان أو القدرة اللغوية: {خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} (4) سورة الرحمن.

ü واستعمله في فضيلة العلم الذي ينبغي أن يتصف به القائد السياسي والحربي: { قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (247) سورة البقرة

ü واستعمله في علم الاقتصاد: الذي يؤدي إلى الغنى وكسب الأموال والكنوز, كما قال تعالى على لسان قارون: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي } (78) سورة القصص, وفي علم يوسف بالاقتصاد: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (55) سورة يوسف.

ü وفي تعليم آدم أسماء الأشياء: أي القدرة العقلية على وضع الأسماء للأشياء ومعرفة حقائقها: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (31) سورة البقرة.

ü وفي معرفة المنافقين: من خلال لغتهم: {وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} (30) سورة محمد.

ü واستعمل في تعليم كلاب الصيد والجوارح:{وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ}(4) سورة المائدة.

ü وفي علم منطق الطير: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ } (16) سورة النمل.

حدد القرآن الكريم المصدر الأول للمنهج الإسلامي ـ للعلم أبعادًا ثلاثة:

علم الله المختص به. علم يكشفه الله لأنبيائه. علم يعطيه الله للبشر كافة وهو العلم المادي .

ولها ذا بما أن العلم مصدره الله إذن فلابد أن يلتقي والإيمان عند نقطة واحدة

*- دعوة الإسلام إلى العلم والتعلم: دعوة الإسلام إلى العلم والتعلم, وتنويهه بفضل العلم, ومنزلة العلماء, مما لا يختلف فيه اثنان, ونصوص القرآن الكريم والسنة النبوية في ذلك غزيرة مستفيضة. ولا يوجد دين من الأديان أفاض في الثناء, على العلم وأهله كالإسلام, وحسبنا أن أول آيات نزلت من القرآن نوهت بشأن العلم والتعليم " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) "(العلق: 1ـ5).

والعلم الذي نوه به القرآن, وحفلت به آياته, يشمل كل معرفة تنكشف بها حقائق الأشياء, وتزول به غشاوة الجهل والشك عن عقل الإنسانة

ففي القرآن الكريم آيات أثنت على العلم وأهله, من حيث هو (علم), أي معرفة تنكشف بها حقائق الأشياء, دون النظر إلى كونه علما دينيا أو دنيويا .

*- تكوين العقلية العلمية في القرآن : ومن أعظم ما عني به القرآن في مجالنا: هو تكوين العقلية العلمية من خلال :

1 ـ رفض الظن فى موضع اليقين: كما فى مقام تأسيس العقائد التى تقوم عليها نظرة الإنسان إلى الوجود, أعنى: إلى الله والكون والإنسان والحياة ومن هنا أنكر القرآن على المشركين اتباعهم الظن فى هذه القضايا, وقال عز وجل : {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} (36) سورة يونس. ونجد نفس المعنى في عدة آيات مثل (الأنعام 116)و (الأنعام 148).

2 ـ عدم إتباع الأهواء والعواطف في مجال العلم.

ترفض العقلية العلمية الهوى والعاطفة, فالهوى يعمي ويصم, وإتباع العواطف قد يضلل الإنسان عن الحق, وخصوصا العواطف الهوج, مثل الحب الشديد, والكره الشديد, والغضب الشديد.

ولاغرو أن جاء فى الحديث الصحيح: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" صحيح مسلم - (ج 9 / ص 115) بَاب كَرَاهَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ

ولهذا عاب القرآن على المشركين هذين الأمرين: إتباع الظن وهوي الأنفس معا {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} (23) سورة النجم ونجد نفس المعنى في عدة آيات مثل (الجاثية 23).

3 ـ رفض التقليد الأعمى للآباء والأسلاف:

ترفض العقلية العلمية القرآنية الجمود على ما كان عليه الآباء والأجداد, أو التسليم المطلق لما عليه السلف المعظمون, دون وضعه موضع الاختبار, والنظر إليه فى ضوء العقل, وبميزانه المستقل, فليس من المعقول أن يفكر لنا الأموات ونحن أحياء ففي سورة البقرة يقول تعالي {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) } سورة البقرة

ونجد نفس المعنى في عدة آيات مثل (المائدة 104) و(هود 109) و(الزخرف22، 23، 24 ).

4 ـ رفض التبعية للسادة والكبراء:

ترفض العقلية العلمية القرآنية الجمود شمل المتمثل في تبعية الشعوب والجماهير للسادة والكبراء وأصحاب السلطان والثراء فذمها القرآن وحمل الشعوب وزرها, مع المتبوعين..

يقول القرآن في قصة هود وقومه عاد: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} (59) سورة هود. نجد نفس المعنى في عدة آيات مثل(الأحزاب 66، 67 ، 68).

5 ـ التعبد بالنظر العقلي:

تؤكد العقلية العلمية القرآنية على النظر والتفكر, فالنظر عندها فريضة, والتفكر لديها عبادة.

والقرآن حافل بالآيات التى تحض على النظر, وتدعو إلى التفكر, بأساليب شتي, وصور متنوعة.

يقول تعالي: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} (5) سورة الطارق {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} (24) سورة عبس

نجد نفس المعنى في عدة آيات مثل الغاشية 17, 20) و (ق 10) و (الأعراف 185)......

ولم يكن النظر مقصورا على الأشياء, بل تعداها إلى الأحداث والسنن التى تدل عليها, مثل: سنن الله فى عقوبات المكذبين, وفى تغيير ما بالناس من نعم إذا غيروا ما بأنفسهم من خير. وسنته فى سقوط الأمم رغم عمارتها للأرض وكثرة أعدادها.

6 ـ لاتقبل دعوى بغير برهان :

ترفض العقلية العلمية القرآنية  أي دعوى تدعى بغير برهان علمي, يشهد لها, ويدل على صحتها وصدقها, وما لم يوجد دليل يثبت الدعوى أو القضية المطروحة, فهي فى نظر العقل المسلم مرفوضة ساقطة.

لقد رفض القرآن ما شاع لدي كثير من أرباب الديانات السابقة من قبول الدعاوي العريضة, والمعتقدات الموروثة, دون برهان يدل على صحتها, ولم يرض بمسلك الذين قالوا: " اعتقد وأنت أعمي " ! أو" أغمض عينيك ثم اتبعني " !

نقرأ في ذلك حديث القرآن عن دعاوي أهل الكتاب, وتعقيبه عليها: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (111) سورة البقرة

نجد نفس المعنى في عدة آيات مثل (النمل 64)و (الأنبياء 24) و(الأنعام 143) و (الأنعام 148) و (يونس 68).....

7 ـ رعاية سنن الله فى الكون والمجتمع :

ومن معالم "العقلية العلمية" التى ينشئها القرآن: احترام السنن والقوانين التى أقام الله عليها نظام الكون, ونظام المجتمع, وهي سنن وقوانين لها صفة العموم والشمول, فهي تحكم على الناس جميعا , أبيضهم وأسودهم عربهم وعجمهم, الكل فى ميزانها سواء. كما أن لها صفة الثبات والدوام, فهي لا تتغير ولا تتبدل, وهي تجري على الآخرين كما جرت على الأولين, وتعمل فى عصر سفن الفضاء, عملها فى عصر الجمل سفينة الصحراء.

يقول الله تعالي: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ } (137) سورة آل عمران

نجد نفس المعنى في عدة آيات مثل(الفتح 22, 23).....

II.- أهمية المنهج العلمي :

تعود أهمية المنهج في الإسلام إلى كونه الطريق الآمن في الوصول إلى العلم الصحيح ، وبما أنّ الإسلام أمر بالعلم وشجّع عليه وأثنى على أصحابه وذمّ الجهلة ، فإنّه طالب أيضا بالتثبت والتحقق عند طلبه وأثناء ممارسته ، كما أمر بإقامة الدليل والحجّة علة أية دعوى يدعيها الإنسان ، وكما يقول علماء البحث والمناظرة " إذا كنت ناقلا فالصحّة وأن كنت مدّعيا فالدليل " فمثلا لمّا ادعى المشركون أنّ الملائكة بنات الله ، وحكموا عليهم بالأنوثة طالبهم الله عز وجلّ بالبرهان والدليل على ما يدّعون ، وبيّن أنّ هذا الأمر دليله المشاهدة والمعاينة وهم لم يشاهدوا خلق الملائكة فكيف يحكمون عليهم بالأنوثة ؟ إنّه حكم خاطئ لأنّهم سلكوا فيه مسالك وطرق خاطئة وبنوا حكمهم على التخمين والظّن ، وهذا أمر طريق إثباته يعتمد على المشاهدة والمعاينة حيث يقول الله تعالى {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} (19) سورة الزخرف

لهذا كانت عناية الإسلام بالمناهج كبيرة فهي وسيلة التثبت والتحقق في طلب العلم وبدون المنهج السليم من البحث يحلق الذهن بعيدا وربّما تتحكم فيه الأهواء وبالتالي يظل طريقه الصحيح .

ولا يعتبر الإنسان عالما ما لم يسلك منهجا علميا يحقق به موضوعاته ، فلا يكفي أن يكون هناك عقل سليم بل يجب أن نعرف كيف نستخدمه استخداما سليما على حدّ تعبير "ريني ديكارت " .

وقد أمر الإسلام أولي العقول بالاعتبار فقال تعالى : { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} (2) سورة الحشر والمقصود بالاعتبار كما يؤكد العلماء هو القياس وهو أحد المناهج المستخدمة في توليد الأحكام .

إلى جانب ذلك دعا الإسلام إلى العناية بتوثيق الأخبار فقد طالب اليهود بتوثيق دعواهم حينما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم " تدعي أنّك على ملّة إبراهيم ولكنك تخالف شريعته فأنت تأكل من لحوم الإبل وتشرب من ألبانها وإبراهيم قد حرّمها على نفسه ، فنزل القرآن يكذب اليهود ويبيّن أنّ دعواهم ينقصها التوثيق فهي دعوى كاذبة لأنّها قامت على منهج خاطئ لأنّهم لم يشاهدوا إبراهيم ولم يعاصروه ولم يأتهم نً في التوراة يدلّ على ذلك ، فدعواهم إذن تفتقد المنهجية الصحيحة قال تعالى {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } (93) سورة آل عمران

ومن هنا كانت عناية الإسلام بمنهج توثيق الأخبار كعنايته بمنهج القياس والاستنباط في تفريع الأحكام ومنهج التجريب والمشاهدة في علوم الكون والحياة . إذن يمكن القول بأنّ مسألة المناهج في الإسلام هي من الدّين حيث روي عن عبد الله بن المبارك أنه قال :<< الإسناد من الدين ، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء >> القراءة خلف الإمام للبيهقي - (ج 1 / ص 443) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي: (118 - 181 ه = 736 - 797 م) الحافظ، شيخ الاسلام، المجاهد التاجر، صاحب التصانيف والرحلات الأعلام للزركلي - (ج 4 / ص 115) .

الخلاصة : قال الشيخ/ إبراهيم السلقيني بمجلة الجامعة الإسلامية : << وهكذا أعطى المنهج المسلمين حقائق علمية ثابتة لا نظريات متبدلة لذا وجدنا أن سلوك هذا المنهج السليم يضمن للمسلمين الوصول إلى الحقائق العلمية والشرعية و بالتالي يضمن لهم وحدة فكرية ويقضي على أسبابه عدم سلوك هذا المنهج العلمي الصحيح.>>

& من مناهج البحث عند علماء الإسلام:

تمهيد عام حول أنواع المناهج :

إنّ تصنيف العلماء المسلمين لمناهج البحث مرتبط بتصنيفهم المعرفي للعلوم ، فالمعارف والعلوم على كثرتها وتنوعها تنقسم إلى نوعين :

* النوع الأول : وهو ما يسمى بالمعرفة الخبرية ومأتاها النقل والإخبار والرواية أو ما يسمى بالمعرفة النقلية .

* النوع الثاني : وهو المعرفة الاستنباطية أو الاستدلالية والتي مبناها على استخراج الأحكام واستنتاج النتائج وإعمال العقل في توليد الحقائق والبرهنة على القضايا .

ولعل العلماء المسلمين استندوا في هذا التصنيف المعرفي على قوله تعالى في رده على عبدة الأصنام {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (4) سورة الأحقاف

حيث طالبهم المولى عزّ وجلّ بإثبات دعواهم وإقامة الدليل عليها إمّا بتقديم مستند من النقل أو بتقديم مستند من العقل ، أي علامة أو دليل علمي ولعلّ هذا ما دفع بالعلماء عند المناظرة باشتراط هذا الشرط " إن كنت ناقلا فالصّحة وإن كنت مدعيا فالدليل "

كما يجب الإشارة إلى أن علماء المسلمين كانوا قد بدؤوا البحث في المسائل العملية قبل البحث في المسائل الاعتقادية ، ونتج عن هذا أسبقية المنهج الأصولي لدى علماء أصول الفقه قبل منهج المتكلمين في المسائل الإعتقادية ، والمنهج الأصولي هو الاستدلال والاستقراء .

وعلى هذا الأساس رتبنا مناهج البحث عند المسلمين بحسب الأسبقية لا بحسب الأهمية ، باعتبار أنّ المناهج كلّها متساوية من حيث الأهمية ومتداخلة فيما بينها .

01 - المنهج الاستدلالي أو الاستنباطي :

أ - تعريفه : إنّ الاستدلال يعني الإبانة عن شيء مجهول بواسطة شيء معلوم ، أمّا الاستنباط فيعني استخلاص نتائج من شيء نعرفه معرفة يقينية تلزم عنه ، وعلى ذلك فالمنهج الاستدلالي أو الاستنباطي في مجال العلوم العقلية يعني السير بالعقل من قضايا يقينية أو من مبادئ ثابتة مسلم بها حتى يستخلص منها قضايا أخرى دون الالتجاء إلى التجربة . وقد استخدم العلماء منهجي الاستقراء والقياس كأداة للاستنباط واكتشاف الأفكار والنتائج بشكل واسع ودقيق . ومن الجدير بالذكر أنّ هذين المنهجين ( الاستقراء والقياس ) هما المنهجان المتبعان في العلوم والمعارف المادية والإنسانية كلّها .

فلو أخذنا مثلا مسألة إثبات وجود الله لوجدنا هذا الإثبات يعتمد على استقراء جزئيات الكون والموجودات عن طريق الملاحظة والتجربة وهذا الاستقراء هو الذي يقود إلى اكتشاف نتيجة علمية أساسية وهي قانون السببية ، وبتطبيق القياس أي قياس الكون والعالم ككل على جزئيا ته نصل إلى تفسير نشوء الكون والعالم وفق هذا القانون الكلي فنثبت بذلك أنّ للعالم والكون سببا أول تنتهي إليه الأسباب وهو الله سبحانه وتعالى .

ب - قواعد الاستدلال والاستقراء: وضعت قواعد الاستدلال والاستقراء وتطورت على نحو متكامل على يد الإمام الشافعي رحمه الله وذلك في القرن الثاني للهجرة في كتابه القيم " الرسالة " .

* قاعدة المنهج الاستدلالي

وضعت قواعد الاستدلال والاستقراء وتبلورت على نحو متكامل على يد الإمام الشافعي في القرن الثاني للهجرة وذلك في كتابه الرسالة .

والمنهج الاستدلالي قام على قاعدتين :

* الأولى : قاعدة العلية أي أنّ لكل معلول علة .

· الثانية : قاعدة الاطراد في وقوع الحوادث ، أي أن العلة الواحدة إذا وجدت تحت ظروف متشابهة أنتجت معلولا متشابها ، مثال ذلك ما جاء في تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها قياسا على تحريم الجمع بين الأختين في قوله تعالى : { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} (23) سورة النساء

حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ سَمِعَ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : << نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا >> صحيح البخاري - (ج 16 / ص 62)

، وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم العلّة في ذلك القياس بقوله : << إِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ.>> المعجم الكبير للطبراني - (ج 10 / ص 31)

وهاتان القاعدتان هما اللتان أقام عليهما " جون ستوارت ميل " سنة 1873 قواعد منهجه الاستقرائي واشتهر باسمه بعد ذلك ، لكن في الحقيقة إنّ هذا السبق كان فقط في وضع المنهج على صورته التنظيمية المتكاملة ، لكن قواعد الاستنباط والاستدلال كانت موجودة منذ عصر النبي عليه الصلاة والسلام وطبقها مع أصحابه في الاستدلال

إنّ المنهج الاستدلالي أو المنهج الاستنباطي وفيه يربط العقل بين المقدمات والنتائج أو بين الأشياء وعللّها على أساس المنطق العقلي والتأمل الذهني فهو يبدأ من الكليات ليصل منها إلى الجزئيات ، أمّا المنهج الاستقرائي فهو على عكس المنهج الاستدلالي يبدأ بالجزئيات ليصل منها إلى قوانين عامة ويعتمد على التحقق بالملاحظة المنظمة الخاضعة للتجريب والتحكم في المتغيرات المختلفة .

ب - أنواعه : أ - استدلال مباشر:

وهو ما ينتقل فيه الذهن من قضية إلى أخرى دون توسط قضية ثالثة .

ب - استدلال غير مباشر :

ويعني استخلاص قضية من قضيتين أو أكثر وهو نوعان : قياسي واستقرائي .

* قياسي : كل إنسان فان زيد إنسان زيد فان

* استقرائي : فهو استنتاج قضية عامة من قضايا جزئية أو هو الذي ينطلق فيه الفكر من التخصيص إلى التعميم ومن تتبع بعض الحالات إلى بلوغ كلّ الحالات .

ج - أمثلة من تطبيقات هذا المنهج:

01 - طريقة الوصول إلى الأحكام الشرعية:
عن طريق الاستدلال كان المؤمن ملزما بأخذ الحلول التي جاءت في الإسلام للمشاكل, والأحكام للحوادث, إذ أن هذه فروع عن الأصل وهو الإيمان والفرع يبنى على الأصل, والجزئيات تنبع عن الكليات, ومعلوم أن مصدر الأحكام الإسلامية القرآن الكريم, والحديث الشريف, ولا بد من الرجوع لهذين المصدرين لأخذ الأحكام منهما وضع علماء المسلمين منهجا دقيقا لاستنباط واضح المعالم فما على المسلم إلا أن يدرس هذا المنهج دراسة واعية, ثم يطبق خطواته فإذا به يصل إلى مقصودة دون خطأ أو التواء أوغموض.
خطوتا المنهج: وهذا المنهج يتألف من خطوتين, فلا بد للباحث أن يمر في مرحلتين هما: مرحلة إثبات النص أولا, ثم مرحلة فهم النص ثانيا.

المرحلة الاولى:
مرحلة إثبات النص:-النصوص التي يعتمد عليها الإسلام هي كما مر كتاب الله تعالى وسنة رسول صلى الله عليه وسلم

فأما كتاب الله فإن نصوصه ثابتة وقد نقله إلينا بالتواتر علماء المسلمين وتناقلته الأجيال

, وأما السنة فثبوتها يتوقف على أمرين هما: صحة المتن, وصحة السند.
ولقد وضع العلماء المسلمون علما مستقلا دقيقا يتعرف بوساطته إلى الحديث الصحيح من غير الصحيح ويسمى هذا العلم بمصطلح الحديث.
وتفرع عنه فن آخر هو علم الجرح والتعديل وتفرع من علم الجرح والتعديل علم تراجم الرجال, حيث تلتقي هذه العلوم على وضع ميزان بغاية الدقة, وهكذا احتوت المكتبة الإسلامية التي في كل بلد منها أثر وفي كل مكتبة من مكتبات العالم منها خبر احتوت على مؤلفات كبرى تستعرض معجم الرجال الذين وردت أسماؤهم في أي سند من الأسانيد وتستطيع أن تقف على ترجمة من تشاء منهم جرحا أو تعديلا وأن تعرف الزمن الذي عاش فيه لتعلم من ذلك معاصريه.
أما المرحلة الثانية : الفهم والاستنباط

بعد أن يتأكد الباحث من ثبوت النص وصحته يعود إلى النص فيبذل أقصى ما عنده من جهد لفهمه واستنباط الحكم منه.

02 - علم أصول الفقه : يقف المرء أمام الفقه الإسلامي ـ وهو أعظم تنظيم ديني ودنيوي معاً للحياة البشرية ـ وقفة إعجاب وإكبار من حيث سعته وشموله ودقته وإحكامه وعدله وإنسانيته.

تعريفه وتفرد المسلمين به:

وعلم أصول الفقه هو ـ كما يعرفه الأصوليون ـ النظر في الأدلة الشرعية من حيث تؤخذ منها الأحكام والتكاليف، أو هو علم يتعرف منه استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها الإجمالية اليقينية، أو هو ـ كما يعرفه القاضي البيضاوي أحد أئمته ـ: معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد ..

وإذا ذهبنا نعدد مآثر أمة الإسلام وفضائلها، فلن نجد بدّاً من التنويه بهذا العلم الذي تفردت به أمتنا الإسلامية من دون سائر الأمم السابقة، بل واللاحقة أيضاً، فلم يكن لغيرها أبداً علم مستقل كعلم أصول الفقه في تكامله ودقته تستطيع به ضبط قوانينها ودساتيرها...

قال ابن خلدون في مقدمته - (ج 1 / ص 262) << اعلم أن هذا الفن ـ يقصد علم أصول الفقه ـ من الفنون المستحدثة في الملة، وكان السلف في غنية عنه >>

بواعث استحداث علم أصول الفقه:

أما بواعث استحداث هذا العلم عند المسلمين فقد كانت عديدة متنوعة لكنها كلها طيبة جليلة، فمنها:

1) المحافظة على الشريعة الإسلامية

2) تمثل المسلمون الأوامر الشرعية :التي تدعوهم للتفكر والتدبر في القرآن، ونقله نصاً وروحاً للبشرية جمعاء،

3) الرغبة في الجمع بين مدرستي ومنهجي أهل الحديث وأهل الرأي

4) الحاجة إلى دراسة الاختلاف بين الأئمة والمجتهدين والفقهاء، وسبب تعدد آرائهم

موضوعات علم أصول الفقه:

أما موضوع بحثه فإنه ينحصر في الأدلة الشرعية الكلية من حيث كيفية استنباط الأحكام الشرعية منها. وذلك على النحو التالي:

1) يبحث علم أصول الفقه في مصادر التشريع في الإسلام ، وهي الأصول التي يستقي منها كل مؤمن أحكام الدين.

وهي قسمان: مصادر متفقُُ على العمل بها بين المسلمين كافة، وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس وتسمى المصادر الأربعة الأساسية.

ومصادر مختلف في العمل بها بين الفقهاء وهي: الاستحسان والمصلحة المرسلة وقول الصحابي وسد الذرائع والاستصحاب وشرع من قبلنا.

ولكل من هذه المصادر المتفق عليها والمختلف فيها أبحاثُُ ومسائل وفروع وقواعد.

2) كما يبحث علم أصول الفقه في الأحكام الكلية التي تتولد أو تثبت بالأدلة السابقة.

والأحكام الكلية الثابتة بالمصادر التشريعية نوعان:

نوع يسمى بالأحكام التكليفية أي التي يخاطب بها الفرد المكلف : وهي خمسة

أما النوع الثاني الأحكام الوضعية وهي متعلقة بالنوع الأول وهي السبب والشرط والركن والمانع والصحة والفساد والرخصة والعزيمة.

3) ويبحث علم أصول الفقه في موضوع الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وشروط المجتهد وصفاته، تقليد المجتهد وحكم ذلك، ومن هو المقلد، ومتى يجب عليه التقليد، ومتى لا يحل له ذلك؟

4) كما يبحث أصول الفقه في تعارض الأدلة متى يكون ، وكيف يمكن الترجيح بينها؟

5) ويبحث أصول الفقه كذلك في دلالات نصوص الكتاب والسنة، والتي تبين لنا كيفية اقتباس الأحكام الشرعية من النصوص الواردة وقواعد الاستنباط، وعلم الأصول في مواضيعه تلك يستند كثيراً إلى علوم اللغة العربية وعلى علم التفسير والحديث والمنطق والخلاف وعلم الفروع الفقهية.

الرواد الأوائل في علم الأصول:

وأول من كتب في علم أصول الفقه الإمام الفذ أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، وقد دون فيه كتابه الشهير (الرسالة).

وعلى يديه رحمه الله ولد ونشأ هذا العلم ولم يكن معروفاً من قبل ـ وإن كان واقعاً حقيقة ـ لأن السلف السابق من طبقة الصحابة والتابعين كانوا في غنية عنه، بما كانوا عليه من ملكة لسانية عربية فصيحة، يستخدمونها لاستخراج المعاني من الألفاظ، وبما تميزت به حياتهم من بساطة وبعد عن التعقيد، وانشغالهم بتثبيت أركان الدين والدعوة إليه.

قال ابن خلدون في المقدمة - (ج 1 / ص 262) << وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله تعالى عنه. أملى فيه رسالتة المشهورة>> . ولكن الحقيقة أن للشافعي كتباً أخرى في الأصول أيضاً مثل (جُماع العلم) و(إبطال الاستحسان) و(اختلاف الحديث).

القياس الأصولي : من مميزات المنهج الإسلامي في استنباط الأحكام

1/ مفهوم القياس : * في اللغة، وهو: التقدير والمساواة .

*في الاصطلاح: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما.

2/أركان القياس:وهي أربعة: الأصل ، والفرع، والحكم، والعلة.

1- الأصل: هو ما بني عليه غيره، أو ما عرف بنفسه دون افتقار إلى غيره.

2- الفرع: هو ما تفرع: وبنى على غيره،. قال فيه الفقهاء: إنه هو المحل أو الشيء الذي نريد أن نحكم عليه.

3- الحكم: هو الحكم الشرعي الذي يحكم به على الفعل من ناحية كونه حراماً أم حلالا

4 - العلّة: تعتبر أهم أركان القياس، وهي التي تستنبط من حكم الأصل، أو ينص عليها، وتكون موضع البحث والنظر، والتأمل في الفرع حتى إذا تحقق وجودها جرى حكم الأصل عليه.

3/ خصائص القياس الأصولي ومقارنته بالقياس المنطقي

أ‌- القياس الأصولي هو نتاج الشريعة الإسلامية التي حثت على الاجتهاد لاستنباط الأحكام ، أمّا القياس المنطقي كان وليد التفكير الاستنباطي الشائع في عصر .

ب‌- القياس الأصولي قائم على مقدمة واحدة وأربعة أركان ، أمّا القياس المنطقي فقائم على نظرية البرهان .

ت‌- القياس الأصولي يقوم على البرهنة على حقيقة مجهولة عن طريق الاستنباط ، أمّا القياس المنطقي فهو لا يفيد علما حقيقيا .

ث‌- القياس الأصولي ينتقل فيه من جزئي إلى جزئي مثله ، أمّا القياس المنطقي فينتقل فيه من الكلي إلى الجزئي .

03 - علم الكلام :

تعريفه : علم الكلام هو: إثبات العقائد الدينية بالأدلة العقلية

موضوعه : علم الكلام هو من العلوم المستحدثة في الإسلام ـ و إن كانت جذوره و مبادئه موجودة في الكتاب و السنة ـ و يُبحث فيه عن إثبات أصول الدين الإسلامي أي الألوهية ـ التي تشمل التوحيد و العدل ـ و النبوة و الإمامة و المعاد ، بالأدلة التي تفيد اليقين و تسبب الاعتقاد .

و يتكفل هذا العلم الإسلامي بدراسة المسائل الاعتقادية ـ أصول الدين ـ و إثباتها بالأدلة و الحجج ، و مناقشة الأقوال و الآراء المخالفة لها ، و نقد الشبهات المطروحة حولها و دفعها بالحجة و البرهان .

وهي بدورها تتمركز على 4 محاور رئيسية وهي: * الألوهية: البحث عن إثبات الذات و الصفات الإلهية.

*النبوة: عصمة الأنبياء و حكم النبوة بين الوجوب عقلاً، وهو مذهب المعتزلة و الجواز عقلاً، وهو مذهب الأشاعرة.

*الإمامة: الآراء المتضاربة حول رئاسة العامة في أمور الدين و الدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبي محمد -ص-

* المعاد: فكرة يوم القيامة و إمكان حشر الأجسام. ويدرج البعض عناوين فرعية أخرى مثل "العدل" و "الوعد" و "الوعيد" و "القدر" و "المنزلة"

تاريخ نشوء علم الكلام :

أُسِّس علم الكلام في بدايات القرن الأول الهجري ، و لم يكن تأسيسه و تدوينه إلا لضرورة دَعت إليها حاجة المسلمين إلى صيانة دينهم و عقيدتهم و شريعتهم من تهاجمات الأفكار المضادة التي شاعت إثر الاحتكاك الثقافي بين المسلمين و غيرهم و بسبب ترجمة الكتب الفلسفية و الإعتقادية للفرس و اليونان ، فلم يجد المسلمون سبيلا إلاّ التسلح بالبراهين العقلية كي يصونوا بذلك معتقداتهم و يدافعوا عنها .

بواعث استحداثه:

1.  معرفة أصول الدين معرفة علمية قائمة على أساس من الدليل و البرهان .

2.  القدرة على إثبات قواعد العقائد بالدليل و الحجة .

3.  القدرة على إبطال الشبهات التي تثار حول قواعد العقائد

سبب تسميته بعلم الكلام : في سبب تسمية هذا العلم بعلم الكلام أقوال كثيرة نشير إلى أهمها و هي :

1. إن تسميته بهذا الاسم مأخوذة من أول مسألة طرحت على بساط البحث في هذا العلم و هي مسألة كلام الله عَزَّ و جَلَّ هل انه حادث أم قديم .

2. سُمِّي بهذا الاسم لأنه كان من عادة علماء الكلام الأوائل بدأ مقالاتهم في كتبهم الإعتقادية التي تبحث عن أصول الدين بـ " الكلام في كذا " و من هنا جاءت التسمية .

3. بما أن من شان هذا العلم زيادة قدرة متعلميه على التحدث و الكلام في مجال العقيدة و الاستدلال فلذلك يطلق عليه علم الكلام .

طريقة علم الكلام
يستند علم الكلام في أدلته وبراهينه على علم المنطق بشكل أساسي ، فهو يقرر مسلمات معينة ثم ينطلق منها في إقامة البراهين من خلال مقدمات معينة . ولهذا العلم مصطلحاته الخاصة به مثل الجوهر الفرد
.

الضربات التي تلقاها علم الكلام
لاقى علم الكلام مواجهة عنيفة من أئمة السلف وعلمائهم ، و تلقى ضربتين موجعتين جداً كان لهما الأثر البالغ في صرف الناس عنه أو ضعف مواقفه . وتأتي أهمية هاتين الضربتين من كونهما أثَّرتا في أصل هذا العلم والأساس الذي يقوم عليه وهو المنطق والعقل بمفهوم هذا العلم .
الضربة الأولى كانت على يد شيخ الإسلام ابن تيمية الذي عمد إلى نقض المنطق ونسفه من أساسه ،

أما الضربة الثانية فكانت على يد الشيخ تقي الدين النبهاني من المعاصرين ، والذي اعتبر أفكار علم الكلام بأنها غير عقلية مطلقاً لان العقل لا يمكن أن يعمل في المغيبات .

أهمّيته : يعتبر من قبل البعض البدايات الأولى نحو نشوء الفلسفة الإسلامية ، كان علم الكلام مختصا بموضوع الإيمان العقلي بالله وكان غرضه الانتقال بالمسلم من التقليد إلى اليقين و إثبات أصول الدين الإسلامي بالأدلة المفيدة لليقين بها. علم الكلام كان محاولة للتصدي للتحديات التي فرضتها الالتقاء بالديانات القديمة التي كانت موجودة في بلاد الرافدين أساسا (مثل المانوية و الزرادشتية و الحركات الشعوبية) وعليه فإن علم الكلام كان منشأه الإيمان على عكس الفلسفة التي لا تبدأ من الإيمان التسليمي .

هناك مؤشرات على إن بداية علم الكلام كان سببه ظهور فرق عديدة بعد وفاة الرسول محمد-ص- ،ومن هذه الفرق:

المعتزلة (القدرية) / الجهمية (الجبرية)/ الخوارج / الزنادقة / الاشاعرة والماتريدية والصوفية والسلفية / الامامية والزيدية والاسماعيلية / لاباضية

كان نشأة علم الكلام في التاريخ الإسلامي نتيجة ما اعتبره المسلمون ضرورة للرد على ما اعتبروه بدعة من قبل بعض "‏الفرق الضالة" وكان الهدف الرئيسي هو إقامة الأدلة وإزالة الشبه

02 - المنهج التجريبي:

1 - تعريف المنهج التجريبي ويسمى بالمنهج التجريبي أو بمنهج الاستقراء والتجريب وهو المنهج الذي ينتقل فيه الباحث من الجزء إلى الكل أو من الخاص إلى العام فهو يسير متدرجا في التعميم حتى يصل إلى حكم عام أو قضايا كلية .

ويعتبر هذا المنهج مفتاح النهضة العلمية في مجال العلوم الطبيعية على وجه الخصوص لأنّ موضوعاته هي وقائع خارجية محسوسة ومشاهدة وبالتالي فهي تفرض نفسها من الخارج على العقل ، ثمّ يقوم العقل بتفسيرها وتحليلها واستقراء جزئياتها واستنباط القوانين العامة منها .

وفي هذا تقول المستشرقة زيقريد هونكة :" إنّ أثمن هدية قدّمها العرب لأوروبا هي منهج البحث الذي لولاه لبقيت أوروبا في همجيتها " شمس العرب تسطع على الغرب ص 401

2 - مراحله :

ü مرحلة التحليل .

1/ الملاحظة والمشاهدة : وهو ما يسمى أو يعرف بالرصد والتتبع لتصور الظاهرة موضوع البحث

2 / وضع الفروض لتفسير الظاهرة : تجاوز مرحلة الوصف الى مسألة التفسير وبيان الروابط بين الظاهرة وغيرها ويضع من الفروض ما يمكن أن يكون تفسيرا لهذه الظاهرة أو لهذا الحدث ثم يقوم الباحث بتصفية هذه الفروض واستبعاد ما لا يصلح منها حتى لا يبقى لديه إلا فرضا واحدا مهمّا وهو ما يعرف عند علماء المسلمين ب " تنقيح المناط " أو دليل السبر والتقسيم " وقد سماه " فرنسيس بيكون " بمنهج الحذف والاستبعاد "

3 / التجربة : وفيها يقوم الباحث باختيار صحة الفرض الذي ترجح لديه من حيث تلازمه مع الظاهرة أو الحدث في كلّ الأحوال وجودا بوجوده وعدما بغيابه وهو ما يسمى بالدوران عند الأصوليين .

ü مرحلة التركيب أو مرحلة التقنين وهي الخطوة الرابعة .

4 / تقنين النتائج الجزئية : بحيث تجتمع هذه النتائج الجزئية المتناثرة ويصاغ منها قانون كلي تنبني عليه المعارف ، وهكذا يصبح العلم الحسي الجزئي أساسا للحكم العقلي الكلي .

وضع جابر بن حيان أسس علم الكيمياء حيث عمد إلى التجربة في بحوثه، وآمن بها إيماناً عميقاً، وكان كثيراً ما يوصي تلاميذه بقوله: "أول واجب أن تعمل وتجري التجارب، لأن من لا يعمل ويجري التجارب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان".     اتجه علماء الحضارة الإسلامية إلى المنهج التجريبي الاستقرائي عن خبرة ودراية بأصوله وقواعده، وأحرزوا على أساسه تقدما ملموسا في حركة التطوير العلمي والتقني .

3 - أمثلة من الاستخدامات

ü استخدم منهج الاستقراء التجريبي في وقت مبكر لدى علماء الإسلام، وكانت قد ظهرت أوليات هذا المنهج على يد علماء الأصول استناداً إلى طبيعة العلوم الشرعية التي تتطلب الوصول إلى الحكم من خلال ممارسة الطريقة الاستقرائية،

ü تنبه الأصوليون إلى قيمة الأحكام ومراتبها العلمية من حيث القوة والضعف تبعاً لطبيعة الظواهر أو القرائن المستقرأة، ولهذا رجحوا سلسلة من الأحكام الجزئية على سلسلة أخرى حسب طبيعة القرائن التي يشملها الحكم الشرعي، ولهذا تكلم الأصوليون في قواعد المنهج واستخلصوا من تطبيقاتهم العلمية أسساً وشروطاً كان لها الأثر البعيد في شروط وقواعد المنهج على عموم رواد المناهج العلمية،

ü وبعد انتقال المنهج إلى أيدي العلماء التطبيقيين من المسلمين شهد تطوراً كبيراً، ذلك ان هؤلاء العلماء تناولوا قواعد المنهج بفلسفة علمية تنم عن إدراك ووعي كبيرين، فأفاضوا في الحديث عن خصائصه وشروطه، ولهذا جاءت مراحل الطريقة الاستقرائية، من ملاحظة وتجربة وفروض مدعمة بالمواصفات العلمية، بالقدر الذي يتناسب ومعطيات ذلك العصر.

ü وأشاروا إلى أن الملاحظة لم تكن مجرد مراقبة، بل وسيلة لتحقيق الغاية العلمية، من تدوين النتائج الملاحظة وتدبرها تبعاًَ للطريقة العلمية.

ü ثم ميّزوا بين التجربة الحسية والتجربة المختبرية (العلمية)، وبناءً على هذا التحديد لطبيعة التجربة سجل علماء الإسلام البداية الصحيحة للبحث العلمي.

ü وقد مارس علماء الإسلام التجربة المرتجلة أسلوباً من أساليب البحث في حصر الظواهر بغية اكتشاف سلوكها.

ü ثم تناول علماء الإسلام تقويم القضية التجريبية وما تنطوي عليه من معايير علمية، فأكدوا صدق القضية التجريبية المفردة، وإنها تؤدي نتائج صادقة مقابل القانون التجريبي المستخلص من جملة أحكام تجريبية، الذي يمتاز بنتائج محتملة ظنية،

ü ثم تناول المسلمون مسألة تقويم القضية الاستقرائية، وتكلموا عن مشكلة التعميم في الاستقراء والفجوة التي يستبطنها هذا التعميم، فأثاروا مشكلة الاستقراء وأصبحت من المشكلات العلمية التي عالجوها في بحوثهم. ولقد تصدى العديد من علماء المناهج الاسلاميين لهذه المشكلة، وبحثوها بشكل دقيق كجابر بن حيان والحسن بن الهيثم والشيخ الرئيس ابن سينا، بحيث انتهى هؤلاء إلى أن القيمة للدليل الاستقرائي لا تتعدى الظن أو الاحتمال، وان غاية ما يحققه المنهج لا يتجاوز هذا اللون من الحكم، ولهذا حصروا الاستدلال الاستقرائي ضمن مفهوم الاحتمال، وان النظرية التي تنتسب إلى هذا الحكم الاستدلالي لا تكون إلا مرجحة أو محتملة وليست ذات يقين مطلق.

ü لقد سجل المسلمون سبقاً علمياً بطرحهم المشكلة بالشكل المتقدم، وفاقوا بذلك علماء المناهج المحدثين من الغربيين. وعلى الرغم من أن المسألة قد أثارها هؤلاء وخاصة ديفيد هيوم وستيوات مل. إلا إنها لم تكتسب الحل المطلوب في مناقشاتهم وقصروا في التعبير عن حقيقتها، ولهذا أبان علماء المناهج المعاصرون قصور المدرسة التجريبية الحديثة في هذا المجال على الخصوص.

ü أكد مفكرو الإسلام دور الاستقراء في البحث العلمي، وانتهوا إلى الاستقراء لا يمثل سوى مرحلة من مراحل الاستدلال العقلي، وبهذا أكدوا ضرورة تطوير منهج البحث، فاستعانوا بمناهج علمية أخرى حققت لهم عملية التطوير هذه، فمارسوا منهج القياس والتمثيل والمنهج الفرضي والمنهج الرياضي.
لقد تمثل منهج القياس في أبحاث الحسن بن الهيثم وخاصة في مجال الضوء، حيث اتخذ منه أداة لاستنباط النتائج العلمية بعد التثبت منها تجريبياً، وشاع استخدام نهج التمثيل لدى جملة علماء آخرين، وقد اتسعت تطبيقات هذا المنهج فشملت حقول الفلك والطب.

قال فون كر يمر "إن أعظم نشاط فكري قام به العرب يبدو لنا جلياً في حقل المعرفة التجريبية ضمن دائرة ملاحظاتهم واختباراتهم ، فإنهم كانوا يُبدون نشاطاً واجتهاداً عجيبين حين يُلاحظون ويمحصون ، وحين يَجمعون ويُرتبون ما تعلموه من التجربة ، أو أخذوه من الرواية والتقليد ، ولذلك فإن أسلوبهم في البحث أكبر ما يكون تأثيراً عندما يكون الأمر في نطاق الرواية والوصف" .

03 - المنهج الاستردادي :

أ- تعريفه : يعتمد هذا المنهج على عملية استرداد ما كان في الماضي ليتحقق من مجرى الأحداث،ولتحليل القوى والمشكلات التي صاغت الحاضر. وهو المنهج المستخدم في العلوم التاريخية و الأخلاقية

ب أنواعه : - المنهج التوثيقي - المنهج التاريخي - الاستردادي الغربي

ملاحظــــة

هناك فرق بين المنهج التاريخي عند المسلمين وبالتحديد عند ابن خلدون وبين المنهج الإستردادي عند علماء الغرب ، وهو أنّ الثاني يقوم على عملية استعادة الوقائع وهي تعتبر الخطوة العملية في المنهج إلى جانب النقد الخارجي والباطني . وعملية استعادة الوقائع تعتمد على التّخيل وقوّة الملاحظة عند المؤرخ أو ما يسمونه بالحاسة التاريخية من خلال استحضار الأحداث الماضية ثم يستنبط منها معلومات ويقوم بسدّ الثغرات في النّص أو ما يسمى بإكمال الناقص وتصحيح الأخطاء أو حذف واستبعاد النشاز منها وهذه المرحلة هي عماد المنهج الإستردادي الأوروبي .

01 - المنهج التوثيقي :

وضع العلماء المسلمون علما مستقلا دقيقا يتعرف بوساطته إلى الحديث الصحيح من غير الصحيح ويسمى هذا العلم بمصطلح الحديث ،وتفرع عنه فن آخر هو علم الجرح والتعديل ، وتفرع من علم الجرح والتعديل علم تراجم الرجال,

علوم الحديث:

انطلاقاً من كون السنة النبوية الركن الثاني لهذا الدين ، وما لذلك من آثار وخلفيات‘ فإن علماء المسلمين منذ السنوات الأولى لفجر الإسلام وعلى مر العصور واختلاف الدهور كان لهم في علوم السنة النبوية شغل شاغل وعمل علمي متواصل وتفرغ كامل.

وهكذا تولدت علوم جمة ومعارف كثيرة،مما يعني كمّا كبيراً ضخماً من المؤلفات والمواضيع،

تعريف علم الحديث رواية ودراية:

وإذا أردنا بادئ ذي بدء تعريفاَ شاملاً لعلوم الحديث، نجد أنفسنا مضطرة إلى اتباع طريقة العلماء في تقسيم تلك العلوم إلى قسمين أساسين هما علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية.

فأما علم الحديث رواية فهو: يشتمل على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها.

وأما علم الحديث دراية ( وهو الذي يطلق عليه مصطلح الحديث ) فهو علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن.

نشأته وتطوّره :

وأقدم من يمكن إضافة تأليف بعض المباحث في علم مصطلح الحديث إليه ـ كما قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في كتابه ( لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث ) ـ هو الإمام علي بن المديني المتوفى عام 234 وهو من أشهر أئمته....

كما يمكن أن يقال: إن الإمام الشافعي رحمه الله المتوفى عام 204هـ أول من دون بعض المباحث الحديثية في كتابه (الرسالة).

لكن العصر الذهبي لتدوين السنة النبوية إنما كان القرن الثالث الهجري.

أما القرن الرابع فهو عقد التآليف الجامعة التي لا تزال حتى الآن مراجع لا يستغنى عنها.

وفيما بين القرن السابع والقرن العاشر كان دور النضج والاكتمال وبلوغ الغاية القصوى والتمام.

سرد علوم الحديث:

وإذا أردنا أن نستقصي جملة علوم الحديث الشريف فلا بد من تقسيمها إلى مجموعات كبرى لكثرتها مثل :

1) علوم رواة الحديث: 2) علوم رواية الحديث 3) علم قبول الحديث ورده 4) علوم المتن:

5) علوم السند:  6) ومن علوم الحديث الشريف علوم توصف بأنها مشتركة بين سند الحديث ومتنه

وهكذا.... نجد أن الأمة الإسلامية خلال عصورها المتعاقبة بذلت جهوداً جبارة ومضنية في خدمة الأساس الثاني لدينها، إذ ثبوت السنةا يتوقف على أمرين هما: * صحة المتن و صحة السند.

علاقة الحديث بالتأريخ:
وفي علاقة الحديث بالتأريخ يلاحظ أن على رواية الحديث تبنى الأحكام وتقام الحدود، فهي تتصل مباشرة بأصل من أصول التشريع وهو السنة النبوية. ولذلك فإن ثقات المحدثين وضعوا رواة الحديث في موازين دقيقة بقدر الإمكان وعرفوا كل راوٍ: تاريخه وسيرته، ووضعوا من أجل هذا قواعد للجرح والتعديل.

الملاحظ حول علم الجرح والتعديل :

1. بداية أن التجريح والتعديل لم يكن متاحاً لأي أحد ، وذلك لخطورة الجرح وعظم مسؤوليته أولا ً قال ابن دقيق العيد (625 - 702 ه = 1228 - 1302 م) قاض، من أكابر العلماء بالاصول، مجتهد الأعلام للزركلي - (ج 6 / ص 283)

رحمه الله : " أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان الحكام والمحدثون " . عن لسان الميزان - (ج 1 / ص 7) لابن حجر العسقلاني

2. أن ذلك يتطلب من الأهلية والمُكْنة ما لا يمكن أن يصل إليه إلا القلة من جهابذة النقاد والمحدثين ، وليس أدلَّ على ذلك من أن رواة الأخبار كثيرون يعدون بالألوف ، وأما النقاد الحاذقون فإنهم قليل لا يتجاوزن أصابع اليد في كل طبقة ،

3. لم يجاملوا أحداً حتى ولو أقرب الأقربين من ذلك:<< ما أورده علي بن الحسين بن الجنيد عن أبي داود يقول ابني عبد الله كذاب>> لسان الميزان للعسقلاني- (ج 2 / ص 42)

4. وضع العلماء لهذا العلم قواعد وضوابط مثل شروط قبول الجرح والتعديل ، وألفاظهما ومراتبها ،

5. إن المطالع لكتب الجرح والتعديل يجد أنهم ينصون على ضرورة ذكر سبب الجرح وتفسيره ، لأن الجارح ربما قدح بأمر ليس جارحاً في الحقيقة .

6. اختلاف الأئمة في الرواة بين مجُرِّح ومُعَدِّل فمردُّه إلى اختلاف الأنظار ، وتباين الاجتهاد في أحوال الرواة بين متشدد ومعتدل ومتساهل

7. إن أهل السنة لم يكونوا يجرحون مخالفيهم من أهل الأهواء والبدع إلا إذا كانت بدعته تؤدي إلى كفر ، أو وقوع في صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أن يكون داعية إلى بدعته أو حديثه موافق لما يدعو إليه ،لذلك وجدنا أصحاب الكتب الستة وفي مقدمتهم الشيخان يحتجون بأحاديث جماعة من المبتدعة الثقات في كتبهم ماداموا مستوفين لشروط الرواية ، فقد حدَّث البخاري عمران بن حطان الخارجي ،و من ذلك مثلا ما ذكره الذهبي في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي << ، قال: " شيعي جلد، ولكنه صدوق فلنا صدقه، وعليه بدعته. وقد وثقة أحمد بن حنبل، وابن معين ، وأبو حاتم، وأورده ابن عدي، وقال: كان غاليا في التشيع >> سير أعلام النبلاء - (ج 1 / ص 59).( أحد الكتب التي استخرجها الذهبي من كتابه الضخم: (تاريخ الإسلام) )

الخلاصة :
فعلم مما سبق أن المحدثين لم ينطلقوا في توثيقهم وتجريحهم ، وتصحيحهم وتضعيفهم من الأهواء والأمزجة ، وإنما انطلقوا من قواعد متينة ، فاشترطوا في الجارح شروطاً عالية ، ومؤهلات دقيقة ، وجعلوا لذلك آداباً وأحكاماً ، وجوزوه بقدر الحاجة ، ولم يقبلوا منه إلا ما كان موافقاً للأصول والقواعد ، فجاءت أحكامهم في منتهى الدقة والنزاهة ،.

الفرق بين رواية الخبر ورواية الحديث :

وهنا لابد من الإشارة إلى شئ مهم جدا وهو وجوب التفريق بين رواية الحديث ورواية الأخبار الأخرى فعلى الأولى تبني الأحكام ولكن يختلف الأمر بالنسبة لرواية الأخبار فهي وإن كانت مهمّة لا سيما حينما يكون مجالها الإخبار عن الصحابة إلا أنّها لا تمحّص كما يمحّص الحديث . لهذا السبب فرقنا بين المنهج التوثيقى والذي يعرف بعلم مصطلح الحديث وبين المنهج التاريخي .

02 - المنهج التاريخي:

أ - تعريف المنهج التاريخي :

علم التاريخ: قال محمد بن شاكر الكتبي في كتابه فوات الوفيات - (ج 1 / ص 1) :<< إنّ علم التاريخ هو مرآة الزمان لمن تدبر، ومشكاة أنوار يطلع بها على تجارب الأمم مَن أمعن النظر وتفكر>>

يقول صدّيق بن حسن القنّوجي في كتابه أبجد العلوم - (ج 2 / ص 570) << علم يبحث فيه عن أماكن أقوام مخصوصين ومواضع طوائف معنيين ورسوم مألوفة وعادات معروفة لكل قوم ومبادئه : مأخوذة من الاستقراء والتواتر من الثقات وغرضه : تحصيل ملكة ضبط تلك الأمور وغايته : الاحتراز عن الخطأ فيها >>

والمنهج التاريخي هو منهج اعتمده العلماء المسلمون لتوثيق الأخبار والمرويات ودراستها في ضوء النقد الداخلي والخارجي للنصوص واستقراء الحوادث وقياس الغائب على الشاهد . لقد تمت صياغة هذا المنهج على يد علماء الحديث منذ القرن الثاني للهجرة وهو عصر تدوين السنّة وتمحيصها من أجل الوصول إلى أحكام دقيقة وموازين عامة في قراءة التاريخ .

فمنهج البحث التاريخي هو مجموعة الطرق و التقنيات التي يتبعها الباحث و المؤرخ للوصول إلى الحقيقة التاريخية. و إعادة بناء الماضي بكل وقائعه و زواياه . وكما كان عليه زمانه و مكانه. ويجمع تفاعلات الحياة فيه . وهذه الطرق قابلة دوما للتطور و التكامل مع تطور جموع المعرفة الإنسانية و تكاملها و منهج اكتسابها.
ب - النشأة:

لم يكن المسلمون هم الذين اخترعوا علم التاريخ، بل سبقتهم كثير من الأمم إلى الكتابة فيه.. ولكن المسلمين لم يكتفوا بما كتبه غيرهم فيه لأسباب عديدة، أهمها تحري الدقة واتخاذ الحيطة، وتصحيح كثير من المفاهيم المتعلقة بهذا العلم ، سواء من حيث تعريفه أو موضوعه أو الغرض منه.

نشأ علم التاريخ عند المسلمين فرعا من علم الحديث و قد سعوا إلى المصادر الموثوقة و كذا الرواية الشفوية. و اهتم مؤرخوهم بالمكان فمزجوا بين التاريخ و الجغرافيا مثل المسعودي. و ابن النديم. ومن ثم اعتمدوا على الوثائق الرسمية في مدوناتهم مثل اليعقوبي و البلاذري و الطبري و بن الجوزي و غيرهم... لقد عمل المؤرخون على بيان مظانهم في مقدمات كتبهم أو في طليعة روايتهم للخبر. وفي القرون الأولى للتدوين التاريخي استخدموا الإسناد كما في الحديث. و بذلك كانوا أمناء في نقل الأخبار. ويلاحظ هذا بخاصة عند الطبري..

ج - النقد التاريخي : أما النقد التاريخي عند العرب فقد بينه القران الكريم في آيات كثيرة في ضرورة إعمال العقل فيما يرى الإنسان و يسمع. وأكد على مفهوم البينة و الحجة و البرهان..ووجوب التثبت مت الخبر . وكلها أمور توجه الفكر إلى النقد العقلاني للأمور. وقد نبه الرسول (ص) في أحاديثه إلى ضرورة تبين الصدق من الكذب. أي نقد ما يرى و يسمع. ومن ثم أوجد علماء الحديث تدريجيا أصولا نقدية للتمييز بين الصحيح و الموضوع من الأحاديث. و لتصنيفها حسب قربها من الحقيقة. و اتبع المؤرخون العرب تلك الأصول للتحقق من صحة الخبر أيضا. فالأسلوب النقدي الذي صاروا عليه و اقتدوا فيه بعلماء الحديث كان " التجريح و التعديل " هذا النهج هو في حقيقة المنهجية العلمية المعاصرة للبحث التاريخي: النقد الباطني السلبي أو ما يسمى بنقد المؤلف. وقد اتخذوا الموازنة الزمنية بين خبرين. و الموازنة بصفة عامة. بحيث استطاعوا بهذا النمط من الموازنة و المحاكمة الزمنية التاريخية أن ينقدوا ما يدعى بأنه وثائق و يظهروا زيفها. وقد حاول المؤرخين العرب ضبط الأحداث زمنا بواسطة التوقيت لها بالسنة و الشهر و الليلة. وبذلك فاقوا مؤرخي اليونان و الرومان و أوربا في العصور الوسطى.

وهذا ما عناه ابن خلدون في معرض حديثه عن التاريخ بأنه " في ظاهره لا يزيد على أخبار ... وفي باطنه نظر و تحقيق و تعليل الكائنات و مبادئها دقيق. وعلم بكيفيات الوقائع و أسبابها عميق ".تاريخ ابن خلدون - (ج 1 / ص 3)

وقد اتهم المؤرخون العرب بعدم سعيهم إلى التعليل. بل اكتفوا بالسرد. ويتفاوت المؤرخون العرب في تقصيهم للأسباب في تفسير الظواهر و الحوادث. إلى أنهم أدركوا بالمجموع أهمية العوامل الاقتصادية و الجغرافية في دفع الأحداث. وفي التأثير على حياة البشر. وكذلك العوامل النفسية و الاجتماعية و الفكرية. وندري جدا من المؤرخين من كان كتابه مجرد سرد ساذج لا يحمل ضمن التطور تأويله الخاص و تفسيره الذاتي. كما لم يكتف المؤرخون المسلمون بتتبع أسباب الحوادث فقط. بل سعوا لتكوين تركيب فلسفي لمعنى التاريخ.
الخلاصة :

إن منهج البحث التاريخي عند المؤرخين العرب يسجل لهم أنهم أول من ضبط الحوادث بالإسناد. و التوقيت الكامل. و أنهم مدوا حدود البحث التاريخي و نوعوا التأليف فيه و أكثروه. إلى درجة لم يلحق بهم فيها من تقدمهم أو عاصرهم من مؤرخي الأمم الأخرى. و أنهم أول من كتب فلسفة التاريخ. وأنهم حرصوا على العمل جهد طاقتهم بأول واجب المؤرخ و أخره. وهو " الصدق في القول و النزاهة في الحكم " وبذلك يكون المؤرخون العرب هم الذين وضعوا الأصول الأولى لمنهج البحث التاريخي العلمي الحديث الذي بدأ ناضجا في أوربا في القرن 19( الاستردادي ). وهم الذين تركوا بتلك الأصول أثرهم في مؤرخي أوربا في مطلع العصور الحديثة الذين شرعوا بدورهم ينتهجون في الكتابة التاريخية طريق النقد و التمحيص و التدقيق.
الهدف من البحث التاريخي.
إن الهدف من البحث التاريخي هو صنع معرفة علمية من الماضي الإنساني. ونعني بالعلمية أنها تستند إلى طرائق عقلانية توصل إلى الحقيقة بقدر ما تسمح به الظروف التي تخضع لها. وهي ظروف تقنية. " طبيعة الوثائق المستخدمة و وجودها " وظروف منطقية " تلك التي تحللها نظرية المعرفة "
منهج المسلمين في تدوين التاريخ:

ولئن لم يكن أمام المؤرخين المسلمين سبيل سوى الاعتماد على كتب الإسرائيليات وغيرها من الأخبار والمدونات القديمة، فيما تنقله لهم من أخبار الأنبياء والرسل والشعوب السابقين والجيوش والبلدان، فإنهم قد تسلحوا في تدوينهم لأخبار التاريخ بعدة أسلحة تعينهم على الوصول إلى الحقيقة، وتبين منهجهم في هذا العلم الواسع، وتبرهن على أنهم كانوا محققين كما كانوا نقلة، وكانوا بصراء كما كانوا أمناء.

1ـ عرض الأخبار المتعلقة بالأمم السابقة على الكتاب والسنة أولاً،

2ـ المحاكمة العقلية للحوادث المدونة، حتى تكون منضبطة بضوابط الواقع، مقيدة بقيد العقل، مسايرة لأحوال الخلق وطبيعة الكون.

وفي هذا المجال يقول ابن خلدون في تاريخه - (ج 1 / ص 9) << حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك .. فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط لان الاخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والاحوال في الاجتماع الانساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأيمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثما أو سمينا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الاخبار فضلوا عن الحق >>

ثم يستعرض أمثلة رائعة لما وقع فيه بعض المؤرخين من أخطاء في تقدير أعداد وجيوش بني إسرائيل مثلاً، أو ما تناقله الناس من قيام أهل اليمن بغزو أفريقية والمغرب العربي،

وعلى ذلك يرى ابن خلدون أن منهجية الحديث المقامة على نقد السند عن طريق الجرح والتعديل غير مجدية بمفردها في حصر الحقيقة التاريخية فما فائدة النظر مثلا في السند عندما يكون الخبر المنقول خرافة مستحيلة الوقوع عقلا .

أضاف ابن خلدون إلى منهجية الحديث قانون المطابقة وهو أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران أو ما يسميه بطبائع الكائنات أو طبائع الموجودات أو طبائع الأحوال في العمران " والجمع بين علمي الحاضر والماضي و قياس الغائب على الشاهد .

3ـ أما أخبار الإسلام وأهله ودوله، فلقد حظيت باهتمام من المؤرخين شديد، سواء في تفصيلاتها الدقيقة، أو في المحافظة على سلسلة رواتها للتأكد من صدقهم، وهذا ما نجده واضحاً في أخبار سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وأخبار الخلفاء الراشدين، بل وأخبار الدولة الأموية والدولة العباسية كذلك، مما جعل هذا الجزء من التاريخ أصدق أجزاء التاريخ القديم، بل والحديث أيضاً.

4ـ اهتمام المؤرخين المسلمين بضبط الأسماء الواردة في التاريخ حتى ولو كانت غير عربية. وهذا أمر مهم حتى يخدم المتعلم ويحفظ الأصل.

وقد أفرد ابن خلدون في مقدمته كلاماً خاصاً في ذلك، يقول في تاريخه - (ج 1 / ص 33)

<< قد بقي علينا أن نقدم مقدمة في كيفية وضع الحروف التي ليست من لغات العرب إذا عرضت في كتابنا>>

أهم كتب التاريخ:

وكتب التاريخ التي خاضت غماره كثيرة العدد جدا، حتى قال حاجي خليفة في كشف الظنون - (ج 1 / ص 271) << أما الكتب المصنفة في التاريخ فقد استقصيناها إلى ألف وثلاثمائة >> .. وهي أنواع فمنها ما يتناول فترة معينة، ومنها ما يشمل تاريخ العالم كله، ومنها ما يتحدث عن بلد معين، ومنها ما صدره مؤلفه بمقدمة عن أمور مهمة تتعلق بالتاريخ أو العمران أو الشعوب، ومنها ما تناول أعلام مائة من السنين معينة، إلى غير ذلك من الأنواع والأصناف.

وعلى سيبل المثال لا الحصر نذكر من تلك الكتب ما يلي: (البداية والنهاية) لابن كثير، و(تاريخ أبي جعفر الطبري) وتاريخه أصح التواريخ وأثبتها، و(الكامل) لابن الأثير الجزري، و(مرآة الزمان) لسبط ابن الجوزي. و(تاريخ بغداد) للخطيب البغدادي، و(شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام) للإمام الفاسي، و(التاريخ الكبير) للإمام الذهبي، و(الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) لابن حجر، و(يتمية الدهر) للثعالبي، و(تاريخ دمشق) لابن عساكر، و(تاريخ الخلفاء الراشدين) للسيوطي، وغير ذلك كثير وكثير جداً..

نعم لقد صدق بعضهم حينما قال: لم تهتم أمة بالتاريخ قدر اهتمام المسلمين به، حتى سبقوا غيرهم في هذا المجال.

& إسهامات العلماء المسلمين في تطوّر العلوم :

01 - تاريخيّة العلم عند المسلمين:

أ - من علم الفرائض إلى علم الحساب :

وإذا كان ضبط المعاملات وحفظ الحقوق وقضاء الديون أحد فوائد علم الحساب، فإن للمسلمين علماً خاصاً بهم يتعلق بعلم الحساب، لا يشاركهم فيه أحد سواهم، نبع من دينهم وصب في حياضهم. وهو علم حساب الفرائض والمواريث، وهو: معرفة فروض الوراثة، وتصحيح سهام الفريضة مما تصح باعتبار فروضها الأصول أو مناسختها.

وفي علم المواريث والفرائض تمتزج الأحكام الفقهية المستنبطة من الكتاب والسنة والقياس والإجماع بعلم الأعداد والكسور، وعمليات الضم والتفريق، والنظر في موافقة الأعداد للأصل ومخالفتها له.

وانظر على سبيل المثال كيف صرّفت الآيات حصص الورثة في مثل قوله سبحانه وتعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ..} (11) سورة النساء مع قريناتها من آيات أخر في نفس الموطن وغيره .. انظر إليها تجد أن عملية تقسيم التركات وبيان حقوق الورثة تعلقت بعلم الحساب تعلقاً واضحاً، وأحوجت المسلمين إلى وضع علم خاص بها.

يقول ابن خلدون في تاريخه (ج 1 / ص 484 / 485) عن علم الفرائض: << ومن فروعه ايضا الفرائض).

وهي صناعة حسابية في تصحيح السهام لذوي الفروض في الوراثات إذا تعددت وهلك بعض الوارثين وانكسرت سهامه على ورثته أو زادت الفروض عند اجتماعها وتزاحمها على المال كله أو كان في الفريضة إقرار وإنكار من بعض الورثة فتحتاج في ذلك كله إلى عمل يعين به سهام الفريضة من كم تصح وسهام الورثة من كل بطن مصححا حتى تكون حظوظ الوارثين من المال على نسبة سهامهم من جملة سهام الفريضة فيدخلها من صناعة الحساب جزء كبير من صحيحه وكسره وجذره ومعلومه ومجهوله وترتب على ترتيب أبواب الفرائض الفقهية ومسائلها فتشتمل حينئذ هذه الصناعة على جزء من الفقه وهو أحكام الوراثة >>

ولا يكاد يخلو كتاب من كتب الفقه في باب الفرائض والمواريث عن الإشارة إلى القواعد العامة لعلم حساب الفرائض ولعل بعض الفقهاء قد أفرد ذلك بالتأليف لأهميته من ذلك كتاب ابن كثير، ومختصر القاضي أبي القاسم الحوفيّ ثم الجعديّ. ومن متأخري أفريقية ابن النمر الطرابلسي وأمثالهم .

ب - من مواقيت الصلاة إلى علم الفلك :

وعندما جاء الإسلام حصل تطورا هائلا في فترة ازدهار الدولة الإسلامية وذلك لارتباط الفلك بالدين من حيث العبادات لحساب مواقيت الصلاة وتحديد أوائل الشهور العربية أو لفهم بعض الآيات الكونية حيث حث الله المؤمنين في مواضع شتى للنظر إلى السماء والتفكر في آياتها ، قال تعالى : {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} (190) سورة آل عمران

كما قام المسلمون بترجمة الكتب وتنقيحها وتصحيحها ، ووضعوا ذلك في كتب تضمنت جداول ومعلومات أسموها (الأزياج) ، ووضعوا الكثير من الأسس والقواعد الفلكية المهمة ، بل برهنوا على دوران الأرض والكواكب حول الشمس ، وقد بذلوا جهدا كبيرا في وضع قواعد لضبط مواقيت الصلاة ، كما استنتجوا طرقا لحساب بداية الشهور العربية وضبط التقويم الهجري ، كما أجروا التجارب العلمية لحساب خطوط الطول والعرض لشتى المدن الإسلامية وغير ذلك الكثير .

حيث يقول (جورج سارتن) في كتابه (المدخل لتاريخ العلوم) : إن البحوث التي قام بها العرب والمسلمين في حقل الفلك كانت مفيدة للغاية ، إذ أنها هي بالحقيقة التي مهدت الطريق للنهضة الفلكية الكبرى التي ازدهرت في عهد (كبلر) و(كوبرنيك) ، ويقول (شكات) في كتابه (تاريخ الرياضيات) : كانت قياسات علماء العرب والمسلمين في الفلك إلى حدّ كبير أصح من قياسات اليونان .

ج - من بنية النص القرآني إلى علوم اللغة :القرآن الكريم كتاب البلاغة الأم

وليس ثمة أنفع للإنسان من دراسة القرآن الكريم دراسة لغوية بلاغية، لتحصيل علوم البلاغة، بل وعلوم العربية كلها، فضلاً عن الهداية والاسترشاد اللذين هما مقصودا القرآن الأول.

واستمع إلى قوله سبحانه: { وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء، وقضي الأمر، واستوت على الجود وقيل بعداً للقوم الظالمين } (هود/44) ثم انظر إلى الآية كيف حوت: أمرين، وخبرين، وبشارة، ودعاء.

أو أجل فكرك في قوله سبحانه: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون } (النحل/90) كيف جمعت الأمر بكل خير الدنيا والآخرة، على المستوى الفردي والجماعي ونهت عن كل الشرور الدينية والدنيوية، ثم ختمت ذلك بالتذكير ترغيبا وترهيبا.

قال السيد أحمد الهاشمي في كتابه (جواهر الأدب): وأول كتاب دون في علم البيان كتاب ( مجاز القرآن ) لأبي عبيدة تلميذ الخليل، ثم تبعه العلماء.

02 - نماذج من المساهمات في تطوّر العلوم:

أ- الشروط التي ساعدت على تحقيق هذه الإسهامات :

أجمع العلماء علي أن الحضارة الإسلامية تحتل مكانة رفيعة بين الحضارات الكبرى التي ظهرت في تاريخ البشرية، كما أنها من أطول الحضارات العالمية عمراً، وأعظمها أثراً في الحضارة العالمية ومن العوامل المساهمة في تطورها وازدهار العلوم بها ما توفّر من حرّيات ومن عناية الدّولة بالمجهود العلمي مما دفع إلى الترجمة والإبداع ومن الأدلة على ذلك :

01 - أسس الخليفة العباسي "أبو جعفر المنصور" مدينة بغداد (145- 149 هـ) وجعلها عاصمة لدولته، ومقراً للخلافة العباسية صاحبة السلطان الشرعي على جميع الأقطار الإسلامية. فهي لم تكن مثل الفسطاط أو دمشق أو قرطبة، عاصمة قطر بعينه، بل كانت عاصمة العالم الإسلامي كله. ولهذا صارت مدينة دولية COSMOPOLITE واكتسبت صفة عالمية، وسكنتها عناصر من مختلف الأجناس، والملل والنحل، إسلامية وغير إسلامية، فهناك الفرس والهنود والسريان والروم والصينيون وغيرهم. وكل هذه العناصر لم تسكن بغداد بأشخاصها فقط، بل بثقافاتها وتجارتها وعلمها وفنها، فعربت ألفاظ يونانية وفارسية وهندية كثيرة.

02 - وترجمت عن اليونانية عدة كتب منها "حكم سقراط وأفلاطون وأرسطو

وعن الهندية، ترجمت أعمال كثيرة مثل الكتاب الهندي المشهور في علم الفلك والرياضيات، "براهمسبهطسدهانت " وتختصر بسد هانتاSiddhanta أي " المعرفة والعلم والمذهـب ". وقد ظهرت الترجمة العربية في عهد أبي جعفر المنصور بعنوان "السند هند" وهو تحريف للعنوان الأصلي. ومع كتاب "السند هند" دخل علم الحساب الهندي بأرقامه المعروفة في العربية بالأرقام الهندية فقد تطور على أثرها علم العدد عند العرب، وأضاف إليها المسلمون نظام الصفر، والذي لولاه لما فاقت الأرقام العربية غيرها من الأرقام، ولما استطعنا أيضاً أن نحل كثيراً من المعادلات الرياضية من مختلف الدرجات

وعن الفارسية، ترجم كتاب "كليلة ودمنة" الذي كان هندياً في الأصل ثم ترجم إلى الفارسية وعنها نقله "عبد الله بن المقفع " إلى العربية في خلافة المنصور أيضاً. هذا إلى جانب ترجمته لعدة كتب أخرى في تاريخ وأدب الفرس ونظمهم وتقاليدهم. ومن المعروف أن الخليفة العباسي المأمون قد أوكل إلى سهل بن هارون، ترجمة الكتب الفارسية. كذلك نذكر كتاب "هزار افسانه " ومعناه ألف خرافة، والناس يسمون هذا الكتاب ألف ليلة وليلة

03 - وفي خلافة هارون الرشيد (170 هـ/ 786،ـ 193هـ / 808 م) أسس في بغداد في بيت الحكمة" لأعمال النقل والترجمة، الذي ازدهر في عهد ولده عبد الله المأمون (198 هـ/813 م- 218 هـ/833 م)، فترجمت فيه أمهات الكتب اليونانية القديمة، وأقيمت فيه المراصد، ورسمت فيه الرسوم (الخرائط) الجغرافية على أحدث ما توصل إليه العلم في الأرصاد وأعمال المساحة. كما تخرج منه مشاهير العلماء أمثال " محمد بن موسى الخوارزمي (ت 232 هـ846 م) " الذي عهد إليه المأمون بوضع كتاب في علم الجبر، فوضع كتابه " المختصر في حساب الجبر والمقابلة"، وهذا الكتاب هو الذي أدى إلى وضع لفظ الجبر وإعطائه مدلوله الحالي.

04 - وفي مجال الطب والعناية بالمرضى أنشأ العباسيون عدداً كبيراً من البيمارستانات (المستشفيات)، ومخازن الأدوية، واستأثرت العاصمة بغداد بالعديد منها، فنسمع عن البيمارستان الذي أنشأه الرشيد في الجانب الغربي من بغداد على يد الطبيب "جبرائيل بن بختيشوع "، والبيمارستان الصاعدي أيام المعتضد في الجانب، الشرقي من بغداد، والبيمارستان المقتدري الذي بناه المقتدر سنة 306 هـ 918م، وبيمارستان السيدة الذي أنشأته أمه في الأعظمية، وبيمارستان ابن الفرات الذي أنشأه وزيره أبو الحسن علي بن الفرات، والبيمارستان العضدي... الخ. وكانت هذه محاولة لإيجاد أماكن تعالج فيها المرضى ويخضعون للملاحظة والتسجيل، وهي أساس المستشفيات الحديثة.

05 - قد توصل الأطباء المسلمون إلى أراء جديدة في الطب تخالف أراء القدماء في معالجة كثير من الأمراض، واستخدموا في مستشفياتهم الكاويات في الجراحة، ووصفوا صب الماء البارد لقطع النزف أو معالجة الحميات، وعالجوا الأورام الأنفية وخياطة الجروح، وقطع اللوزتين، وشق أوراق الحلق، وقطع الأثداء السرطانية، وإخراج الحصاة من المثانة، وجراحة الفتق وجراحة العيون، وإخراج الجنين بالآلة، وإخراج العظام المكسورة، واستخدام المرقد (البنج) (ويدخل في تركيبه الأفيون والحشيش وست الحسن) كما فرقوا بين الحصبة والجدري... الخ.

06 - كانت الدولة تراقب الممارسات الطبية والأطباء، فكانوا يمتحنون الأطباء والصيادلة فقد امتحن الصيادلة زمن المأمون والمعتصم، وأمر الخليفة المقتدر الطبيب الكبير سنان بن ثابت بن قرة سنة 316 هـ بمنع سائر المتطببين من التصرف وممارسة مهنتهم إلا بعد إجراء امتحان لهم، فامتحن يومئذ أكثر من ثمانمائة طبيب. وكان كل من يقوم بممارسة مهنة الطب، يؤخذ عليه قسم الطبيب المسلم والذي كان يعتمد على المحافظة على سر المريض وعلاجه دون تمييز وأن يحفظ كرامة المهنة وأسرارها.

وكان المحتسب هو الذي يأخذ عليه هذا القسم، لأن من عمله مراقبة هذه المهنة ونصه " برئت من قابض أنفس الحكماء، ورافع أوج السماء، فاطر الحركات العلوية، إن خبأت نصحا وبدأت ضرا، أو قدمت ما يقل عمله. إذا ما عرفت ما يعظم نفعه، وعليك بحسن الخلق بحيث تسمع الناس واستفرغ لمن ألقى، إليك زمامه ما في وسعك فإن ضيعته، فأنت الضائع والله الشاهد على وعليك والسامع لما تقول، فمن نكث عهده فقد استهدف لقضائه، إلا أن يخرج من أرضه وسمائه ".

07 - من مشاهير الأطباء الذين برزوا في العصر العباسي الأول نذكر الطبيب "جورجيوس (جرجس) ابن بختيشوع "

وفي أيام المعتصم وولديه الواثق والمتوكل، برز الطبيب "يحيى بن ماسويه(ت 243 هـ) " الذي تنسب إليه مؤلفات طبية عديدة من أهمها: "كتاب دغل العين) أي ما يضر العين ويؤذيها، وهو أول كتاب عربي في علم الرمد. كذلك يؤثر عن هذا الطبيب أنه كان يدرس التشريح عن طريق تقطيع أجسام القردة، وكان الخليفة المعتصم يعتمد على مشورته، ولهذا كان يحتفظ ببنية قوية. ويعرف " ابن ماسويه " في الغرب باسم "ماسو الكبير" MESUE MAIOR .

كذلك نذكر الطبيب اللامع "حنين بن إسحاق (ت 260 هـ ) الذي عرف عند علماء الغرب باسم يوهانيتس YOHANTUS الف كتباً كثيرة أهمها كتاب في الرمد باسم "العشر مقالات في الـعين "، وكتاب " السموم والترياق "، وكتاب في أوجاع المعدة، وكتاب في الحميات، وكتاب في الفم والأسنان. وهذا الكتاب الأخير أعجب به الخليفة الواثق لأنه يصف الفم والأسنان وصفاً دقيقاً. وقد نقل المسعودى في كتابه "مروج الذهب (ج 4 ص 80- 81) " قسماً منه، ذكر فيه أن عدد الأسنان في الفم اثنتان وثلاثون سناً، منها في اللحى (الفك) الأعلى " ستة عشر سناً، وفي اللحى الأسفل كذلك.

الخلاصة :

ازدهرت العلوم العقلية والتجريبية الإسلامية نتيجة لهذه الاستراتيجية العباسية التي قدمت كل تشجيع لحركة النقل والترجمة، مما أدى إلى ذيوع الكتب العلمية المنقولة إلى العربية، ومن ثم صارت اللغة العربية لغة علمية بعد أن كانت لغة شعر وأدب فقط.

ب- نماذج من العلماء المسلمين :

تمهيد :

مما يجب ملاحظته ما تميز به علماء الإسلام من الجمع بين العلوم الفقهية والعلوم الطبيعية،

فالكندي مثلاً ت 260 هـ/873 م جمع بين الفلسفة والمنطق والحساب والفلك والهندسة والسياسة والطب والفقه وأصول العقيدة، وابن سينا ت 428 هـ 1036 م جمع بين الطب والفلسفة والرياضيات والعلوم الطبيعية والموسيقى والفلك والحدود والشعر واثبات التنبؤات والقدر، ومثلهما الفارابي والرازي وعمر الخيام وابن النفيس وعبد اللطيف البغدادي وابن رشد وابن الطفيل والسمعاني وغيرهم.

لقد عرض هؤلاء العلماء لكبريات المشكلات المنطقية فعالجوها بأصالة المنهج في الملاحظة والتشخيص والكشف عن الأسباب والعلامات

لم يقع العلماء المسلمون فريسة التفريق بين الإلهام الإلهي والنظر الاستنباطي، وإنما جعلوهما يلتقيان على نحو من التكامل، فغاية العلوم الفقهية، تعليم الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورسم نهج الحياة، وغرض العلوم الطبيعية، الوقوف على الحقيقة والتوجه إلى الخير والتحويل عن الشر، فالدرس والتفحص مقرون بالقياس واستخراج الحكمة هي السبل الصحيحة للوصول إلى الحقيقة العلمية،

.فكانت محصلة كل ذلك دراسة العلوم الدنيوية دون أن تؤثر على العقيدة الإسلامية، إذ عملوا على سد الثغرات التي يمكن أن تؤثر على علمهم وذلك بالبحث والدرس. وهذا ما جعلهم يربطون بين ما تلقوه من تعاليم القرآن وتصوراتهم وآرائهم الفلسفية والعلمية بتوازن تام ونسق منهجي باهرلذلك يصعب تصنيف العلماء حسب العلوم ولكن سنذكر نماذج حسب التسلسل التاريخي :

01 - جابر بن حيان

مولده ونشأته: أبو عبد الله جابر بن حيان بن عبد الله الأزدي، ولد على أشهر الروايات في سنة( 101 هـ/721 م وقيل أيضاً 117 هـ / 737 م )وقد اختلفت الروايات على تحديد أصله وكذلك مكان مولده توفي حوالي عام ( 198هـ، /813 م.)

ولعل هذا الانتساب ناتج عن تشابه في الأسماء فجابر المنسوب إلى الأندلس هو عالم فلكي عربي ولد في إشبيلية وعاش في القرن الثاني عشر الميلادي. ولكن معظم المصادر تشير إلى أنه ولد في مدينة طوس من أعمال خراسان.

وقد وصف بأنه كان طويل القامة ، كثيف اللحية مشتهرا بالإيمان والورع وقد أطلق عليه العديد من الألقاب ومن هذه الألقاب "الأستاذ الكبير" و"شيخ الكيميائيين المسلمين" و"أبو الكيمياء" و"القديس السامي التصوف" و"ملك الهند".

وتعتبر مدرسة جابر بن حيان هي الرائدة في مجال تطوير منهج الفرض الذي أرسى على أساسه نتائج علم الكيمياء لديه، وبذلك اعتبر جابر بن حيان صاحب الكيمياء التجريبية القائمة على نظرية فلسفية.
وعلى الرغم
من كونه طبيباً فإنه أول من اشتغل بالكيمياء القديمة ونبغ فيها، حتى إن العرب سمَّوا الكيمياء عامة "صنعة جابر". وضع جابر بن حيان أسس علم الكيمياء حيث عمد إلى التجربة في بحوثه، وآمن بها إيماناً عميقاً، وكان كثيراً ما يوصي تلاميذه بقوله: "أول واجب أن تعمل وتجري التجارب، لأن من لا يعمل ويجري التجارب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان" .

بعض منجزات ابن حيان

هذه قائمة بسيطة وموجزة حول بعض منجزات جابر بن حيان في علوم الكيمياء:

· إكتشف "الصودا الكاوية" أو القطرون (NaOH).

· أول من إستحضر ماء الذهب.

· أول من أدخل طريقة فصل الذهب عن الفضة بالحلّ بواسطة الأحماض. وهي الطريقة السائدة إلى يومنا هذا.

· أول من أكتشف حمض النتريك.

· أول من إكتشف حمض الهيدروكلوريك.

· إعتقد بالتولد الذاتي.

· أضاف جوهرين إلى عناصر اليونان الأربعة وهما ( الكبريت والزئبق) و أضاف العرب جوهرا ثالثا وهو (الملح).

· أول من إكتشف حمض الكبريتيك وقام بتسميته بزيت الزاج.

· أدخل تحسينات على طرق التبخير والتصفية والإنصهار والتبلور والتقطير.

· استطاع إعداد الكثير من المواد الكيميائية كسلفيد الزئبق و أكسيد الارسين (arsenious oxide).

· اخترع القلويات المعروفة في مصطلحات الكيمياء الحديثة

· صاحب الفضل في اكتشاف ملح النشادر والبوتاس

· عمليات الترشيح، والتصعيد، وتكرير المعادن، وتحضير الفولاذ، وصبغ الأقمشة، ودبغ الجلود، وطلاء القماش المانع لتسرب الماء

· واستعمال ثاني أكسيد المنغنيز في صنع الزجاج.

· وهو أول من استعمل الموازين الحساسة والأوزان المتناهية في الدقة في تجاربه العلمية

· وضع جابر بن حيان مع أبي بكر الرازي أسس المنهج العلمي التجريبي

.مؤلفاته: جاء في كتاب "الأعلام" للزركلي أن جابراً له تصانيف كثيرة تتراوح ما بين مئتين واثنين وثلاثين وخمس مئة كتاب، ضاع أكثرها، وتُرجمت بعض كتبه إلى اللغة اللاتينية والإنجليزية، ومن أهم هذه الكتب: - كتاب "السموم ودفع مضارها". - نهاية الإتقان: وهو مؤلف رائد في الكيمياء. - أصول الكيمياء. - استقصاءات المعلم. - الموازين الصغير. - كتاب الرسائل السبعين: ويشمل سبعين مقالة حول أهم تجاربه في الكيمياء والنتائج التي توصل إليها.

02 - محمد بن موسى الخوارزمي

مولده ونشأته: أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي (أبو جعفر) (حوالي 164هـ /781م) وتوفي(230هـ/ 845م )، كان من أوائل علماء الرياضيات المسلمين حيث ساهمت أعماله بدور كبير في تقدم الرياضيات في عصره.

نشأته : انتقلت عائلته من مدينة خوارزم في خراسان إلى بغداد في العراق، أنجز الخوارزمي معظم أبحاثه بين عامي 813 و 833 في دار الحكمة، التي أسسها الخليفة المأمون. و نشر أعماله باللغة العربية، التي كانت لغة العلم في ذلك العصر. وتجمع الموسوعات العلمية -كالموسوعة البريطانية وموسوعة مايكروسوفت إنكارتا وموسوعة جامعة كولومبيا وغيرها - على أنه عربي، في حين تشير مراجع أخرى إلى كونه فارسي الأصل.

الخوارزمي عالم الرياضيات:

ابتكر الخوارزمي مفهوم الخوارزمية في الرياضيات و علم الحاسوب، (مما اعطاه لقب أبي علم الحاسوب عند البعض)، حتى إن كلمة خوارزمية في العديد من اللغات (و منها algorithm بالانكليزية) اشتقت من اسمه، بالإضافة لذلك، قام الخوارزمي بأعمال هامة في حقول الجبر و المثلثات والفلك و الجغرافية و رسم الخرائط. أدت أعماله المنهجية و المنطقية في حل المعادلات من الدرجة الثانية إلى نشوء علم الجبر، حتى إن العلم اخذ اسمه من كتابه حساب الجبر و المقابلة، الذي نشره عام 830، و انتقلت هذه الكلمة إلى العديد من اللغات (Algebra في الانكليزية).

أعمال الخوارزمي :

ü أنجز الكثير في تجميع و تطوير المعلومات التي كانت موجودة مسبقا عند الإغريق و في الهند، فأعطاها طابعه الخاص من الالتزام بالمنطق.

ü بفضل الخوارزمي، يستخدم العالم الأعداد العربية التي غيرت و بشكل جذري مفهومنا عن الأعداد، كما انه ادخل مفهوم العدد صفر، الذي بدأت فكرته في الهند.

ü صحح الخوارزمي أبحاث العالم الإغريقي بطليموس Ptolemy في الجغرافية، معتمدا على أبحاثه الخاصة.

ü كما انه قد اشرف على عمل 70 جغرافيا لانجاز أول خريطة للعالم المعروف آنذاك.

ü و من أشهر كتبه في الجغرافيا كتاب (صورة الأرض).

عندما أصبحت أبحاثه معروفة في أوروبا بعد ترجمتها إلى اللاتينية، كان لها دور كبير في تقدم العلم في الغرب، أصبح كتابه الخاص بالجبر الذي يدرس في الجامعات الأوروبية عن الرياضيات حتى القرن السادس عشر،

ü كتب الخوارزمي أيضا عن الساعة، الإسطرلاب، و الساعة الشمسية.

تعتبر انجازات الخوارزمي في الرياضيات عظيمة، و لعبت دورا كبيرا في تقدم الرياضيات و العلوم التي تعتمد عليها.

03 - الرازي: الطبيب الإنسان والعالم والموسوعي

مولده ونشأته: ولد بالري قرب طهران سنة(249 هـ / 864 م) توفي سنة(320 هـ / 932م )

ممارسته الطب:

مارس الطب لمدة طويلة في المشافي، وينعته ابن جلجل بأنه "طبيب مارستاني". واحتل الرازي مناصب هامة في المشافي التي عمل فيها، فتولى إدارة بيمارستان الري، وعندما قصد بغداد وأقام فيها، أدار أحد مستشفياتها الذي اختلف في اسمه؛ هل هو البيمارستان العضدي أو المقتدري أو الصاعدي أو التوانسي أو المعتضدي، وما إلى ذلك، والمهم أن الرازي قد تولى إدارة هذا المستشفى لفترة طويلة.

ولما كان الرازي عالماً وطبيباً، وقد كان له عدد كبير من المريدين والتلاميذ يجلسون حوله في حلقات متصلة، يصغون إليه بكل شغف وإعجاب.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن العرب المسلمين هم أول من جعل التدريس من واجبات الدولةو هم أول من عرفوا تأميم الطب والعلاج.

الرازي طبيب المسلمين الأول :

يعدُّ الرازي من الروَّاد الأوائل للطّب، ليس بين العلماء المسلمين فحسب، وإنما في التراث العالمي والإنساني بصفة عامة، ومن أبرز جوانب ريادة الرازي وأستاذيته وتفرده في الكثير من الجوانب أنه:

ü يعدّ مبتكر خيوط الجراحة المعروفة بالقصاب.

ü أول من صنع مراهم الزئبق.

ü قدم شرحاً مفصلاً لأمراض الأطفال والنساء والولادة والأمراض التناسلية وجراحة العيون وأمراضها.

ü كان من روّاد البحث التجريبـي في العلوم الطبية، وقد قام بنفسه ببعض التجارب على الحيوانات كالقرود، فكان يعطيها الدواء، ويلاحظ تأثيره فيها، فإذا نجح طبقه على الإنسان.

ü عني بتاريخ المريض وتسجيل تطورات المرض؛ حتى يتمكن من ملاحظة الحالة، وتقديم العلاج الصحيح له.

ü كان من دعاة العلاج بالدواء المفرد (طب الأعشاب والغذاء)، وعدم اللجوء إلى الدواء المركَّب إلا في الضرورة،

ü كان يستفيد من دلالات تحليل الدم والبول والنبض لتشخيص المرض.

ü استخدم طرقًا مختلفة في علاج أنواع الأمراض.

ü اهتم بالنواحي النفسية للمريض، ورفع معنوياته ومحاولة إزالة مخاوفه من خلال استخدام الأساليب النفسية المعروفة حتى يشفى

ü كما اشتهر الرازي في مجال الطب الإكلينيكي، وكان واسع الأفق في هذا المجال، فقد فرّق بشكل واضح بين الجدري والحصبة، وكان أول من وصف هذين المرضين وصفاً دقيقاً مميزاً بالعلاجات الصحيحة.

ü إلى جانب الطب كان الرازي : كيميائي بارع و مخترع في الفيزياء

قالت عنه المستشرقة الألمانية (زيغريد هونكه) في كتابها "شمس العرب تسطع على الغرب": "في شخصية الرازي تتجسد كل ما امتاز به الطب العربي وما حققه من فتوحات علمية باهرة. فهو الطبيب الذي عرف واجبه حق المعرفة، وقدَّس رسالته كل التقديس، فملأت عليه نفسه وجوانب قلبه، وهو ينقذ المعوزين ويساعد الفقراء. إنه الموسوعي الشمولي الذي استوعب كل معارف سالفيه في الطب وهضمها وقدمها للإنسانية أحسن تقديم، وهو الطبيب العملي الذي يعطي للمراقبة السريرية أهميتها وحقها، وهو البحّاثة الكيميائي المجِّرب الناجح، وهو أخيراً المنهجي في علمه الذي أضفى على الطب في عصره نظاماً رائعاً ووضوحاً يثير الإعجاب".

مؤلفاته:

يذكر كلُّ من ابن النديم والقفطي أن الرازي كان قد دوَّن أسماء مؤلفاته في " فهرست" وضعه لذلك الغرض. ومن المعروف أن النسخ المخطوطة لهذه المقالة قد ضاعت مع مؤلفات الرازي المفقودة، ويزيد عدد كتب الرازي على المائتي كتاب في الطب والفلسفة والكيمياء وفروع المعرفة الأخرى، ويتراوح حجمها بين الموسوعات الضخمة والمقالات القصيرة منها نذكر أ ـ الحصبة والجدري / ب ـ كتاب منافع الأغذية /المرشد أو الفصول / ج - كتاب في "الشكوك على جالينوس" د - كتاب "الطب الروحاني"

04 - البيروني و إسهاماته الحضارية

مولده ونشأته: البيروني هو  محمد بن أحمد أبو الريحان البيروني الخوارزمي، ولد سنة 363هـ/973م بإحدى ضواحي خوارزم في فارس (أوزبكستان حالياً) و توفي سنة(429 هـ - 1037 م ).

كان البيروني عالماً في الرياضيات، والطبيعيات، والفلك، والطب ، بالإضافة إلى كونه مؤرخاً ولغوياً وأديباً.
وعلى الرغم من اطلاعه الواسع على مختلف مجالات المعرفة في عصره، فإن اهتمامه كان مركزاً أكثر على الرياضيات والفلك. ويعدّه أعلام المستشرقين من العباقرة المسلمين العالميين الواسعي الاطلاع..

إسهاماته العلمية :يعترف للبيروني بإسهام في مختلف العلوم:

ü فقد حدَّد بدقة خطوط الطول وخطوط العرض،

ü وناقش مسألة ما إذا كانت الأرض تدور حول محورها أم لا،

ü وبحث في الوزن النوعي، وقدر بدقة كثافة 18 نوعاً من الأحجار الكريمة والمعادن،

ü وتوصل إلى أن سرعة الضوء أكبر من سرعة الصوت،

ü كما شرح كيفية عمل الينابيع الطبيعية والآبار الارتوازية بناء على مبدأ هيدروستاتيكي.

ü وكان البيروني ألمع علماء زمانه في الرياضيات كما يعترف بذلك"سمث" في الجزء الأول من كتابه "تاريخ الرياضيات".

ü اشتغل بالفلك، وبحث في هيئة العالم وأحكام النجوم،

ü وضع طريقة لاستخراج مقدار محيط الأرض تعرف عند العلماء الغربيين باسم " قاعدة البيروني" ؛

ü وصف ظواهر الشفق وكسوف الشمس وغير ذلك من الظواهر الطبيعية بجانب إشارته لدوران الأرض حول محورها.

ü كما كان ملمًا بعلم المثلثات، وهو من الذين بحثوا في التقسيم الثلاثي للزاوية.
مؤلفاته :
ترك البيروني مؤلفات عديدة، تزيد عن مائة وخمسين كتاباً، وقد ذكر أغلبها في رسالته المعروفة بالفهرس، وتتناول مواضيع متنوعة منها الجغرافيا، والرياضيات، والفلك. من أشهرها :
"كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية"، ناقش فيه البيروني دوران الأرض حول نفسها، وتسطيح الكرة

ü "القانون المسعودي في الهيئة والنجوم"، ألفه البيروني (421هـ/1030م) تناول فيه مختلف موضوعات الفلك والرياضيات.

ü "تاريخ الهند"، ضمنه البيروني خلاصة دراساته في الهند.

ü "كتاب التفهيم لأوائل صناعة التنجيم"، يبحث هذا الكتاب الحساب، والهندسة، والجبر، والعدد، والفلك.

ü ترك البيروني عدة رسائل في الهندسة، والحساب، والفلك، والآلات العلمية، والطب، والصيدلة. كما كانت له مراسلات مع ابن سينا.

ü وإضافةً إلى ذلك، فقد ترجم عدداً من الكتب من اللغة السنسكريتية إلى العربية.
وقد ترجمت معظم كتبه إلى اللغات الفرنسية، والألمانية، والإنجليزية، ونشرت في القرنين التاسع عشر والعشرين

05 - الحسن بن الهيثم

مولده ونشأته:
هو الحسن، أبو علي، محمد بن الحسن بن الهيثم، ولد في البصرة عام 354 )هـ /965م) توفي في القاهرة سنة (431 هـ/ 1039م )

مؤلفاته:

يقول ابن أبي أصيبعة (596هـ - 668 هـ = م1200 - 1270 م) أحمد بن القاسم بن خليفة بن يونس الخزرجي موفق الدين، أبو العباس ابن أبي أصيبعة: الطبيب المؤرخ، صاحب (عيون الأنباء في طبقات الأطباء - ط) في مجلدين. "إن ابن الهيثم كان متفنناً في العلوم، لم يماثله أحد من أهل زمانه في العلم الرياضي، ولا يقرب منه
ذكر أن لابن الهيثم ما يقرب من مأتي كتاب، خلا رسائل كثيرة، فقد ألف في الهندسة والطبيعيات، والفلك، والحساب والجبر والطب والمنطق والأخلاق.

ألف في شؤون طبية هامة نقل معظمها عن غالينوس، ولكنه علق عليها وزاد فيها، وألف كتباً أخرى، ذات صلة بالطب والمعالجة، كرسالته في تأثير اللحون الموسيقية، في النفوس الحيوانية·
شهرته:

ü وأما شهرة ابن الهيثم الكبرى فجاءته من دراساته الطبيعية والرياضية والهندسية، التي أدخل فيها إلى هذه العلوم نظريات وبحوثاً وتطبيقات جديدة، لم تكن معروفة قبله·

ü قلب ابن الهيثم الأوضاع القديمة، وأنشأ علماً جديداً أبطل فيه علم المناظر، الذي أنشأه اليونان،

ü كما أنشأ علم الضوء الحديث، يعود إليه الفضل في إدخال العناصر الأولية من علم الضوء إلى أوربا، وما أورده في كتاب البصائر عن تشريح العين وغريزتها وكيفية الإبصار يدل على أنه كان مطلعاً اطلاعاً عميقاً على عناصر معرفتها فهو وصف العين وصفاً دقيقاً فيما يتعلق بوظيفتها في الإبصار·

ü بعد وفاة الحاكم بأمر الله الفاطمي أتم أكبر أعماله العلمية وأعظمها شأناً هو كتاب "المناظر" الذي أحدث دوياً كبيراً في الأوساط العلمية فيما بعد،

ü كما ألف كتاب الذخيرة الذي اختلط أمره على بعض مؤلفي الغرب وظنوا أنه لأبي جعفر الخازن إلى أن وضح هذه الصورة المستشرق الألماني فيدمان Viedmann، وأثبت أن كتاب الذخيرة من تأليف ابن الهيثم،

ü وجاءت في كتابه "الذخيرة" ومخطوطة "الفاتح" صور لأجزاء كرة العين وعناصرها التشريحية·

ü أكبر فيزيائي عربي، وكتابه في البصريات تضمن أول وصف صحيح للعين بأخلاطها المائية وجسمها البللوري وقرنيتها وشبكيتها وغرفتها المظلمة·

ü ومن كتبه الهامة أيضاً "الكرة والأسطوانة" و "المخروطات
، ويعد من أعظم العلماء وصاحب عبقرية خالدة ومازالت الحضارة البشرية تستمد منها النور والمعرفة، وكانت مؤلفاته مرجعاً للكثير من علماء الغرب، أمثال بيكون وكيبلرو نيوتن

06 - أبو جعفر الخازن

مولده ونشأته: (000 م- 550 هـ) (000 م - 1155 م) عبد الرحمن الخازن، أو الخازني (أبو الفتح) عاش في مرو من أعمال خرسان اشتهر بالرياضيات والفلك،وحياة الخازن يلفها الإبهام والغموض، كمل خلط فريق من الكتاب بينه وبين علماء آخرين، وأسندوا بعض أعماله إلى غيره.

أعماله :

ü اشتغل بالفيزياء والميكانيكا (أو علم الحيل)،

ü كما حسب جداول فلكية عُرفت باسم (الزيج المعتبر السيخاري)، فدقق في مواقع النجوم، وأعطى جداول السطوح المائلة والصاعدة.

ü ومن الموضوعات التي عالجها الخازن موضوع (كتلة الهواء).

ü وبحث الخازن كذلك في الأجسام الطافية، وفي الكثافة وطريقة تعيينها للأجسام الصلبة والسائلة.

ü وأورد بعض القيم ، لأوزان الأجسام النوعية، وهي قيم دقيقة إلى أقصى حد. وقد اخترع الخازن ميزاناً خاصاً لوزن الأجسام في الهواء وفي الماء. وعلى ذلك يعتبر الخازن الممهد الأول لطريق قياس عنصري الضغط ودرجة الحرارة.

ü للخازن بحوث في الجاذبية

ü قيل أنه أول عالم حلّ المعادلات التكعيبية هندسياً بواسطة قطوع المخروط، كما بحث في المثلثات على أنواعها.

مما سبق يتضح لنا أن الخازن كان من كبار علماء العرب، جال في ميادين متعددة، وقدم بحوثاً مهمة، وترك اختراعات خدم بها الإنسانية، مما أسهم في تقدهما

مؤلفاته :

ü ومن المؤلفات المهمة التي تركها الخازن كتاب (ميزان الحكمة) الذي يعد من أنفس كتب العلوم عند العرب، لما تضمنه من البحوث المبتكرة، وفيه تتجلى عبقرية الخازن. ففي الكتاب جمع الخازن الموازين وبيّن وجوه الوزن، وبذلك مهّد لاختراع (البارومتر) و (الترمومتر) وسائر الموازين الحديثة التي ظهرت على يد العلماء الأوروبيين.

ü كتاب كتاب زيج الصفائح

ü كتاب المسائل العددية

07 - ابن سينا

مولده ونشأته: ابن سينا هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، ولد في قرية (أفشنة) الفارسية قرب بخارى في أوزبكستان حاليا سنة 370هـ (980م) وتوفي في همذان سنة 427هـ (1037م)

اشتهر بالطب والفلسفة واشتغل بهما. عرف باسم الشيخ الرئيس وسماه الغربيون بأمير الأطباء.

. إن ابن سينا هو من أول من كتب عن الطبّ فى العالم الإسلامى ولقد اتبع نهج أو أسلوب هيبوكراتس و جالين. وقد قال جورج سارتون عن ابن سينا أنّه أشهرعالم فى الإسلام . كما أنّه يعتبر من الأعظم شهرة فى كل الأزمان و الأماكن والأوقات. وأعظم أعماله المشهورة هى كتاب الشفاء وكتاب القانون فى الطب.

مؤلفاته : ألّف 450 كتاب فى مواضيع مختلفة, العديد منها يركّز على الفلسفة والطب

ü فی الفلسفه : الإشارات والتنبیهات ، الشفاء ، النجاة

ü في الرياضيات رسالة الزاوية ،مختصر إقليدس ،مختصر الارتماطيقي ،مختصر علم الهيئة ،مختصر المجسطي

رسالة في بيان علّة قيام الأرض في وسط السماء

ü في الطبيعيات وتوابعها رسالة في إبطال أحكام النجوم ،رسالة في الأجرام العلوية وأسباب البرق والرعد،رسالة في الفضاء ،رسالة في النبات والحيوان

ü في الطب: كتاب القانون الذي ترجم وطبع عدّة مرات والذي ظل يُدرس في جامعات أوروبا حتى أواخر القرن التاسع عشر.،كتاب الأدوية القلبية ،كتاب دفع المضار الكلية عن الأبدان الإنسانية ،الألفية الطبية المشهورة التي ترجمت وطبعت

ü في الموسيقى مقالة جوامع علم الموسيقى ،مقالة الموسيقى ،مقالة في الموسيقى

08 - ابن النفيس: الطبيب العالم والفقيه

مولده ونشأته:

علاء الدين أبو العلاء ابن النفيس (000 هـ - 687 هـ = 000 م - 1288 م) ترعرع في ربوع القرشية من أعمال حمص، ، وانضمَّ إلى مدارس الفقه والحديث فيها، وعكف على دراسة علوم العربية وبيانها وصرفها، وأدرك معانيها وبديعها في زمن قياسي لم يعتده دارس قبل ابن النفيس، فكان إطراء الأساتذة على تلميذهم النابه شديداً مشجِّعاً، حتى خيّل للبعض أن ابن النفيس سيكون عالم فقه وحديث من الطراز الأول.

ولكن ابن النفيس ذهب في اتجاه آخر، حيث وجد نفسه توّاقاً للعلم والطبّ، كانت دمشق في تلك الفترة تحت حكم الأيوبيين الذين كانوا يعتنون بالعلم عامةً، وبالطب خاصة، وجعلوا من دمشق حاضرة للعلوم والفنون، وكانت تضم، في ما تضم، مكتبة عظيمة تحوي نفائس الكتب، وبيمارستاناً عظيماً اجتذب أمهر أطباء العصر الذين توافدوا إليه من كل مكان وهو "البيمارستان النوري"، نسبة إلى نور الدين زنكي منشئ هذا البيمارستان..

وفي هذا المعهد، درس ابن النفيس الطبّ.

أعمال ابن النفيس :

ü وكان طبيباً فذّاً وصفه ابن أبي أصيبعة، الذي ولد في دمشق (سنة 600هـ /1203م) وزامل ابن النفيس في التلمذة والتدريب على يديه، بقوله: "وقد عالج أمراضاً كثيرة مزمنة كان أصحابها قد سئموا الحياة، ويئس الأطباء من برئهم، فبرئوا على يديه بأدوية غريبة يصفها أو معالجات بديعة يعرفها".

ü لم ينس الاهتمام بدراسة الفقه على المذهب الشافعي، فالتحق بالمدرسة المسرورية، وتردَّد على مجلسه العلماء والأعيان وطلاب العلم يطرحون عليه مسائل الفقه والطب والأدب، ووصفه معاصروه بأنه كريم النفس، حسن الخلق، صريح الرأي، متديّن على المذهب الشافعي، ولذلك أفرد له السبكي ترجمة في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى"، باعتباره فقيهاً شافعياً".

ü اقترن اسم ابن النفيس باكتشافه الدورة الدموية الصغرى، أو دوران الدم الرئوي، التي سجّلها في كتابه "شرح تشريح القانون" لابن سينا، وقبل العالم الطبيب الإنجليزي هارفي المتوفى (سنة 1068 هـ /1657م)، الذي بحث في دورة الدم بعد ما يزيد على ثلاثة قرون ونصف من وفاة ابن النفيس، وظلَّ الناس يتداولون هذا الوهم حتى أبان عن الحقيقة محي الدين التطاوي في رسالته العلمية.

ü يعزى إليه أنه اكتشف الدورتين الصغرى والكبرى للدورة الدموية،

ü وضع نظرية باهرة في الإبصار والرؤية،

ü كشف العديد من الحقائق التشريحية،

ü وجمع شتات المعرفة الطبية والصيدلانية في عصره،

ü قدّم للعلم قواعد للبحث العلمي وتصوّرات للمنهج العلمي التجريـبي.

ü أوَّل من طالب مرضاه بضرورة الاعتدال في تناول الملح ، وقدّم أدق الأوصاف لأخطار الملح، وأثره على ارتفاع الضغط،

ü كما أنه أبدع في تشريح الحنجرة وجهاز التنفس والشرايين وبيّن وظائفها.

ü أما عن تشريح ابن النفيس جثة الإنسان، فقد دار الجدل حولها، وظهرت في الأفق وجهات نظر ثلاث:

الفريق الأول: ينكر قيام ابن النفيس والعلماء العرب المسلمين بأي عمل تشريحي كان،

أما الفريق الثاني: يقول: "إن ابن النفيس قد شرّح، ولكن شرّح الحيوان فقط". كما فعل جالينوس.

أما الفريق الثالث: يعتقد أن ابن النفيس شرّح جثة الإنسان، ويعزز هذا الفريق رأيه بالقول بمشروعية تشريح جثة الإنسان، ويعزي سيادة فكرة تحريم تشريح جثة الإنسان إلى الموروثات الشعبية العامية النابعة من الاحترام الشديد للأجداد وللموتى، وإلى هذا المعنى ذهب ابن النفيس، وقال في مقدمة كتابه شرح تشريح القانون لابن سينا - (ج 1 / ص 1)

"وقد صدنا عن مباشرة التشريح وازع الشريعة، وما في أخلاقنا من الرحمة فلذلك رأينا أن نعتمد في تعرف صور الأعضاء الباطنة على كلام ما تقدمنا من المباشرين لهذا الأمر" وهذا الكلام رآه الدكتور سليمان قطاية دليلاً على قيام ابن النفيس بالتشريح، حيث يقول: من المعروف أن المؤلف يكتب مقدمة كتابه بعد الانتهاء من تأليفه، ولربما لاحظ ابن النفيس أن ما جاء في كتابه كان دليلاً على مزاولته التشريح، فوجد أنه من الأفضل والأنسب أن ينفي عنه التهمة من البداية، فكتب هذه الجملة، خاصة أن القلائل هم الذين سيقرأون الكلام برمّته، لأن النسخ منه قليلة.

ولقد استند "مايرهوف" "وشاخت" وغيرهما على هذه الجملة لنفي قيام ابن النفيس بالتشريح إطلاقاً.

مؤلفاته :

لابن النفيس مؤلّفات كثيرة نشر بعضها وما يزال بعضها الآخر حبيس رفوف المخطوطات لم ير النور بعد، منها:

ü شرح فصول أبقراط، والمهذَّب في الكحل المجرَّب، الموجز في الطبّ، شرح تشريح القانون وهو من أهمِّ الكتب، وتبرز قيمته في وصفه للدورة الدموية الصغرى،

ü اكتشافه أنَّ عضلات القلب تتغذى من الأوعية المبثوثة في داخلها لا من الدم الموجود في جوفه.

ü نقض كلام أعظم طبيبين عرفهما العرب في ذلك الوقت، وهما: جالينوس، وابن سينا،

ü أعظم مؤلَّفاته تتمثل في موسوعته الكبيرة المعروفة بـ"الشامل في الصناعة الطبية".وكان ابن النفيس قد وضع مسودات موسوعته في ثلاثمائة مجلَّد، بيّض منها ثمانين، وهي تمثِّل خلاصة الجهود العلمية للمسلمين في الطب والصيدلة لخمسة قرون من العمل المتواصل. وقد وضعها ابن النفيس لتكون نبراسًا ودليلاً لمن يشتغل بالعلوم الطبية.

ü كان ابن النفيس فيلسوفًا وعالمًا بالتاريخ وفقيهاً ولغويًا، له مؤلّفات في اللغة والنحو، حتى كان ابن النحّاس العالم اللغوي المعروف لا يرضى بكلام أحد في القاهرة في النحو غير كلام ابن النفيس، وكان يقضي معظم وقته في عمله أو في التأليف والتصنيف أو في تعليم طلابه.

ü كتاباته الإسلامية:اهتمَّ ابن النفيس، بالعلوم الإسلامية، كالسير والأحاديث، وقد بقي من كتبه التي قيل عنها إنها كانت كثيرة، كتاب في سيرة الرسول(ص) تحت عنوان: "الرسالة الكاملية في السيرة المحمدية" وكتاب آخر في أصول الحديث تحت عنوان: "مختصر في علم أصول الحديث".

ü وله رسالة في علم الكلام عارض فيها كتاب أبو حيّان التوحيدي "حيّ بن يقظان"، وهذه الرسالة تحت عنوان "فاضل بن ناطق".

ü كما كتب ابن النفيس كتباً في الفقه ، ولكنها كانت شرحاً على التنبيه للشيرازي.. غير أن المصادر التي أشارت إلى هذا الكتاب ذكرته اسماً ولم تحصل على نسخة منه للتأكد من ذلك.

ü ويقال إن ابن النفيس كتب في الفلسفة شرحاً لكتاب "الإشارات"، وآخر لكتاب "الهداية في الحكمة" للشيخ الأديب والرئيس ابن سينا، ونلاحظ أن معظم مؤلَّفاته كانت تصنيفاً وشرحاً للكتب الشهيرة.


09 - ابن خلدون ورؤيته النقدية للتاريخ
: 732 هـ ـ 808 هـ/ 1332 م ـ 1406م

مولده ونشأته: ولد ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خالد (خلدون) الحضرمي بتونس في [ غرة رمضان 732هـ= 27 من مايو 1332م] ، في أسرة أندلسية الأصل من مدينة اشبيلية، هاجرت إلى المغرب، ثم قدمت إلى تونس أثناء بداية حكم الحفصيين.

قرر الهجرة إلى مصر سنة 1382 أيام حكم الملك الظاهر برقوق أقام ابن خلدون في مصر إلى أن وافته المنية في رمضان عام 1406 م، وكان حينئذ قاضي قضاة المالكية فيها.

أعماله :

ü يعد ابن خلدون عبقرية عربية متميزة، فقد كان عالمًا موسوعيًا متعدد المعارف والعلوم،

ü وهو رائد مجدد في كثير من العلوم والفنون،

ü فهو المؤسس الأول لعلم الاجتماع،

ü وإمام ومجدد في علم التاريخ،

ü وأحد رواد فن الأتوبيوجرافي ـ فن الترجمة الذاتية ـ

ü كما أنه أحد العلماء الراسخين في علم الحديث،

ü وأحد فقهاء المالكية المعدودين،

ü ومجدد في مجال الدراسات التربوية، وعلم النفس التربوي والتعليمي،

ü كما كان له إسهامات متميزة في التجديد في أسلوب الكتابة العربية.

ü هو أحد الرواد الذين شيدوا البناء البناء الفكري لصرح العلوم الإنسانية، وعلى رأسها علم الإجتماع،

ü ويُنظر إليه على أنه صاحب رؤية حضارية خاصة ،ولاسيما فيما يتعلق بدراسة التاريخ البشري ،والمجتمع الإنساني والعمران الحضاري ،

ü ويتجاوز بعض الدارسين له ذلك فيتحدثون عن عبقريته في الفكر الاقتصادي والتربوي والسياسي وغير ذلك من الحقول المعرفية.

لقد كان ظهور العلامة العربي ابن خلدون في القرن الرابع عشر بمثابة الانعطافة الكبرى التي غيرت أسلوب التفكير ومنهج النظر في شؤون العمران البشري والاجتماع الإنساني .

أهم مؤلفات ابن خلدون :

هو  كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، الذي قدم له بمقدمة شهيرة طغت شهرتها على الكتاب نفسه. و له أيضا شرح البردة و هي كتاب في مدح الرسول، و كتاب لباب المحصل في أصول الدين ، وهو تلخيص كتاب الفخر الرازي في علم التوحيد. وكتاب في الحساب، ورسالة في المنطق.

ابن خلدون و التغيير الاجتماعي:

يؤكد ابن خلدون أن التغيير سمة ثابتة من سنن العمران البشري ولازمة أساسية من لوازمه ولا يحصل تطور الأفراد والمجتمعات والدول إلا بها حيث يقول في تاريخه - (ج 1 / ص 28) << وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول سنة الله التي قد خلت في عباده>>

يقرر ابن خلدون بأن دراسة ظواهر الاجتماع على هذا النحو الذي أتى به،علم غير مسبوق ،بمنهج غير مطروق من قبل، حيث يؤكد في هذا الصدد في تاريخه - (ج 1 / ص 38) " واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة عزيز الفائدة اعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص"

.ويقوم منهج ابن خلدون التغييري  على المرتكزات  التالية :

1- الإستبصارالإيماني: -2- الجماعة أو العصبية: 3- الاقتران بين الإستبصارالإيماني وفقه الواقع الاجتماعي:

الخاتمة

لم يختلف العلماء المسلمون في حث الأمة على طلب العلوم بأنواعها وتعلم الصناعات بأشكالها كافة, حتي قال الفيلسوف ابن رشد (خلال القرن الثاني عشر الميلادي) ما نصه: "ولذلك وجب على من أراد أن يعرف الله تعالي المعرفة التامة, أن يفحص عن منافع جميع الموجودات (مناهج الأدلة لابن رشد), بل يؤكدون على أن تعلم العلوم والصناعات التى يحتاجها المجتمع هي من الواجبات الكفائية التى يعاقب المجتمع على تركها.

والحضارة الإسلامية ـ فى حقيقتها ـ هي ثمرة جهود علماء وخبراء فى اختصاصات مختلفة ابتداء بعلماء الشريعة ومرورا بعلماء الطبيعيات والاجتماعيات وانتهاء بالصناعيين والفنانين.

كان معظم هؤلاء يجمعون بين العلوم الطبيعية والعلوم الشرعية والعلوم العقلية والعلوم الإنسانية, ويعدونها امتدادات لبعضها, حتي أطلقوا عليها وصف " العلوم والفنون الإسلامية " وسمي علماؤها العلماء المسلمين " وكان المتخصص بالكيمياء يسمى عالما كيميائيا وفى الفلك عالما فلكيا , وفى الفقه عالما فقهيا , وفى الحديث عالما محدثا ولم يكن لهذا التألق العلمى ليتحقق بدون الأجواء والمناهج التى وفرتها تعاليم القرآن والسنة. ولم يحدث هذا الفصام بين أجزاء العلم إلا فى مراحل التراجع الإسلامي ودخول أوروبا ما عرف ب " عصر النهضة ".

وفى الختام... لايزال الأمل منعقدا على استعادة العلم موقعة لدي المسلمين, فهو رهان الحاضر والمستقبل, بل هو رهان القدرة على البقاء والاستمرار, ولا يقتصر هذا العلم على حقل دون آخر, بل على كل أجزاء العلوم, ولاسيما تلك التي تشكل البنية التحتية العلمية لكل نهضة. ولكي نكون واقعيين, فإن التجربة البشرية التي قطعت أشواطا واسعة ماثلة أمام المسلمين ليأخذوا منها في حدود ما لا يتقاطع مع الشريعة. ويبقي أن علينا استخدام المناهج والآليات التي تشد كل حقل علمي إلى أغراض الدين وأهدافه ومحدداته الشرعية.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } (18) سورة الحشر

والحمد لله رب العالمين.

 

 
المصطلحات المعتمدة ببرنامج التفكير الإسلامي ( الرابعة آداب ) طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: كمال بوهلال   

المصطلحات المعتمدة ببرنامج التفكير الإسلامي ( الرابعة آداب )

كمال بوهلال معهد فرحات حشّاد مساكن

المبحث الأول : التوحيد والمجتمع

1) التوحيد :

التوحيد في اللغة : مصدر للفعل ( وحَّد ، يوحِّد ) توحيدا فهو موحِّد إذا نسب إلى الله الوحدانية ووصفه بالانفراد عما يشاركه أو يشابهه في ذاته أو صفاته ، والتشديد للمبالغة أي بالغت في وصفه بذلك .

في الاصطلاح : إفراد الله تعالى بما يختص به من الألوهية والربوبية والأسماء والصفات .

والتوحيد على أنواع.
النوع الأول: توحيد الربوبية وهو إفراد الله بأفعاله، أي أننا نعتقد أن الله منفرد بالخلق والملك والتدبير. قال تعالى ( الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل )[ الزمر :62] .
الثاني: توحيد الألوهية وهو توحيد الله بأفعال العباد. أي أنّ العباد يجب عليهم أن يتوجهوا بأفعالهم إلى الله سبحانه فلا يشركون معه أحداً. قال تعالى ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) [ الكهف: 110].
الثالث: توحيد الأسماء والصفات وهو إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تأويل ولا تحريف ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل ولكن على حسب قوله تعالى (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشورى :11].

2) الحرية و المسؤولية:

لغة : " الحر ، بالضم : نقيض العبد " (ابن منظور ، 1410هـ ، جـ 4 ، ص 181 ) .

" والحرة : نقيض الأمة ، والجمع حرائر " ( المصدر السابق ) .

الحرية اصطلاحاً هي القدرة على الفعل والاختيار وهي التصرّف بالملك بدون عدوان على النفس أو الغير، سواء أكان الملك حسياً أو معنوياً.

الحرّية مقوم أساسي في حياة الإنسان لتمتعه بمؤهلات تميزه عن سائر المخلوقات مما يعطي معنا لوجود ه من خلال البناء الحضاري والإبداع بتحمله المسؤولية وما يترتب عنها من ثواب أو عقاب.

3) الإرادة:

إن كلمة الإرادة لغة واصطلاحاً يراد بها صفة خاصة من صفات النفس تتعلق بإيجاد فعل أو تركه, وتكون علة تامة لتحقق ذلك في الخارج

اصطلاحا :الإرادة هي رغبة أو شوق في نفس المريد لإيجاد مراده خارجاً مباشرة أو بواسطة, أو عدمها.

4) القضاء:

لغة :جاء في كتاب العين للفرهيدي:<< قَضَى يَقضي قَضاءً وقَضيّةً أي حَكَمَ.>>

واصطلاحا: إرادة الله أن تكون الأشياء كما هي عليه في الواقع.

5) القدر:

لغة : التقدير، يقال: قدر الشيء أي بيّن مقداره وقدّر الشيء بالشيء، أي قاسه به وجعله على مقداره. وقدّر الأمر، ‏دبّره، قضى وحكم به

القدر والمقدار جعل الشيء بمقياس مخصوص أو وزن محدود قال الله تعالى << وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا >> الفرقان 2

فالقدر هو تقدير الله سبحانه بعلمه المحيط بالأزل والأبد بوجود الأشياء، قبل وجودها ‏وبعد وجودها وما ستئول إليه في المستقبل؛

6) القضاء والقدر :

الإيمان بالقضاء والقدر واجب، لأنه ركن من أركان الإيمان الستة،وهو من أركان العقيدة الإسلامية يوجب خضوع الوجود لنظام دقيق ? العبثية والفوضى

ويرد القضاء والقدر بمعنى واحد من جهة، إلاّ أن القدر - بمعنى آخر- يعني كل ما قدّره الله سبحانه، أما القضاء فهو إنفاذ هذا ‏التقدير، وأداء ما قُدِّرَ وإجراء حكمه.‏

7) العدل:

لغة : ( العدل ضد الجور ، عدل عليه في القضية من باب ضرب ، فهو عادل

العدل اصطلاحا : هو المساواة في المكافأة عن خيرا فخير وإن شرا فشر

قال تعالى : { وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ } (58) سورة النساء

8) الكسب :

نظرية الكسب الأشعرية تقر أن الوجود صادر عن الله ابتداء وللعبد قدرة على الاختيار والفعل قال محمد عبده في تعريف الكسب << صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله >> رسالة التوحيد

الكسب اقتران قدرة العبد بالفعل الذي يرغب القيام به دون أن تكون لقدرته أثر في إيجاد الفعل

? الفعل يكون من الله خلقا ومن العبد كسبا

9) الجبر:

الجبر لغة: الإكراه والإرغام والقهر،

واصطلاحاً: هو إكراه وإرغام من قبل الله سبحانه لعباده على فعل الأشياء حسنة كانت أم قبيحة من دون أية إرادة للرفض من قبل العباد.

بمعنى سلب الاختيار من شيء فى مجال تحقيق فعل من الأفعال المتعلّقة به. قال تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (40) سورة يــس

10) التوكل والاتكال :

التوكّل :وَكِلَ : في أَسماء الله تعالى الوَكِيلُ: هو المقيم الكفيل بأَرزاق العباد، وحقيقته أَنه يستقلُّ بأَمر المَوْكول إِليه.

فسر العلماء التوكل فقالوا : ليكن عملك هنا و نظرك في السماء

أما عدم السعي فليس من التوكل في شيء، و إنما هو اتكال أو تواكل

11) الأسباب والسنن والسببية :

لغة : السبب ما يُتَوصَّل به إلى شَىءٍ وتسمى أيضا مجاري العادات والسنن والقوانين

اصطلاحا : من الصعب الحصول على تعريف دقيق لاختلاف تفسير الموضوع فلسفيا ووجود نقاشات وجدالات عميقة فلسفية حول نظريات السببية كافة.

ويكفي أن نعتبر السببية العلاقة المباشرة التي تربط بين الأحداث، والأجسام، المتغيرات المختلفة وأيضا الحالات المختلفة للأجسام.

من المفترض أيضا عادة أن يكون السبب (cause) سابقا زمنيا للتأثير

السببية عند الفلاسفة والمتكلمين: * الفلاسفة التولد الذاتي للأشياء ( بصفة آلية )

* المتكلمون التولد وفق إرادة ومشيئة إلهية لا تتبدل ولا تتغير ( سنة الله في الوجود )

12) الاكتساب:

مصطلح استعمله ابن رشد بمعنى << الاكتساب للأشياء ليس يتم لنا إلا بمواتاة الأسباب التي سخرها الله لنا من خارج وزوال العوائق عنها، كانت الأفعال المنسوبة إلينا تتم بالأمرين جميعا: بإرادتنا، وموافقة الأسباب التي من خارجها، و هي المعبر عنها بقدر الله.>>

13) الضرورة و الحرية والتحرر:

الضرورة : ما اضطررنا إليه(حركة لا إراديّة)

حركة الإنسان وسط بين الاختيار والضرورة تسمى كسبا

يقول ابن رشد: << وإنما الذي قاد المتكلمين من الأشعرية إلى هذا القول (نفي علاقة الضرورة بين الأسباب والمسببات) الهروب من القول بفعل الطبيعة التي ركبها الله في الموجودات التي هاهنا، كما ركب فيها النفوس وغير ذلك من الأسباب المؤثرة. فهربوا من القول بالأسباب لئلا يدخل عليهم القول بأن ههنا أسبابا فاعلة غير الله>>

تتمحور المسألة حول الإشكال التالي: هل الشخص حر في اختيار مشروعه أم أن هاته الحرية خاضعة لحتميات و بالتالي يحكمها منطق الضرورة.؟

الإنسان يسعى للتحرر من خلال اكتسابه للمعرفة بالضرورة

14) الكونية:

الكونية تفيد التوجّه إلى كافّة الناس و وحدة الإنسانيّة ( الرّب و الأصل ) عموم التّكريم ( الاستخلاف والبناء الحضاري ) (لِّلْعَالَمِينَ ،كَافَّةً لِّلنَّاسِ ،أُمَّةً وَاحِدَةً )

يشير مفهوم الثقافة الكونية إلى كل ما يدور حول دول العالم الأخرى (غير الدولة الأم) من موضوعات عن النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتاريخية والجغرافية والبيئية والثقافية والدينية والتربوية والصحية والتكنولوجية والمنظمات الدولية.

15) الخصوصية :

يُعَّدُ مفهوم "الخصوصية" واحداً من المفاهيم الإشكالية، التي تثير جدلاً مشروعاً في مختلف الأوساط وعلى كافة المستويات. ومن الملاحظ أن كل اتجاه فكري يعطي لمفهوم الخصوصية مضموناً يتناسب مع مقولاته ويتوافق مع أطروحاته، ويحاول أن يوظف هذا المفهوم في صراعه مع الاتجاهات الأخرى.

كما يلاحظ في سياق هذا الجدل غياب التأصيل العلمي للخصوصية كمفهوم، واختلاطها مع مفاهيم أخرى، وإنتشار بعض الأفكار غير الدقيقة حول مفهوم "الخصوصية".

* من التعريفات : الخصوصية عبارة عن منظومة متكاملة ومتساوقة من الخصائص والسمات المادية والروحية، وأسلوب الحياة، والأخلاقيات، والنظرة إلى العالم ورؤية الذات والآخر، تتمتع هذه المنظومة بقدر من الثبات والاستمرارية، وتكونت عبر عملية تراكمية وتفاعلية ممتدة عبر التاريخ وفي المجتمع، وجرت في بيئة ذات شروط طبيعية وبشرية معينة، وأتت استجابة لهذه الشروط وتجسيداً لها، وتوجد في علاقة جدلية مع هذه البيئة التي أنتجتها.

* الخصوصية مكوِّن جوهري وأساسي من مكوًّنات المجتمع، ولا يمكن تصور وجود مجتمع لا يمتلك خصوصيته. وإن الخصوصية تمثل ما هو عام ومشترك ومتوافق عليه إلى حد كبير، والذي تناقلته الأجيال المتعاقبة، وأصبح جزءً من الذات، وربما أصبح مكوناً من مكونات الشخصية والهوية.

* ومن التعريفات : الخصوصية تعني التمايز عن الآخر والاتصاف بملامح ذاتية تختلف عنه. وعلى المستوى القيمي فإنها تعني الوعي بالذات وحقيقتها الوجودية وإدراك لتميزها ولحدودها الزمانية والمكانية ولرسالتها الأخلاقية وما يرتبط بها من دلالات سياسية واقتصادية واجتماعية. وهي بهذا مزيج بين موقف وجداني وعقلاني في نفس الوقت.

16) العولمة:

لا يجب الخلط بين العولمة كترجمة لكلمة globalization الإنجليزية، وبين ( التدويل) أو (جعل الشيء دولياً)كترجمة لكلمة internationalization.

جعل الشيء دولياً يعني غالباً جعل في المتناول لمختلف دول العالم. فهو مجهود إيجابي يعمل على تيسير الروابط والسبل بين الدول المختلفة.

العولمة لغة: جعل الشيء عالمي الانتشار في مداه أو تطبيقه.

العولمة ثلاثي مزيد، يقال: عولمة على وزن قولبة،وكلمة "العولمة " نسبة إلى العَالم -بفتح العين- أي الكون، وليس إلى العِلم -بكسر العين- والعالم جمع لا مفرد له

العولمة من حيث اللغة كلمة غريبة على اللغة العربية ويقصد منها عند الاستعمال- اليوم- تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله .

اصطلاحا : العولمة عملية تحكم وسيطرة ووضع قوانين وروابط، مع إزاحة أسوار وحواجز محددة بين الدول فهي عملية اقتصادية في المقام الأول، ثم سياسية، ويتبع ذلك الجوانب الاجتماعية والثقافية وهكذا.

(العولمة بداية وجود ثقافة عالميّة جديدة تتجاوز التراثيات الثقافيّة المحلّية والوطنيّة والقوميّة

عرفها الشيخ ناصر العمربقوله<< اصطباغ عالم الأرض بصبغة واحدة شاملة لجميع من يعيش فيه، وتوحيد أنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية والفكرية من غير اعتبار لاختلاف الأديان والثقافات، والجنسيات والأعراق >>

17) العالمية :

تعني العالمية إفساح الفضاء العالمي للإنسان للتنقل عبره بلا قيود ولا حدود، ليصبح مؤثرا ومتأثّرا بالمحيط العالمي كلّه

18) الإبداع:

الإبداع لغة: فهو من مادة (بدع) أي أنشأه وبدأه، قال تعالى{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} (117) سورة البقرة فالبديع من أسماء الله تعالى ويعني: إيجاد الشيء وإحداثه على غير مثال سابق.

{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (11) سورة فصلت

التفريق بين الصنع والإبداع (الإبداع من لا شيء والصنع تركيب لعناصر)

يمكن إطلاق مصطلح الإبداع على الصنع مجازيا عندما يكون بلا اقتداء (إنتاج جديد )

الإبداع هو القدرة على وضع حلول عملية ومؤثره لمشكلات معلقة لم يدركها أحد من قبل.

هناك فرق ما بين الإبداع والذكاء، فاختبارات الذكاء العادية تقيس القدرة على إيجاد إجابة صحيحة واحدة لكل سؤال، و لكن الإبداع هو القدرة على إيجاد إجابات جديدة وغير عادية للمشكلات المختلفة، و لقد فرق الكثير من المهتمين بأمور الذكاء والإبداع ما بين المفهومين بل توصلوا إلى أن الطفل المبدع ليس بالضرورة أن يكون طفلاً مرتفع الذكاء.

الإبداع أيضاً يختلف عن الموهبة، فالموهبة كالرسم مثلاً تعطي للرسام القدرة التقنية لرسم لوحة جميلة ولكنها في نفس الوقت لا تعطيه الإمكانية لجعل اللوحة لوحة نادرة بما تحمله من إحساسات يشعر بها من يراها.

19) الهوية:

من نحن؟ سؤال الهوية.

الهوية هي القاسم المشترك بين مجموعة من الناس

فالهوية في ذات الوقت ذاتية وموضوعية , شخصية واجتماعية , ومن هنا تتأتي طبيعتها المتفلتة , العصية علي التحديد.

يتضح صعوبة تعريف الهوية عند الغير حتى أن غوتلوب فريغه يرى بأن الهوية مفهوم لا يقبل التعريف وذلك لأن كل تعريف هو هوية بحد ذاته .

الهوية في التعريف الإسلامي :

الهوية هي ماهية الشخص مما يتسم من مجموع الصفات التي تميزه عن الآخرين وتجعله متفرداً شاملة - أي الصفات - كل الجوانب الجسدية والنفسية والاجتماعية والسلوكية بل وحتى المعتقدية .

المبحث الثاني : تسخير الكون ومسؤولية الإنسان

1. التسخير:

التسخير في اللغة التذليل وتكليف العمل بلا أجرة.

والمقصود به هنا المعنيان، فكان من تكريم الله عز وجل للإنسان أنه جعل الكون كله في خدمته وسخر لمنفعته العوالم كلها

تسخير ما في السموات: تسخير الشمس والقمر والنجوم للآدميين، وهو الانتفاع بها في بلوغ منابتهم والاقتداء بها في مسالكهم، وتسخيرها في الأرض: تسخير بحارها وانهارها ودوابها وجميع منافعها.

2. الغائية:

إن الغائية مرتبطة بالتنبؤ المستقبلي , وهذا لا يتم إلا فكرياً , فاستباق الحاضر لا يتم إلا فكريا ً, لذلك الغائية مرتبطة بالتفكير .

وكذلك ترتبط الغائية بالتخطيط والتحكم بالحوادث للوصول إلى الهدف الموضوع مسبقاً فالغائية نقيض العشوائية في العمل إذ ترتبط بالتخطيط

منشأ الغائية هو لجوء الانسان الى تطبيق السلوك البشرى الهادف على الكون كله

3. الغيب:

لغة : مصدر غاب إذا استتر وخفي عن الأنظار فالغَيْبَ يُطْلَقُ على كُلِّ ما غاب عن الحواس.

*اصطلاحا : كلُّ ما غاب عنك ممّا لا يعلمه إلا الله ولا يُعْلَم إلا بإخبار الأنبياء عن الله قال تعالى {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} (26) سورة الجن

4. غيب مطلق:

الغيب المُطلق : و هو الغيب الذي يستحيل الإطلاع عليه بواسطة الحواس أبداً ، و يمتنع إدراكه بالآلات و الأدوات المادية كذات الله سبحانه و تعالى و صفاته و غيرهما .

معرفة الغيب المطلق خاص بالله وحتى الرسل لا يعلمون إلا ما أعلمهم الله به قال تعالى : {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} (50) سورة الأنعام

5. غيب نسبي:

الغيب النسبي : و هو الغيب الذي يتفاوت إمكان الإطلاع عليه بحسب الظروف و الأفراد و الأزمان ، فقد يكون غيباً بالنسبة لإنسان و لا يكون كذلك لإنسان آخر ، أو يكون غيباً في زمان دون زمان ، و لا يستحيل الإطلاع على هذا القسم من الغيب إذا توفرت الأسباب و الأدوات اللازمة لذلك فيصبح محسوساً بعد أن كان غيباً .

6. العبادة :

لغة : أصل معنى العبادة والعبودية في اللغة الذل والخضوع ، والتعبيد : التذليل ، يقال : طريق مُعبَّد إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام ، والعبادة : الطاعة ، والتعبد : التنسك .

اصطلاحا : عرفت العبادة في الاصطلاح بعدة تعريفات، ومنها ما يلي:

1- عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بأنها:<< اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة >>

2- وعرفها ابن القيم بأنها: << كمال المحبة مع كمال الذل >>.

3- وعرفها الشيخ ابن سعدي - رحمه الله - بعدة تعريفات منها قوله:

<< العبادة روحُها وحقيقتُها تحقيقُ الحبِّ والخضوع لله؛ فالحب التام والخضوع الكامل لله هو حقيقة العبادة، فمتى خلت العبادة من هذين الأمرين أو من أحدهما - فليست عبادة؛ فإن حقيقتها الذل والانكسار لله، ولا يكون ذلك إلا مع محبته المحبة التامة التي تتبعها المحاب كلها ".>>

7. العقل :

لغة :المنع

جاء في لسان العرب - (ج 11 / ص 458):

<< ( عقل ) العَقْلُ الحِجْر والنُّهى ضِدُّ الحُمْق والجمع عُقولٌ ٍ عَقَلَ يَعْقِل عَقْلاً ومَعْقُولاً فيقال كأَنه عُقِلَ له شيءٌ أَي حُبسَ عليه عَقْلُه وأُيِّد وشُدِّد >>

رَجُل عاقِلٌ وهو الجامع لأَمره ورَأْيه مأْخوذ من عَقَلْتُ البَعيرَ إِذا جَمَعْتَ قوائمه وقيل العاقِلُ الذي يَحْبِس نفسه ويَرُدُّها عن هَواها

والعَقْلُ القَلْبُ والقَلْبُ العَقْلُ وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه وقيل العَقْلُ هو التمييز الذي به يتميز الإِنسان من سائر الحيوان

اصطلاحا:

مصطلح العقل يستعمل ، عادة، لوصف الوظائف العليا للدماغ البشري .خاصة تلك الوظائف التي يكون يكون فيها الانسان واعيا بشكل شخصي مثل : الشخصية ، التفكير، الجدل ، الذاكرة، الذكاء، و حتى الانفعال العاطفي يعدها البعض ضمن وظائف العقل. و رغم وجود فصائل حيوانية اخرى تمتلك بعض القابيات العقلية ، الا ان مصطلح العقل عادة يقصد به المتعلق بالبشر فقط. كما انه يستعمل احيانا لوصف قوى خارقة ،غير بشرية ، او ما وراء طبيعية. "

ولكن القرآن يوضح لنا بطريقة قاطعة أن عملية " العقل " - والتي لا تعني جامع العمليات الفكرية - هي عملية قلبية محضة , كما قال الرب القدير " فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج : 46] " , فهي من القلوب التي في الصدور حتى لا يحتج أحد ويماطل ويقول أن المراد من القلب ليس هو القلب المعروف !

8. القيم :

القيمة لغة: الديمومة- والاستقامة.

القيمة اصطلاحاً: معايير عقلية للفن والعلم والأخلاق: للحكم أو التفضيلات

9. الفاعلية:

الفاعلية تعني القدرة على تحقيق الأهداف المحددة في زمن محدد

الفاعلية الحقيقية تساوي أن تراعي وتحافظ على أدوات الإنتاج وفي نفس الوقت أن تنتج بأفضل شكل فهذه هي الفاعلية
أو كما قالوا : الكفاءة هي أن تعمل الأشياء بالشكل الصحيح والفاعلية أن تعمل الأشياء الصحيحة

10. الزمان :

الزمن يعبر به عن مدة قصيرة أو طويلة ( النّسبية )

ب - الزمان في القرآن : زمن مطلق ... زمن نسبي مرتبط بالذات الإلهية .. محدود له حد

يتقدم ويتأخر(ماض وحاضر ومستقبل ) مرتبط بالإنسان والأرض

11. الدهر :

الدهر لغة :العين - (ج 1 / ص 264) << دهر: الدَّهْر: الأبد الممدود.>> الإطلاق في الأزلية و الأبدية ( الله )

الدهر اصطلاحا : الدهر يعبر به عن الامتداد في المطلق ( الاطلاقية )

لا يتقدم ولا يتأخر(لا ماض ولا حاضر ولا مستقبل ) ...

12. الحضارة :

يعتبر مفهوم الحضارة من أكثر المفاهيم صعوبة في التحديد

فالمؤرخ، والأنثربولوجي، وعالم الاجتماع، واللغوي، وعالم النفس، كلٌّ يعرفها انطلاقًا من أرضيته الفلسفية ومنظوره المعرفي الذي ينظم أفكاره

لغة : في العربية، الحضارة بكسر الحاء وفتحها تعني الإقامة في الحضر، وأن مظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي في الحضر (1). ومعناها ضد غابَ والحاضرة والحِضارة [ ويفتح ] خلاف البادية . والحضور نقيض المغيب والغيبة: حَضَرَ يَحْضُرُ حُضوراً وحضارة ... والحضر خلاف البدو،

اصطلاحا : المصطلح نفسه لم يأخذ معناه المعروف لدينا اليوم عن الحضارة في اللغات الأوربية، إلا مع القرن الثامن عشر ، باعتبار ما اقترن به من مصطلحات دلالية أخرى، وأقرب المعاني اللغوية المستعملة اليوم أن الحضارة: << مرحلة متقدمة من النمو الفكري والثقافي والمادي في المجتمع الإنساني>> أو هي: << مرحلة متقدمة من التقدم الاجتماعي الإنساني، أو هي ثقافة وطريقة حياة شعب أو أمة أو فترة من مراحل التطور في مجتمع منظم>>

13. الشهادة :

لغة : الشهادة ما شاهدته الأبصار فأبصرته وعاينته

*اصطلاحا : عرّفه صالح عضيمة بقوله << الشّهادة هي العالم المشهود الذي هو مقابل عالم الغيب، وهو المحسوس المشخّص في مواجهة المعقول المجرّد، وهو أيضا الحضور مع المشاهدة. إما بالبصر أو بالبصيرة>>

كلّ ما كان من الموجودات أمام نظر الإنسان يشاهده ويراه، أو كان بحيث يدركه بإحدى حواسه الّتي هي السّمع، والبصر، واللّمس، والشّمّ، والذوق.فعالم الشّهادة : هو العالم المادّي المدرك بالحواس

المبحث الثالث النص والتاريخ :

1. التاريخ:

في اللغة العربية التاريخ أو التأريخ يعنى الإعلام بالوقت ، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته و وقته الذي ينتهي إليه زمنه و يلتحق به ما يتفق من الحوادث و الوقائع الجليلة .

دلاله لفظ (التاريخ) :

يدل لفظ التاريخ على معان متفاوتة فيعتبر بعض الكتاب أن التاريخ يشتمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون كله ، بما يحويه من أجرام و كواكب و من بينها الأرض و ما جرى على سطحها من حوادث الإنسان .

و يقصر أغلب المؤرخين معنى التاريخ على بحث واستقصاء حوادث الماضي ، كما يدل على ذلك لفظ (Historia) المستمد من الأصل اليوناني القديم ، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك على الصخر والأرض بتسجيل أو وصف أخبار الحوادث التي ألمت بالشعوب و الأفراد .

و قد تدل كلمة تاريخ على مطلق مجرى الحوادث الفعلي الذي يصنعه الأبطال و الشعوب و التي وقعت منذ أقدم العصور و استمرت و تطورت في الزمان و المكان حتى الوقت الحاضر .

2. النص:

لغة :اشتقت الكلمة من المنصة فإنه اسم للعرش الذي يحمل عليه العروس فيزداد ظهورا بنوع تكلف، فعرفنا أن النص ما يزداد وضوحا لمعنى من المتكلم، يظهر ذلك عند المقابلة بالظاهر عاما كان أو خاصا، إلا أن تلك القرينة لما اختصت بالنص دون الظاهر جعل بعضهم الاسم للخاص فقط.

فَإِنَّ النَّصَّ لُغَةً هُوَ الظُّهُورُ ، وَمِنْهُ الْمِنَصَّةُ .

اصطلاحا : قول المفكر الإسلامى الدكتور محمد عمارة فى كتابه << معالم المنهج الإسلامى>> بأن << النص فى اللغة هو مطلق الملفوظ و المكتوب.>>

أما اصطلاحا فقد ذكر له معان كثيرة منها << الكتاب و السنة أى ما يقابل الإجماع و القياس و منها لفظ الكتاب و السنة الذى لا يتطرق إليه احتمال أصلا مثل عدد الخمسة الذى لا يمكن أن يكون شيئا سوى هذا العدد >>

3. القرآن :

القرآن (لغةً) مأخوذ من (قرأ) بمعنى: تلا ، وهو مصدر مرادف للقراءة، وقد ورد بهذا المعنى في قوله تعالى { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } (القيامة : 17-18) أي قراءته.

اصطلاحا : مناهل العرفان في علوم القرآن - (ج 1 / ص 19)

القرآن هو الكلام المعجز المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته

القرآن الكريم هو أصل التشريع، ومصدره الأول

4. السنّة :

السنة في معاجم اللغة معناها:

هي الطريقة والسيرة مطلقاً، السيرة حسنة كانت أو قبيحة ،

وكما هو معرف في معاجم اللغة أن السنة أصلاً مشتقة من الفعل الثلاثي "سنّ" تقول: "سنّ الماء إذا داوم صبه". "سنّ الإبل إذا أحسن رَعْيَهَا، والقيامَ عليها". "سنّ السكين إذا حَدَّه وصَقَله".

جاء في لسان العرب: وسن الله سنة أي بين طريقا قويما،

اصطلاحا : أما إذا أضيفت (السنة) إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو إلى تشريعات الإسلام، انصرف الذهن إلى طريقته عليه السلام وسيرته في تنفيذ ما بعثه الله من الحق والهدى.

السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي

- الفقهاء يطلقون كلمة السنة ويعنون بها ما يقل عن درجة الوجوب والإلزام. فالواجب والفرض عندهم ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه. أما السنة عندهم، فهي ما يثاب فاعلها، ولا يعاقب تاركها مما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم وواظب عليه؛

- عند علماء الأصول : السنة هي المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله تعالى، فعرفوها بأنها ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح أن يكون دليلا لحكم شرعي.

5. الاجتهاد :

ذكر الدكتور عمارة أن الاجتهاد هو "استفراغ الوسع و بذل المجهود من المتمكن الذى يستجمع شروط الاجتهاد فى طلب المقصود من جهة الاستدلال ليحصل له ظن بحكم شرعى",

6. المحكم :

المحكم لغة : إحكام الكلام: إتقانه وتمييز الصدق فيه من الكذب .

المحكم اصطلاحًا: اختلف في تعريفه : فقال بعضهم: هو ما عُرِفَ المراد منه؛ وقال آخرون : هو ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً؛ وعرَّفه قوم بأنه: ما استقلَّ بنفسه، ولم يحتج إلى بيان. ويمكن إرجاع هذه التعريفات إلى معنى واحد، هو معنى البيان والوضوح .

7. المتشابه :

المتشابه لغة: مأخوذ من الشبه والتشابه، فتشابه الكلام تماثله وتناسبه، بحيث يصدِّق بعضه بعضًا .

المتشابه اصطلاحًا: فعرفه بعضهم بأنه: ما استأثر الله بعلمه، وعرفه آخرون بأنه: ما احتمل أكثر من وجه، وقال قوم : ما احتاج إلى بيان، بردِّه إلى غيره . وأصله أن يشتبه اللفظ في الظاهر مع اختلاف المعاني كما قال تعالى في وصف ثمر الجنة {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (25) سورة البقرة

8. الإعجاز :

الإعجاز:* لغة : لسان العرب - (ج 5 / ص 369)

الإِعْجاز الفَوْتُ والسَّبْقُ يقال أَعْجَزَني فلان أَي فاتني و أَعْجَزَني فلان إِذا عَجَزْتَ عن طلبه وإِدراكه وقد يكون أَيضاً من العَجْز ويقال عَجَزَ يَعْجِزُ عن الأَمر إِذا قَصَرَ عنه

* اصطلاحا: هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة. يظهر على يد مدعي النبوة موافقاً لدعواه.

9. الإعجاز التشريعي :

معنى الإعجاز التشريعي أن القرآن الكريم جاء بهدايات تامة كاملة تفي بحاجات البشر في كل عصر ومصر وفاء لا تظفر به في أي تشريع ولا في أي دين آخر

ويتجلى هذا من خلال المقاصد النبيلة التي رمى إليها القرآن في هدايته

10. التشريع والشرع :

التشريع:* لغة : لسان العرب - (ج 8 / ص 175)

( شرع ) شَرَعَ الوارِدُ يَشْرَعُ شَرْعاً وشُروعاً تناول الماءَ بفِيه والشَّريعةُ والشِّراعُ والمَشْرَعةُ المواضعُ التي يُنْحَدر إِلى الماء منها والشِّرْعةُ والشَّريعةُ في كلام العرب مَشْرَعةُ الماء وهي مَوْرِدُ الشاربةِ التي يَشْرَعُها الناس فيشربون منها ويَسْتَقُونَ

والشرع: معناه: البيان والإظهار، ويطلق أيضاً على الشرب، فيقال: شرع الأمر إذا بينه، ومنه شراع السفينة؛ لوضوحه وإظهاره، ويقال: شرعت الدابة إذا دخلت في الماء لتشرب منه، وتطلق الشريعة على الماء كماء الغدير أو البركة التي يشرب منه.

اصطلاحا : شرح الورقات في أصول الفقه - (ج 1 / ص 6) محمد الحسن ولد محمد الملقب بـ"الددو" الشنقيطي دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية http://www.islamweb.net رسالة الورقات للإمام الجويني

الشرع في الاصطلاح: ما أظهره الله من الأحكام لعباده وهيئه؛ لأن يكون معيناً تشرب منه المقاصد والتفصيلات.

11. الأحكام :

الحكم الشرعي: هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به] (خطاب الله) أي: هذا الذي يؤخذ منه الحكم الشرعي وهو الوحي. والأحكام التكليفية خمس وهي الواجب والمحرم و المستحب والمكروه والمباح

12. المصادر :

المصدر: * لغة : معجم لغة الفقهاء - (ج 1 / ص 433)المصدر: بفتح فسكون مص صدر ج مصادر، ما يصدر عنه الشئ.

صطلاحا : مصادر التشريع: الأصول التي يؤخذ منها التشريع..

13. المقاصد :

لغة : قصد ، القصد استقامة الطريق وقصده يقصده تعود كلمة «مقصد» إلى أصل (ق ص د)، فقَصَدْت الشيء له وإليه قَصْدًا من باب (ضرب) طلبته بعينه وإليه قَصْدي

اصطلاحا :لم يعرّف عند علماء الأصول القدامى حتى من الشاطبي صاحب هذا العلم لم يعرّفه لأنه لم يكن مستقلا عن علم أصول الفقه إذا كانوا يعبرون عن المقاصد بالمعاني أما المعاصرون فقد اهتموا بتعريف المقاصد

تعريف المقاصد عند محمد الطاهر بن عاشور:

أما محمد الطاهر بن عاشور فقد عمد بداية إلى تقسيم المقاصد بحسب العموم والخصوص، ثم أعطى لكل قسم تعريفه:

1- مقاصد التشريع العامة: «وهي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغاياتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع من ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضاً معان من الحِكَم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها» مقاصد الشريعة الإسلامية، ص51.

وذكر من بين هذه المقاصد العامة: حفظ النظام، وجلب المصالح ودرء المفاسد، وإقامة المساواة بين الناس، وجعل الأمة قوية مرهوبة الجانب.

تعريف علاّل الفاسي:

أما علال الفاسي فقد عرفها بقوله: «المراد بمقاصد الشريعة الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها»مقاصد الشرعة ص 7 لعلال الفاسي قاصداً بالغاية منها مقاصدها العامة، وبالأسرار المقاصد الخاصة لكل حكم من أحكامها الجزئية.

تعريف الريسوني: الدكتور أحمد الريسوني ولد سنة 1953م بالمغرب

وعرفها الريسوني - جمعاً بين تعريفي ابن عاشور وعلال الفاسي- بأنها: «الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد». نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي ص7.

14. المناهج :

المنهج لغة: الطريق الواضح أو الطريقة الواضحة، قال تعالى: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } (48) سورة المائدة » يقال «نهجت الطريق أي سلكته، وفلان يستنهج سبيل فلان أي يسلك ما سلكه، ونهج الأمر وأنهج لغتان إذا وضَّح».

ب - اصطلاحا : هو الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سائر العقل وتحدد عملياته الفكرية حتى يصل إلى نتيجة معلومة .

وعرّفه البعض بأنّه : " فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة إمّا من أجل الكشف عن الحقيقة حين نكون بها جاهلين ، أو البرهنة عليها للآخرين حين نكون بها عارفين "

باختصار المنهج هو طريقة البحث، وتختلف المناهج باختلاف العلوم، ولكل علم منهج بحث خاص يلائمه، وهكذا علم التفسير فقد اختلفت المناهج التفسيرية فيه تبعاً لاختلاف الاتجاهات الفكرية، حيث كان لكل مفسرٍ منهجه الخاص.

15. الوعي :

الوعي - (ج 1 / ص 1)

الوعي كلمة تعبر عن حالة عقلية يكون فيها العقل بحالة إدراك وعلى تواصل مباشر مع محيطه الخارجي عن طريق منافذ الوعي التي تتمثل عادة بحواس الإنسان الخمس.

كما يمثل الوعي عند العديد من علماء علم النفس الحالة العقلية التي يتميز بها الإنسان بملكات المحاكمة المنطقية، الذاتية (الإحساس بالذات) (subjectivity)، والإدراك الذاتي (self-awareness)، والحالة الشعورية (sentience) والحكمة أو العقلانية (sentience) والقدرة على الإدراك الحسي (perception) للعلاقة بين الكيان الشخصي والمحيط الطبيعي له.

16. المناط :

أما المناط فهو عبارة عن تسرية الحكم من الموضوع الذي علم حكمه إلى الموضوع المجهول الحكم عن طريق وحدة المناط.

معرفة مدى توافر العلة الثابتة في الأصل في الفرع، وهل هي موجودة فيه أو لا، وهل هي مساوية لها في الأصل أو لا، وهذا ما اصطلح عليه: تحقيق المناط.

14. المصلحة :

لغة : المصلحة كالمنفعة وزنا ومعنًى، فهي مصدر بمعنى الصلاح، كالمنفعة بمعنى النفع. أو هي اسم الواحدة من المصالح. وقد أورد لسان العرب المعنيين، إذ جاء فيه: «والمصلحة ، الصلاح، والمصلحة واحدة المصالح». فكل ما كان فيه نفع سواء كان بالجلب والتحصيل كاستحصال الفوائد واللذائذ أو بالدفع والاتقاء كاستبعاد المضار والآلام فهو جدير بأن يسمّى مصلحة.

عرفها الشاطبي بقوله: «وأعني بالمصالح ما يرجع على قيام حياة الإنسان وتمام عيشه ونيله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية والعقلية على الإطلاق حتى يكون منعّما على الإطلاق».(الموافقات ج2 ص 25)

عرفها الطاهر بن عاشور بقوله: «ويظهر لي أن نعرّفها بأنّها وصفٌ للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع منه دائما أو غالبا للجمهور أو الآحاد».

18. القواعد الفقهيّة :

القواعد الفقهية كما عرفها الأصوليون هي أحكام عامة وقضايا كلية تندرج في إطارها مجموعة من الأحكام الجزئية المتشابهة.

مثل قولهم "الأمور بمقاصدها" و "اليقين لا يزول بالشك" و"الضرر العام يدفع بتحمل الضرر الخاص" و "يدفع أشد الضررين بتحمل أخفهما" و "درء المفاسد أولى من جلب المنافع" و "الضرورات تبيح المحظور

 

المقال مجرد محاولة بسيطة قابلة للنقد والتعديل وكل من يرغب في اثرائها بامكانه مراسلة الوقع أو إرسال بريد ألكتروني على العنوان التالي  هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته. ومع الشكر الجزيل

 
العقل والنقل في الفكر الإسلامي طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: كمال   

 إشكالية العقل والنقل في الفكر الإسلامي ، إعداد :الأستاذ كمال بوهلال المعهد الثانوي فرحات حشاد مساكن

1 - التعريفات

أ – العقل :

* لغة : عقل الشيء فهمه فهو عقول

عقل :  العَقْلُ: الـحِجْر والنُّهى ضِدُّ الـحُمْق، والـجمع  عُقولٌ.

و<< عَقَل، فهو  عاقِلٌ و عَقُولٌ من قوم  عُقَلاء.

 ابن الأَنباري: رَجُل  عاقِلٌ وهو الـجامع لأَمره ورَأْيه، مأْخوذ من عَقَلْتُ البَعِيرَ إِذا جَمَعْتَ قوائمه،>> لسان العرب لابن منظور: (630 ـ 711 هـ ـ 1232 ـ 1311 م)

<< عَقَل يَعْقِل عَقْلاً فهو عاقل. والمَعْقُولُ: ما تَعْقِلُه في فُؤادِك. ويقالُ: هو ما يُفْهَمُ من العَقْل>> ،كتاب العين باب العين والقاف واللام للخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي (100 ـ 170 هـ ـ 718 ـ 786 م) 

العقل في اللغة العربية الربط والحجر والنّهي منعا للشرود والتسيّب

يقال << يعقل النّفس يمنعها عن التصرّف على مقتضى الطّباع >>

والعقل العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها

* اصطلاحا:   عقل:  العَقلُ يقالُ لِلقُوَّةِ المُتَهَيِّئَةِ لِقُبُولِ العِلْمِ ويقالُ لِلْعِلْمِ الذي يَسْتَفِيدُهُ الإنْسَانُ بتلْكَ القُوَّةِ عن مفردات القرآن الكريم برنامج جامع المعاجم( قرص مدمج )    تفسير ابن كثير ج: 2 ص:  580

<< العقل   به يميز بين الأشياء ضارها ونافعها>>

جاء في الموسوعة الفلسفية  ص 596 ومختار القاموس لأحمد الزاوي ص 432 << العقل طاقة المعرفة ومرتكزها أو حامل المعرفة في مستوى الذات الإنسانية >>

ب – النقل :

 * لغة : << نقل :  النَّقْلُ: تـحويلُ الشيء من موضع إِلـى موضع،  نَقَله يَنْقُله نَقْلاً  فانتَقَل. و التَّنَقُّل: التَّـحوُّل،>> لسان العرب لابن منظور: (630 ـ 711 هـ ـ 1232 ـ 1311 م)

* اصطلاحا:  ما انتقل عبر الأجيال من موروث ثقافي وحضاري ويقصد به في الفكر الإسلامي خاصة القرآن والسنة ويسمى النص والسمع والوحي والشرع

  2- الإشكالية في الفكر الإسلامي القديم :

أ – عند الفقهاء :

 الاتفاق على أهمّيتهما والاختلاف في الأسبقيّة مثلا :

* ظهور مدرسة الحديث والنقل بالحجاز وتقديم المنقول على المعقول إلى حد تقديم الأحاديث الضعيفة على الرأي ونجد في المذهب المالكي القول بعمل أهل المدينة من مصادر التشريع التّكميلية

* ظهور مدرسة الرّأي بالعراق وخاصّة مع المذهب الحنفي والاكتفاء بالقرآن والأحاديث الصحيحة من المنقول وفسح المجال أكثر للرأي والاجتهاد << الأرأيتيون >> وتقديم المعقول على المنقول 

ب – عند المتكلّمين : الاتفاق على أهمّيتهما والاختلاف في الأسبقيّة

* الحنابلة : الأسبقيّة للنقل إلى درجة القول << ضعيف الأخبار مقدم عل رأي الرجال >>

* المعتزلة : الأسبقيّة للعقل والنقل من ألطاف الله ليكون حجّة على العباد

* الأشاعرة : المعارف عقلية والطاعة نقلية وتفويض أمر البحث في الغيبيّات للسمع والاكتفاء بظاهر النّص

جاء في تفسير القرطبي ج: 1 ص:     265 << أن   العقل  لا يوجب ولا يحظر ولا يقبح ولا يحسن>>

  ا سم الكتاب : الجامع لأحكام القرآن

اسم المؤلف : محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي أبو عبد الله/ وفاة المؤلف : 671

دار النشر : دار الشعب/ مدينة النشر : القاهرة / سنة النشر: 1372/ رقم الطبعة: الثانية

عدد الأجزاء :  20/ اسم المحقق : أحمد عبد العليم البردوني

ج – عند الفلاسفة : انتهى النظر الفلسفي إلى تأليه العقل مثلما نجد ذلك عند الفارابي وابن طفيل ( العقل يعوض النبوّة )

* عند ابن رشد : السعي للتّوفيق بين العقل والنّقل فلا حياة دون نظر عقلي وعمل بالشريعة كما جاء في تاريخ الفلسفة لت. ج. دي بور ص 405 << فلا يؤدّي النّظر البرهاني لإلى مخالفة ما ورد به الشّرع فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له >>  

فالحكمة صاحبة الشّريعة والأخت الرّضيعة

ملاحظات عامّة :

1 – بسبب الجدل حول أسبقيّة العقل أو النّقل والعلاقة بينهما طرحت مسألة التّعارض بين المنقول والمعقول وأحوال التّعبّد بالقياس فرجّح بعض الأصوليين المعقول مثل سيف الدّين الآمدي بالاعتماد على اجتهادات عمر ابن الخطاب في سهم المؤلّفة قلوبهم ....

الشّرط الأساسي في هذا التّقديم للمعقول عدم التّعارض مع المقاصد العامّة للدّين

2 – تعتبر الحضارة الإسلامية حضارة مركزيّة مهما كان الرأي من المنقول فهي تدور حول الكتاب المقدّس

* من أهمّ العلوم الإسلاميّة النّاشئة عن التّفاعل مع النّص نجد علم الكلام ، الفلسفة ، أصول الفقه ، التصوّف ،قال نصر حامد أبو زيد << ليس من قبيل التّبسيط أن نصف الحضارة العربيّة الإسلاميّة بأنّها حضارة النّص >>  الكتاب المدرسي للسنة الثّالثة ص 9  

3 – مهما كان الموقف من النقل فالنّص هو المصدر الأساسي لكل المذاهب والآراء لكن تختلف طرق النظر إليه قال علي حرب << الاختلاف بين الفرق والمذاهب ليس اختلافا بين عقل ونقل بقدر ما هو اختلاف في أنماط المعقوليّة >> الحقيقة والتأويل ص 139  

3- الإشكالية في الفكر الإسلامي الحديث:

تمهيد :

تغيرت نظرة المسلمين للإشكال بدخول عنصر جديد وهو الآخر أو الحضارة الغربيّة فطرحت المسألة بشكل جديد تحت اسم التراث والحداثة

التّراث (  كل ما نقل إلينا عبر الأجيال) والحداثة ( العقلانيّة الغربيّة )

ظهرت أربعة مواقف من المسألة :

الموقف التّحديثي : إقصاء النّقل والتّراث والاعتماد الكلّي على الفكر الغربي ( مثل طه حسين ) إلى درجة اعتبار القرآن والسنّة من التّراث

الموقف السّلفي  : إقصاء الحداثة الغربيّة دفاعا عن الشّريعة والدّين والاعتماد الكلي على النقل

الموقف التوفيقي ( رجال الإصلاح )  : خاصّة الطهطاوي ومحمّد عبده ضرورة التّوفيق بين العقل والنّقل بين التّراث والحداثة لاتفاقهما في المقاصد العامّة 

الموقف النقدي : السّعي لتجاوز الإشكال من خلال الدعوة لنقد التّراث والحداثة

اعتبار الوحي مجالا للبحث والاجتهاد والعقلانيّة الغربيّة في حاجة للنقد للبحث عن المنهج المميّز للحضارة الإسلاميّة دون جمود في النّقل والتّراث أو ذوبان في العقلانيّة والتّغريب

نجد هذا التّوجه عند محمّد إقبال وحسين أحمد أمين وعلي حرب

4 - طبيعة العلاقة بين العقل والنّقل :

 أ – العلاقة :

* عَقْلٌ ولهذا قال أميرُ المُؤْمِنِين علي بن أبي طالبَ رضي الله عنه:

العَقْلُ عَقْلان            مَطْبُوعٌ ومَسْمُوعُ

ولا يَنْفَعُ مَسْمُوع                   إذا لَمْ يَكُ مَطْبُوعُ     

 كما لا يَنْفَعُ ضَوْءُ الشَّمس            وضَوْءُ العَيْنِ مَمْنُوعُ

*  وإلى الأوَّلِ أشار صلى الله عليه وسلم بقولهِ: «ما خَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً أَكْرَمَ عليه مِنَ العَقْلِ»

* وإلى الثاني أشارَ بقولهِ: «ما كَسَبَ أَحَدٌ شَيْئاً أَفْضَلَ مِنْ عَقْلٍ يَهْدِيهِ إلى هُدًى أو يَرُّدُّه عَنْ رَدًى»

عن مفردات القرآن الكريم برنامج جامع المعاجم( قرص مدمج )   

* لا يمكن الحديث عن فصل بين المعقول والمنقول أو الحديث عن الأسبقيّة أو عن التّعارض مثلما فعل المتكلمون والفقهاء

* لا يمكن الاعتماد على العقل وإهمال النقل مثلما فعل الفلاسفة والتيّارات التّحديثيّة المنادية بإقصاء التّراث والنّقل

* لا يمكن الاعتماد على النّقل وإهمال العقل مثلما فعلت التيّارات السّلفيّة لأن النص وجه آخر للعقل والعقل وجه آخر للنص وكلاهما من الوسائل المؤدية للحقيقة مثلما قال محمد إقبال :

<< والحقيقة في نظر الإسلام هي بعينها تبدو دينا إذا نظرنا إليها من ناحية وتبدو دولة إذا نظرنا إليها من ناحية أخرى وليس صحيحا أن يقال إن الدين والدولة جانبان أو وجهان لشيء واحد فلإسلام حقيقة مفردة لا تقبل التّحليل >> تجديد التفكير الديني ص 177

 وقال علي حرب << انطلاقا من هذا الفهم للتأويل يبدو التّعارض المقام بين العقل والنقل وكأنّه ينطوي على قدر من الخداع والتّمويه ، وهو أقرب إلى أن يكون تعارضا بين نسقين من أنساق العقل وبين منحيين من مناحي الفكر >> الحقيقة والتأويل ص 146

لذلك لا بد من التّفاعل الدّائم بين العقل والنّقل لإدراك الحقيقة ومعالجة الواقع بكل تشعّباته المادّية والمعنويّة المتّصلة بعالم الشّهادة أو بعالم الغيب وهو ما يعبّر عنه بالجدل

ب – الوظيفة : 

العقل

الوحي

–  يبحث في النّص ويعلل ويشرح ويحلل ويربط ويؤلّف ويرتّب ويوحّد ويسأل ويطلب البرهان

يعتمد في مقاييسه على البداهة والمصداقيّة والحس والتّجربة

– عمل العقل ينقد وينفى ويثبت ويصحّح 

–  بيان ، ينبئ ويشير ويرمز ويبعث على التّخيّل ويخبر عن الغيب ويشهد علىاللامرئي

–          يعتمد في مصداقيّته قوّة إيحائه ومبلغ تأثيره كونه كلاما لا ينضب وهو نصّ يشرح ويفسّر ويتأوّل

سورة ص29  << كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَاب ِ>>

وسورة محمد24 << أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا >>

قال علي حرب : << لا شك أن الشريعة تنطوي على مبادئ وحقائق هي المعتقدات التي تتضمنها كل شريعة وهذه المعتقدات هي المبادئ الأولى للعمل >> ص 157

– لا يمكن لأحد ادّعاء أنّه يحمل النّاس على المعنى الحقيقي للنص فالكل متأوّلون إما بالفهم الظّاهري أو اللغوي أو العقلي أو الباطني .... 

قال نصر حامد أبو زيد << إن الاجتهاد في تأويل النص يعتمد على حركة العقل للنفاذ إلى أعماق النّص >> مفهوم النّص ص 237

لذلك لا توجد قراءة بريئة للوحي فيجب أن ننظر للمنطق الخفي الذي يقف وراء التّأويلات

* الملاحظ : أن الوحي معانيه مطلقة لا حدّ لها والنّتائج التي يتوصّل لها العقل نسبيّة

ج – نسبيّة نتائج العقل :

* الأسباب : تعود النّسبية في إدراك الحقائق لمحدوديّة المعارف المرتبطة بالحواس والزمان والمكان والقدرات والواقع الموضوعي

محدودية فهم الوحي تعود لمحدودية الإدراك

* النتائج : –  نسبية فلا يمكن لأحد إدّعاء أنّه فهم المراد من كلام الله على الحقيقة

–                  التطبيقات للنتائج نسبيّة فالنجاح نسبي والفشل نسبي 

–             الواقع متغيّر لذلك النتائج المتوصّل إليها بعد بحث في واقع ما تتغيّر بتغيّر الواقع 

لذلك لا بد من إعادة النّظر من جديد في الواقع والنّقل لإقامة الجدل بينهما بالاعتماد على العقل 

د– شروط الجدل :

* المشروعيّة : قوله تعالى :<<  قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِين >> َ32 هود

وقوله << ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ >> النحل 125

* الشّروط : 1 ) الموضوعيّة : في التّعامل مع النّص والواقع والغاية الوحيدة معرفة الحقيقة

 قال تعالى:<< وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ>>121الأنعام

2 ) العلم بالواقع واللغة وأحكام التفسير والوسائل المساعدة عليه  :قال تعالى <<  وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ>>  3  الحج

3 ) السعي الدّائم لفهم النص والواقع وعدم التوقف عند فهم دون آخر والوقوع في شرح التأويلات السّابقة قال تعالى : << وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا54 الكهف

وقال أيضا << لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ >> 21الحشر

4 ) النّقد المتواصل للتّأويلات والاجتهادات كي لا تقدس ولا تتحول من المعقول إلى المنقول قال تعالى: <<  وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُون َ>>   170 البقرة

قال علي حرب << فالوحي أرحب من أن تضبط دلالته والحق يتّسع لكل الطّرق ولذلك فإن السعي إلى حصر المعنى والزعم بأن الطريق إلى الحق واحد إنّما ينشأ عندما تتحوّل التأويلات إلى مذاهب بل إلى معتقدات وعندما تصبح المهمة الأولى للعقل مهمّة دفاعيّة وحجاجيّة أي عندما يتحول العقل إلى منظومة مغلقة لا تنتج إلاّ مقدّماتها >> ص 160

عندها نقع في الجمود فيتحوّل النص إلى حروف لا حياة فيها ولا يعود من معنى للنقل .

 

 

 
التشريع في العصر الحديث طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: الأزهر البريكي   

 

العقل الإسلامي في العصر الحالي     دراسة للأستاذ الأزهر بريكي ، المعهد النموذجي بالقيروان

المقدمة

عقل الفرد المكلف هو أداة فهمه للأحكام والامتثال إليها وهو مطالب شرعا بمزاولة أقدار عقلية تتناسب مع إمكاناته واستطاعته ومحمول على لزوم بذل أكبر ما يمكن من حظوظ الفهم والاستيعاب والتفكر في الشرع والكون والنفس، بهدف تقوية الإيمان، وتصحيح التعبد والتعامل وترشيد السلوك وتهذيب الأخلاق، حتى بلوغ درجات الكمال أو الاقتراب منه.

-أما عقل الخاصة والنخبة والصفوة فهو عقل العلماء والمجتهدين والخبراء الذين توفرت لهم حظوظ من الفهم والاستيعاب والتمييز لم تتوفر لغيرهم من العامة... وهي تتفاوت رسوخا وعمقا بتفاوت صلاح النفس وعمق التحصيل وطول الخبرة وتدريب الملكة على البذل والنظر والتأمل...

وواجب العلماء اليوم تشكيل عقل جماعي متخصص ينظر إلى الواقع بشمول وإحاطة واستيعاب ...

إن التحديات الفكرية والاقتصادية والحضارية المعاصرة التي تواجه الكيان العام وتستهدف البناء القيمي التشريعي الإسلامي لن يكون مقدورا عليها إلا بتشكيل العقل العام والضمير الجماعي المتشبع بالروح العقدية والفكرية الأصيلة، والروح المعنوية المتشبع بالروح العقدية والفكرية الأصيلة، والروح المعنوية والوجدانية العالية والنفس الإصلاحي التعميري الشامل والرغبة في الشهادة على العالم وإحياء الخيرية والرحمة لكافة الناس.

فطبقة العلماء المجتهدين لا يقدرون على توجيه الأمة نحو ما اعتبروه صلاحا لها، واجتهدوا في عده واجبا أكيدا في نوازل العصر ومشكلات التنمية الحضارية، التقدم الصناعي والتكنولوجي والإعلامي، إنهم لن يكونوا قادرين على ذلك، إلا إذا تهيأت العقول العامة لذلك، وتصححت المفاهيم والتصورات، وانتظمت الأفكار والرؤى وفق منهجية تراعي الأولى والأهم والأصلح والأكثر فائدة، وزالت همومها الفكرية السلبية من تعصب لا مبرر له، ومن تقليد لا وجاهة له، ومن تحلل لا مسوغ له ...

فإعادة بناء العقل العربي الإسلامي وتحديد صياغته (أنظر ما كتبه كل من عماد الدين خليل في كتابه "إعادة تشكيل العقل المسلم" والطريري في كتاب "العقل العربي وإعادة التشكيل" وفق منهج الإصلاح الإسلامي يعد من أعظم المهام الاجتهادية المنوطة بدور الخاصة من الأمة، مجتهدين ومصلحين وقادة ودعاة وخبراء وغيرهم، بل أنه الهدف الأكبر والإطار الأجمع الذي ستؤول إليه كافة الإصلاحات والاجتهادات العامة والخاصة الكلية والجزئية.

إن هذه الصياغة الجديدة للعقل لها مهمتان اثنتان:

أ- إعادة التأصيل للعملية العقلية حتى لا ينظر إلى القواطع الثوابت - الموافقات ج 2 ص 11 - على أنها مما يعاد فيها النظر تحت ضغط الواقع وتأثير المتغيرات ومواكبة التطورات والحضارات فواجب العقل الخاص والعام التحرك في إطار المنظومة الشرعية ...

ب- إعادة المعاصرة وتأكيد واقعية العقل وتفاعله مع الطيات الاجتهادي المحكومة بالمقاصد الشرعية المنضبطة ومناظرته للمستجدات والتطورات، واتسامه بالنزوع نحو العلمية والتخصصية والعملية والتجاوب مع فوائد الحضارة المعاصرة والأخذ منها بأقدار مصلحية تستجيب للضوابط الشرعية والأخلاقية .

الثوابت والمتغيرات في الشريعة :

إن علماء الشريعة ومجتهد بها توصلوا باستقراء الأدلة والأحكام والقرائن والأمارات الشرعية إلى تقرير صفتين اثنتين للشريعة وأحكامها وتعاليمها، صفة الثبات والقطع وصفة التغير والظن "سميت كذلك: منطقة الفراغ العفو".

¬ أطلقوا صفة الثبات والقطع على طائفة من الأحكام التي اعتبروها من المسلمات والمقررات الدائمة والثابتة على مر الأيام والعصور وفي كل ملة وأمة ...

¬ كما أطلقوا صفة التغير والظن والاحتمال على غير تلك الأحكام التي اتسمت بمراعاة البيئات والظروف ومسايرة أعراف الناس وعاداتهم وحاجياتهم.

فما هي إذن القطعيات المقررة التي لا يمكن بأي حال من الأحوال تغييرها أو تنقيحها بموجب النظر المقاصدي والمعلمي؟

 

المبحث الأول

القطعيات التي لا تقبل الاجتهاد المقاصدي

 

العقيدة هي جملة القضايا والتصورات التي يجب على الإنسان أن يؤمن بها على سبيل القطع واليقين والتسليم الكامل للخالق المعبود، ومثالها: الإيمان بالله تعالى وبجميع صفاته وأسمائه وأفعاله، والتصديق بجميع الرسل والأنبياء وكتبهم ورسالاتهم، والإقرار بوجود الحياة بعد الموت، وحصول الجزاء ثوابا وعقابا، والإقامة الدائمة والسعادة الأبدية بجوار الرحمان رب العالمين... وغير ذلك من مسلمات العقيدة الإسلامية وأركانها المبسوطة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة.

فهذه المسلمات قطعية وثابتة بمرور الأعصار وتقلب الأمصار، ولن يقوم أمر الإنسانية وأمنها وفلاحها في الدارين إلا إذا كانت تلك المسلمات والتصورات مركوزة في الأذهان، ومشفوعة بالأعمال الصالحة، متبوعة بنظم وعلاقات متزنة ومتماسكة ومفيدة في شتى نواحي الحياة وأحوالها وتصاريفها، في السياسة والاقتصاد والاجتماعي والتربية والأسرة والتعليم وغيره.

ومن هنا فإنه لا مسوغ  لبروز بعض الاختلالات الاعتقادية على مسيرة الحياة الإنسانية تحت غطاء التطور، وسنة الحياة، وضغط الواقع، ومسايرة الحضر، وذلك على نحو ما يرد من حين لآخر في تصورات الناس ومعتقداتهم وأفكارهم، مثل ادعاء النبوة، والتثليث، واتخاذ الأصنام الحسية أو المعنوية، واتخاذ الأضرحة وتقديس ساكنيها، اعتقادا في نفهم وضررهم وطول سلطانهم على الناس، ووضع التمائم في الصدور والأعناق، والمعلقات في البيوت والجدران، اعتقادا في ما وضعت له تلك التمائم والمعلقات.

إن كل ذلك وغيره باطل ومردود، وفساده بين وجلي، ومآله خسران صاحبه في العاجل والآجل واستحقاقه عذاب الله الأليم والخلود الأبدي في الجحيم.

 

العبادات:

وهي جملة النيات والأقوال والأعمال التي تنظم علاقة المعبود بالعابد، على نحو الطهارة والتيمم والصلاة والصوم والحج والزكاة والذكر والتنقل والتهجد والاستغفار والاستسقاء والكفن والدفن، وما يتعلق بكل ذلك من شروط وآداب وكيفيات مبينة في مواطنها.

وهذه العبادات لا يجوز تبديلها وتغييرها أو تعديلها وتنقيحها زيادة أو تنقيصا بدعوى الاستصلاح المرسل وزيادة الأجر، وتحسين الأداء، ومسايرة التطور، ورفع الحرج، ودفع المشقة، وتقرير التيسير.

والأصل فيها التعبد كما أراد المعبود، والامتثال كما أمر الشارع، إذ لا يعبد الشارع إلا بما شرع.

وقد يطرأ على المسيرة الإنسانية ما يعطل هذا المبدأ العظيم تحت أنواع من العناوين والشعارات والتعبيرات، منها: مراعاة التطور وتحرير طاقة الإنسان، والتخلص من القيود والمكبلات والحواجز، وتقرير الاجتهاد والتعليل والتفكر، والعبرة بالمقصد والغاية وليس بالوسيلة والكيفية، وغير ذلك مما يروجه بعض من لم يفهموا أن التعبد الشرعي الصحيح قائم على الثبات والقطع واليقين والدوام، وأن مصالحة المعتبرة لن يكون لها وجود إلا بتلك الصفات، وأن أي تغيير أو تنقيح لها يبطل فوائدها، ويضيع مصالحها، ويوقع الناس في هرج الفوضى العبادية والاضطراب الديني، ويحرمهم من خيرات التعبد المنضبط والثابت.

ومن أمثلة ما يطرأ من وقت لآخر: شواهد الابتداع والتزيد في العبادة، والدعوة إلى التحلل من بعض العبادات التي لم تعقل معانيها، أو التي لم تعد صالحة في هذا العصر، أو التي تلحق الضرر بالناس مثل ترك الإحرام في الطائرة، لأنه قد يؤدي إلى خلل في الطائرة بسبب الازدحام في دورات المياه، وترك شرب زمزم لأنه يورث الحجارة في الكلى، وتغيير مكان الحج وزمانه، وتعطيل الرؤية لثبوت الشهر والاكتفاء بالحساب، وترك الصلوات في الجماعة في الحرمين وفي غيرهما من المساجد لتجنب الازدحام وإذاية المسلمين. والضرر يزال؟؟؟ وحرارة الطقس، وضربات الشمس، واحتمال العدوى، وإدخال الطاقة لأركان الحج وواجباته التي هي أعظم من المستحبات والسنن كالجماعة التنفل !

 

المقدرات :

وهي جملة الأمور التي بينها الشارع بيانا محددا ومضبوطا لا يقبل الاحتمال والتأويل، ومثالها مسائل الميراث والعدة والحدود والكفارات الموضوعة لمعالجة الأخطاء والجنايات.

وهي متسمة بالثبات والقطعية والتقديثر المحكم، الذي لا يتبدل بتبدل الزمان والمكان والحال، وبتغير المصلحة والعرف والعادة الظرف.

وما قيل في المظاهر المقاصدية لهذه المقدرات ونواحيها المصلحية، إنما هو في فهم مصالحها المنوطة بهان وليس في تغييرها بحسب المصلحة وبما دعت إليه الضرورة، وكذلك ما قيل في أن السلف والمجتهدين يعطلون أحيانا أمرا مقدرا كما فعل عمر في إسقاط منهم المؤلفة قلوبهم، وإسقاط الحد عام المجاعة، وقتل الجماعة بالواحد، وغير ذلك من الأمثلة التي قضى فيها عمر وغيره من أعلام الاجتهاد سلفا وخلفا. والتي ظن أو توهم أنها خضعت لعملية الاستصلاح والتعليل، وتغيرت أحكامها على وفق ذلكن إن كل تلك الأمثلة المقدرة لم تعطل بسبب النظر المصلحي، أو أن العقل توصل إلى تغيير ذلك، بل لم يقع تطبيقعها لأنها بعد النظر والتحقيق تبين أن مناطاتها وشروطها لم تتوفر بعدن وان مصالحها المعتبرة المنوطة بها ليس لها وجود لو طبقت على ذلك الوضع، فهي في الحقيقة معللة بالمصالح المشروعة المعتبرة وجودا وعدما، وليس بتوهم المصالح الخيالية كما يدعي أصحاب هذا الرأي.

أصول المعاملات:

وهي مبادئ التعامل الكبرى وقواعد الأخلاق العامة، على نحو: قيم العدل والشورى والأمانة، والأمر المعروف والنهي عن المنكر، والوفاء بالوعد والصلح، وأخذ الحكمة، وتبجيل الكبير، ومساعدة الصغير وذي الحاجة والفاقة، وتفريج الكرب والنوائب عن المعسرين والغارمين والمصابين، وإكرام الضيف، وغير ذلك من الفضائل المقررة في كل أمة وملة، والجارية على وفق المعقول الراجحة والطباع السليمة، والتي لا ينبغي أن تعطل أو تغيب عن واقع الناس مهما كانت الادعاءات والإغراءات، ولا يمكن استخدام الاجتهاد المقاصدي إلا في معظم تفاصيلها وكيفياتها كما سنبين ذلك قريبا.

عموم القواطع:

وهي جملة ما يعد قطعيا في منظور الشرع إما بالتنصيص عليه، أو الإجماع عليه، أو ما علم من الدين بالضرورة أو غير ذلك مما لا يقبل التغيير والتعديل بموجب النظر المصلحي والعمل الاجتهادي مهما علت درجات ذلك الاجتهاد والاستصلاح وبلغت ما بلغت من القطع والوضوح والظهور والمشروعية، ومن قبيل ذلك قطعية المتواتر والإجماع، وكيفيات بعض المعاملات وغير ذلك.

المبحث الثاني

الظنيات التي تقبل الاجتهاد المقاصدي

 

وهي المجالات التي تتغير مسائلها وفروعها بتغير الأزمان والأحوال مراعاة من الشارع، لتحقيق المصالح الإنسانية والحاجيات الحياتية المختلفة وفق الضوابط الشرعية المعلومة، وليس تقرير طابعها الظني الاحتمالي غلا لكونه ينطوي على عدة معان ومدلولات تتعين وتترجح وفق الاجتهاد المقاصدي، وتقدير المصالح وشروط التأويل وغير ذلك، وتلك المجالات هي على النحو التالي:

الوسائل الخادمة للعقيدة:

ونعني بذلك مجموع الطرائق والكيفيات الدعوية والخطابية والتعليمية والجدلية التي تستخدم في بيان العقيدة الإسلامية، وترسيخ مبادئها وأركانها ومسائلها في نفوس الناس وعقول الجماهير، وغرسها في عقول الخاصة والعامة، وبث آثارها ونتائجها في أحوال الحياة ومناحي الوجود وميادين الحياة عامة.

فالعقيدة الإسلامية أمر قطعي مسلم به، أما وسائل وطرائق بيانها وتجذيرها فمتغير بحسب تغير الزمان وأهله وعلومه وأحواله وأساليبه، فهي تتراوح بين الكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، والقول البليغ، والحجة الدامغة، والجدل البناء، والحار الأدبي، والمناظرة الفكرية والفلسفة المنطقية واستعمال العلوم المعاصرة والتكنولوجيا ووسائل الإعلام والاتصال، والمكتشفات الطبية والكونية والإنسانية، وكل ما توصلت إليه الحضارة الحالية من نتائج علمية وتجارب ميدانية قد تخدم قضية العقيدة الإسلامية، وتقوي بنيانها، وتجذر مسائلها، وتعمق الارتباط والاعتماد عليها.

والحياة المعاصرة اليوم هي في أشد الحاجة إلى أني قوم أهل العلم في مختلف فنونه وفروعه بدورهم البناء في إعادة بناء العقيدة في نفوس الناس، بتطوير ما يوصل إليها من طرائق وسبل تجمع بين الموروث النقلي والمحصول العصري، وباستثمار المستجدات العلمية من وسائل سمعية بصرية وفنية وإعلامية، وهذا ما يحتمه الاجتهاد المعاصر، ويؤكده النظر المصلحي الواقعي، مع وجوب المحافظة على جوهر تلك العقيدة  والإبقاء عليها صافية ونقية وسليمة من التحريف والتشويش كما نقلت عن صاحب الشرع العزيز، وكما رويت عن النبي المعصوم r .

إنه لا يعد من المبالغة القول بأن الألوف المألفة في العصر الحاضر قد عزفت عن القراءة والمطالعة، وانشغلت بما صرفها عن ذلك من جهاد في الرزق ومتابعة للمواسم والمهرجانات الثقافية والفنية والرياضية، واستقبال الشاشات التلفزية والحاسوبية والإلكترونية وغير ذلك، ثم إن أولئك الألوف لم يكن بينهم وبين لعقيدة سوى بعض الخيوط البسيطة والروابط الضعيفة التي لا يمكن أن تقوى على مواجهة ما يتحدى عقيدتهم ويتهددها، هذا إن لم نقل إن ألوفا آخرين في حالهم مع العقيدة كحال الميت مع الحركة والوعي والتعبير، إذ هم في واد والعقيدة في واد، ولا يكادون يسمعون شيئا عما يذكر بالاعتقاد الصحيح ويجدده ويقويه.

إن العلماء والمصلحين أمام هذه الحالة التعيسة في عصر الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية ليس لهم من بد سوى توظيف تلك الثورة لإعادة المسلم إلى سالف عقيدته الصحيحة، ولدعوة غير المسلم إلى تلك العقيدة وإلى إعلان خضوعه لله تعالى، والائتمار بما أمر به والانتهاء عما نهى عنه.

أليس من المصلحة القطعية والضرورية والكلية أن تربط العقيدة بأجهزة الإنترنت والفضائيات، وأن تسجل في سجلات الأجهزة المعلوماتية المختلفة بطرق مرغبة وأساليب ميسرة وسائل معاصرة تكون مساوية أو أفضل من البرامج المختلفة التي استخدم فيها أصحابها أنفس الأساليب وأقوم المسالك بكيفية جعلت جمهور المتابعين يقدسونها ويسبحون بحمدها ويضحون بكل ما عندهم في سبيل تحصيلها ومشادها وترديدها والتأثر بها؟

أليس من الضرر القطعي والمفاسد الكلية والخراب المدمر أن تسخر المكتشفات الإعلامية والاتصالية لهتك القيم والفضائل، ودرس النظم والمحاسن، وتشويش العقل بما لا يحفظه، وإشغال النفس بما لا يصونها من سلامة المآل في العاجل والآجل، وتلهيه الجماهير الكثيرة عن مستقبلها المنشود وحضارتها المضيئة، وإنهاكها بالإثارة والإغراء والاستخفاف والاحتقار والدعايات والمغالطات والتحريفات والمزايدات والإهانات والاستفزازات؟

أليس من الواجب إذن كما قال الشاطبي أن تسخر هذه المكتشفات في خدمة العقيدة الإسلامية بمعناها الشامل، لأنه إن لم تسخر في ذلك فستسخر لخدمة ما يفسد العقيدة ويغيبها عن نفوس الناس وظواهر الحياة؟ وهذا هو الذي قصدناه بوجوب البحث عن أنجع الوسائل وأحسن الطرائق لتحقيق القاعدة النظرية الاعتقادية التي ستكون منطلقا نحو البناء الحضاري الإسلامي المأمول.

وامتنا أحوج ما تكون اليوم إلى من يجدد إيمانها ويجدد فضائلها، ويحدد معالم شخصيتها، ويعمل على إنشاء جيل مسلم يقوم في عالم اليوم بما قام به جيل الصحابة من قبل.

الوسائل الخادمة للعبادات:

ونقصد بها مجموع الطرائق والسبل والكيفيات التي تساعد على قيام العبادات، والمحافظة عليها، وضمان وقوعها وتعاظمها وتكاثرها بشدة الإقبال عليها، والإكثار منها، والارتباط بها وذلك بتوفير ما يكون شعريا مقبولا، وميسرا لأدائها والقيام بها.

وأمثلة ذلك كثيرة منها: استعمال مضخمات الصوت في الآذان والصلوات والجمعات والأعياد، وترحيل الحجاج وتنظيمهم، واتخاذ طوابق الطواف والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمرات، وتفويض جهات معينة لتولى ذبح الهدي والإفادة به، كل ذلك يفعل لتجنب الازدحام والاختلاط والضرر والهلاك والتلوث والعدوى وغير ذلك.

وبناء الحمامات ودورات المياه وبعث الإنارة، والتكييف المناخي، ووضع المتكآت في المساجد والجوامع والمصليات، ونقر الدفوف، وضرب الطبول، وإعلان الصيحات عند رؤية الهلال وإثبات الشهر والصوم والعيد، تعميما لفرحة عبادية كبرى، وإشاعة لعظمة المقدسات وحرمتها، وترسيخا لمعاني المظاهر التعبيدية والدينية في نفوس الناشئة وأذهان العامة، وحبيبهم في الارتباط بعبادة الخالق وطاعته ومحبته.

لقد ثبتت هذه الكيفيات والوسائل لتخدم العبادة، وتيسر أداءها، وتحقق ضمانها وكثرة الإقبال عليها وشدة التعلق بها، وهي مما استخدم فيها الاجتهاد المقاصدي الأصيل، وعمل فيها بالمصلحة الشرعية المعتبرة، إذ أن تلك الوسائل في حكم مقاصدها من حيث الوجوب والأهمية، وهي لا ينبغي أن تقدح في مشروعية العبادة ولا في جوهرها وحقيقتها.

أما إذا وجد غير ذلك فهو مردود باطل وليس له وجاهة مهما كانت المصلحة التي علل بها، كمن اقترح تغيير صلاة الجمعة إلى يوم الأحد في الدول الغربية لضمان العدد الأكبر من المصلين، ولعدم حرمان المسلمين من الصلاة والاستفادة منها في بلاد الكفر، وكمن اقترح أن تصلى الصلوات على الكراسي بدلا من القيام، لتحقيق الأداء الأحسن والخشوع الأفضل، وترك الإحرام من الميقات وفعله في جدة، قصد التيسير والتخفيف، ونفي الضرر المحتمل من التوارد على حمامات الطائرة، واحتمال تسرب المياه إلى أسلاكها وأجهزتها، وغير ذلك .. فالعبادة لا تفعل إلا كما أمر الشارع، والعابد لا يعرف حال تعبده إلا بفعل ما أمره به المعبود على الوجه المحدد، ولذلك قيل عن (التعبدي) إنه غير معلل ولا يعقل معناه، أي أنه لا يقبل التأويل والتوظيف بحسب الأنظار والآراء والشهوات والأمزجة، فلا يعبد الشارع إلا بما شرع.

تنبيه هام: الوسائل الموضوعة شرعا لا تقبل الاجتهاد المقاصدي:

الجدير بالذكر والتنبيه أن المقصود بالوسائل الخادمة للعبادة ليس هو جملة الوسائل الفقهية المصطلح عليها بشروط الصحة والكليف وسائر ما وضعه الشارع من أمارات وعلامات وأمور لا تصح العبادة إلا بها مثل الطهارة واستقبال القبلة وستر العورة والقيام والركوع والتشهد واستلام الحجر وشرب زمزم والتجرد وغير ذلك مما لا يقبل التغيير ولا التعديل مهما بلغت الإنسانية من أطوار التحضر والتحرر، ومهما جودل بالمصلحة التي يراد تغيير العبادة أو شروطها بها.

كيفيات بعض المعاملات:

ذكرنا سابقا أن أصول التعامل مضبوطة ومحددة ولا تقبل التغيير بموجب المصلحة والمنفعة، أما كيفيات تلك الأصول وتفاصيلها على سبيل الإجمال فهي محل نظر واجتهاد واستصلاح وتعليل في ضوء المبادئ والمقاصد الشرعية ودون أن تعود على أصولها بالإبطال والإلغاء.

ومثال ذلك: تفاصيل تطبيق الشورى والعدل وكيفيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ففي مثال الشورى يجوز النظر في مدة لتعيين وطرقه، وشروط المشاركة والترشح، وأسباب العزل، وتوزيع الناخبين، وطرق الفرز، وعلاقة المجالس الشورية أو النيابية يغيرها من مؤسسات الدولة وأجهزتها. وفي مثال العدل تتحدد في ضوء المقاصد والمصالح تفاصيل التقاضي والمرافعات والاستئناف والتعقيب والتنفيذ. وفيما يتعلق بالنظم الإدارية فإنه يقع وفق مصالح الدولة ورعاياها ضبط إجراءات العمل والتقاعد والمعاش والترسيم والتفقد والمرافقة والتربص والتأديب والعزل وغيره.

 

 التصرفات السياسية:

وهي جملة التصرفات التي أوكلها الشارع إلى أولي الأمي من الساسة والحكام والعلماء كي يحددونها على وفق المصالح الشرعية، وذلك على نحو: إعـداد خطط التنمية وسياسات التعليم والإعلام، وتنظيم الهياكل والنظم الإدارية والمالية والفضائية، وضمان الأمن، وزجر البغاة، وصد المعتدين، وتقوية الجيوش، وإنشاء الحروب، وإبرام المصالحات والمعاهدات والاتفاقيات، وغير ذلك مما يراه أهل السياسة الحكماء بمصالح الدولة، والخبراء بقواعد الشريعة ومقاصدها المقررة.

ويتفرع عن ذلك تقييد بعض المباحات، والحد من الحريات العامة والخاصة، واتخاذ التعازير والإلزامات المالية الإضافية، وغيرها مما تتعين ضرورته حسب ضوابط الدين، وشروط الاجتهاد، وقواعد الاستصلاح المقرر، وليس لمجرد الهوى والتشهي، أو بسبب الفساد المالي والسياسي، واستثار طبقة الحكام والخاصة بمالية الأمة على حساب العامة من الرعايا والمواطنين.

النوازل الاضطرارية:

وهي جملة الحوادث التي يضطر إليها المسلمون، فرادى أو جماعات، وليس لهم من سبيل سوى الأخذ بالمحظور بقدره، وإلا وقعوا في الهلاك البين والمشقة غير المعتادة ومثالها: سائر أحكام الرخص والضروريات، كأكل الميتة للمصاب بالجوع الشديد المفضي إلى الوفاة أو الإشراف عليه. وشرب الخمر لمن أصيب بغصة مميتة له، وجواز أخز مال الغير خشية الهلاك المحقق، وما أشبه ذلك مكن الحوادث والنوازل التي يعمل فيها بترجيح مصلحة المضطر على ملازمة الحظر والمنع، كل ذلك يعمل فيه بشروط الضرورة القصوى والاكتفاء بالقدر الذي يزيلها دون بغي وتماد.ومما ينبغي التأكيد عليه أن الضرورة المبيحة للمحظور وفي الحالات الفردية أو الجماعية، ينبغي أن يتحقق منها فعلا ويتأكد مناطها ومتعلقاتها على سبيل القطع أو الظن الغالب وليس على مجرد الشك والوهم، وادعا ما ليس فيه حجة ووجاهة.

المسائل المتعارضة:

وهي المسائل التي تتعارض فيما بينها ولا يمكن الجمع بينها، فإنه يمكن الترجيح بينها باعتماد مصلحة مرجحة أو مقصد أقوى في درجة الاعتبار والمناسبة، ومن قبيل ذلك الأحكام الاستحسانية التي عدل فيها عن القياس وإلحاقها بنظائرها، لأنه لو استعمل فيها القياس لوصلت إلى نتائج تأبها الشريعة الإسلامية، وأحكام الرخص الفقهية كما مر قبل قليل، وكذلك سائر ما تتعارض فيه المصالح ويكون قابلا للترجيح بحسب النظر المقاصدي والتقدير المصلحي المشروع.

عموم الظنيات:

وهي المسائل التي لا نص ولا إجماع على أحكامها، والتي تسمى منطقة الفارغ أو منطقة العفو، والتي يحكم فيها بموجب النظر المصلحي والمقاصد الشرعية عن طريق القياس الفرعي والكلي والاستحسان والعرف واعتبار المآل، وهي شاملة لكل ما يقابل القطعي اليقيني مما ذكرناه سابقا، ومما يمكن أن يطرأ على مسيرة الحياة الإنسانية فيكون خاضعا للاجتهاد المقاصدي، وهذا يدب على الرفق الإلهي بالناس، وذلك باعتبار أن الإباحة أوسع ميدان لجولان حرية العمل، كما يدل على مرونة الشريعة وقابليتها للتأبيد والدوام والخلود إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

 

المبحث الثالث:

خطورة الإفراط في الاجتهاد المقاصدي

 

ذكرنا في ثنايا هذا البحث أن اعتبار المقصد الشرعي في عملة الاستنباط أمر مهم للغاية، بل هو من الضروري الذي لا ينبغي الاستغناء عنه، إذ الحكم الذي لا يلفت إلى مقصده وغايته وعلته يظل جسما بلا روح، وهيكلا خاليا من جوهره وكونه حقيقته.

غير أن التأكيد على هذا لا يعني المبالغة في استخدام المقاصد في الاجتهاد، ولا يفيد الإفراط بلا موجب، ولا الإقبال المتهور لعمل بالمصالح على حساب النصوص والضوابط والشروط الشرعية المقررة، وإنما يفيد كما هو معلوم التوسط والاعتدال، والأخذ بالعمل المقاصدي بمقداره وحدوده دون إفراط أو تفريط، ومن غير الوقوع في ما وقع فيه غلاة الظاهرية والحرفية الذين أهدروا الأقيسة والتعليل، وألغوا من دائرة الاجتهاد مصالح الخلق ومراعاة الأعراف والتطور واختلاف البيئات والأزمان والظروف، وما يتعلق بالوقائع والنصوص من حيثيات وقرائن وأمارات وملابسات، وغير ذلك مما يتوقف عليه الاجتهاد الشرعي الصحيح.

وقد وردت على مسيرة الفكر الإسلامي وتاريخ الفقه والاجتهاد حالات من الشذوذ عن منهج التوسط المقاصدي والاعتدال المصلحي، ومظاهر من الإفراط في التعويل على المصالح والمبالغة في الاعتداد بها

القول باستقلالها عن النصوص والأدلة الشرعية، أو لجعلها مصدرا يضاهي الوحي الكريم والإجماع المبارك، وكل ما في الأمر أن المقاصد التي تحددت في ضوئها أحكام تلك المشكلات، إنما هي معان ومدلولات شرعية مستخلصة من الأدلة ولانصوص والقرائن الشرعية الدينية، ومندرجة ضمن الضوابط والقواعد والقواطع الإسلامية المعلومة، فكأن معالجة تلك المشكلات قد تمت بما أوصل إلى تقرير تلك المقاصد من نصوص وأدلة وقرائن.. ولكن وبموجب تناهي النصوص ومحدوديتها في مقابل ضخامة الأقضية والحوادث، تأكد الاجتهاد فيما يستجد على وفق المقاصد وفي ضوء النصوص والأدلة.

ومما يجدر التذير به أن عرض هذه المشكلات والوقائع ليس بالأمر الجديد، إذ ليس فيه من الإضافة سوى الترتيب والتبسيط والتوضيح، وإبراز الناحية المقاصدية والجانب المصلحي لها تمشيا مع طبيعة هذا البحث ومتطلباته، وقد كان لمن تصدى لهذه المشكلات أفرادا أو مؤسسات فضل البحث والدراسة والتكييف الفقهي ومناقشة الأقوال والأدلة والترجيح بينها، واستخلاص ما ينبغي استخلاصه من أحكام ومواقف شرعية فقهية.

وقد التزمت بطابع الاختصار والتنوع والأمانة، فأبرزت المشكلة بإيجاز وأوردت حكمها وذكرت الخلاف حيالها غالبا، وركزت على إبراز ما تضمنته من مصالح ومنافع جلبا وتحصيلا، ومفاسد وأضرار درءا وإبعادا.

وتلك المشكلات وغيرها مبسوطة في مظانها من الكتب المعاصرة والدراسات الجامعية والبحوث والقرارات المجمعية، وهي مفيدة جدا ومهمة في بيان طبائعها وجوهرها ومتعلقاتها الفقهية والمقاصدية والواقعية، وغير ذلك مما يرهن قطعا ويقينا على صلاحية الشريعة وفاعلية الاجتهاد، ودور العلماء في بيان أحكام الله تعالى وتثبيتها في الوجود والحياة في مختلف النوازل والوقائع والمستجدات.

ويمكن أن نوزع تلك المشكلات إلى ثلاثة مجالات: المجال التعبيد، والمجال الطبي، والمجال المالي.

 

المبحث الأول :

المشكلات التعبدية في ضوء الاجتهاد المقاصدي

 

مكبرات الصوت في العبادة:

اتخذت في العصر الحالي مكبرات الصوت ومضخماته في الآذان والصلوات والجمعات والعيدين وخطبة عرفات وتنظيم الحجاج وترحيلهم، والمقصد من ذلك كله هو إسماع الجمهور وإفادتهم بمحتوى ما يذاع من معان وتوجيهات إسلامية، وكذلك تنظيم العابدين المصلين وحملهم على أداء العبادة على أحسن وجه، من حيث الاستواء، والائتمام، وعدم سبق الإمام، وتجسيد مظاهر الوحدة والاعتصام، وغير ذلك من مقاصد العبادة، التي يكون إسماع القائمين بها شرطيا ضروريا لها، هذا فضلا عن أن اتخاذ تلك المضخمات ليس له ما يعارضه من الناحية الشرعية، فهو لا يخل بجوهر العبادة ولا يعطل ما وضعه الشارع لصحتها وكمالها، ولم يأت على خلاف الأصول والقواعد العامة، بل إن له ما يعضده ويقويه، وهو المتمثل فيما يعرف بالمسمعين الذين يتولون إسماع المتأخرين والمتباعدين عن الخطيب والإمام والمدرس في المناسبات الكبرى، كمناسبة خطبة عرفة وصلاة العيد وغير ذلك، ثم إن القاعدة الشرعية تقول: بأن ما لا يتم واجب الاستفادة مما يقوله المتكلم إلا به فهو واجب.

الصلاة في الطائرة والمكوك والصاروخ:

يرى بعض الفقهاء أنه إذا حان وقت الصلاة والطائرة مستمرة في التحليق، وخشي المسلم من فوات وقت الصلات، فغنه يجوز له أو يجب عليه أداؤها بقدر الاستطاعة، أما إذا علم أنه يقدر على أدائها في وقتها بعد نزول الطائرة، أو جمعها مع غيرها كالظهر مع العصر أو المغرب مع العشاء، فإنه في هذه الحالة لا يجوز له أنه يصليها في الطائرة. والمقصد من ذلك هو المحافظة على أداء الصلاة في وقتها ونفي الضرورة والتكليف بما لا يُـطاق، والتيسير على المصلي بأمره بأدائها بحسب مستطاعه ومقدوره.

الصلاة على الكراسي:

اقترح أحدهم أداء الصلوات الجماعية على الكراسي كما يفعل النصارى في الكنائس، لضمان الخشوع والتأمل وتكميل مظاهر الوحدة والسكينة، وقد اعترض على هذا الاقتراح الهزيل المضحك بأنه سذاجة وسخافة لمعارضته لأصل التعبد والامتثال، ذلك أن القيام في الصلاة والاستواء في الصفوف وأعمال الركوع والسجود والجلوس والقيام وغيره، هي من الأمور المطلوبة بالكيفية التي حددها الشارع، وهي لا تقبل الاجتهاد بالتغيير أو التنقيح أو التعديل، لأنها من القواطع اليقينية الدائمة إلى يوم الدين، وهي مما تحقق إرادة الامتثال.الأكمل والخضوع الأتــــم لله المعبود، ولا يعبد الشارع إلا بما شرع.

تغيير صلاة الجمعة إلى الأحد:

اقترح أحدهم كذلك تغيير صلاة الجمعة للمقيمين في أمريكا على يوم الأحد، لإحضار أكبر عدد ممكن من المصلين ولتعميم الفائدة والنفع، وقد اعترض على هذا الاقتراح السخيف المضحك بأنه وقوع في التشريع بالهوى والتشهي، وتعطيل لثوابت لعبادة والامتثال، وأنه تغيير لحدود الله تعالى، وتبديل لما وضعه من أمارات وشروط وقرائن  مضبوطة لا تقبل الزيادة ولا النقصان، مهما تطورت الحياة وازدهرت الحضارات، فالجمعة عبادة محددة بزمن معلوم وهو زوال يوم الجمعة وليس يوم الأحد.

اعتماد الرؤية والاستئناس بالحساب في ثبوت الشهر:

ثبوت الشهر يتم بالرؤية الشرعية ويستأنس فيه بالحساب لورود الأدلة على ذلك، أما الدعوة على ترك الرؤية والاكتفاء بالحساب فهي مردودة وضعيفة لمعارضتها لأدلة على ذلك، أما الدعوة على ترك الرؤية والاكتفاء بالحساب فهي مردودة وضعيفة لمعارضتها لأدلة موضوعة لتقرير أمر تعبدي وشعائري، تثبت بموجبه فريضة الصيام المحكمة ومناسك الحج القاطعة، ولأنه مفوت لحكم وأسرار كثيرة تترتب على ممارسة الرؤية، لعل من أهمها تهيئة المسلمين، روحيا ووجدانيا لاستقبال الصيام والحج، وتعميم الفرحة والسعادة بالعيدين، وإشاعة الأجواء المعنوية والمظاهر الحسية العامة المؤدية إلى تحبيب الناس في الشعائر وتقريبهم منها، وإعمال النظر في الأفق المتعالي والتأمل في الكواكب السيارة وتطوير معارف الفضاء، وغير ذلك من مدلولات الحث على الرؤية، صوما وإفطارا، حجا واعتمارا، تأملا واختبارا.

الإحرام من جدة :

الإحرام له مواقيته الزمانية والمكانية، وهو من التعبدي الذي لا يقبل الاجتهاد، والدعوة إلى  تغيير مكان الإحرام وتعويضه بجدة عموما قول مردود، وما قيل في إمكانيته في بعض الأحوال فهو من قبيل الإفتاء الخاص المحدد بشروطه وحدوده، وليس من قبيل التشريع المؤبد المغاير لأحكام الشرع، فالمواقيت محددة ومضبوطة، وجدة ليست منها، والإمكانات العصرية متوفرة لأداء الإحرام في الطائرة أو السفينة من الميقات المكاني الشرعي المحدد بالنصوص الشرعية الثابتة والصحيحة.

وما قيل في أن محاذاة الميقات من الطائرة غير ممكن، أو إن ظروف الطائرة الداخلية غير مناسبة على نحو ما يتهددها من مخاطر تسرب المياه في أسلاكها وأجهزتا، وعلى نحو شدة برودة الجو ويحتاج إلى التدثر بالثياب، وفي الغالب لا يوجد في ثياب الإحرام ما يصلح للتدثر، فكل ما قيل لا يصمد أما مبدئية ومشروعية الإحرام من الميقات المكاني المحدد، فتحديد الميقات معناه عدم تجاوزه إلا في حالة إحرام وقصد وتجرد، واستعداد معنوي وحسي كامل، تعظيما لشعائر الله، ومخالفته للمعهود من العيش، واستحضارا لحال الإنسان عند موته وبعثه، وإرادة الامتثال وطلب العفو والرضا والمغفرة من الرحمن الرحيم، وغير ذلك مما يحصل بفعل الإحرام بشروطه وآدابه والتي منها أداؤه في ميقاته برا أو جوا أو بحرا.

أما ظروف الطائرة فهي في العصر الحالي أفضل من ظروف البر بكثير، فمناخها مكيف وأجهزتها متطورة، ومواسير مياهها في حل من أسلاكها وأجهزتها، وصانع الطائرة ما صنع دوراتها المائية إلا ليستعملها الركاب كلهم أو بعضهم، والحجاج يمكنهم الاغتسال والتجرد من منازلهم، وليس لهم في الطائرة سوى فعل النية والتلبية وغيرها مما لا يوقع في حرج الازدحام والاختلاط في الطائرة، بل إن فعل أعمال الإحرام في الطائرة ليس فيه بأمن الطائرة أو راحة الركاب أو سماحة الإسلام، أو غير ذلك مما يبرر به الكثير قولهم بفعل الإحرام من جدة.

طوابق الطواف:

اتخذ ذلك لتيسير المناسك ورفع الضرر المترتب على كثرة الوافدين وشد الازدحام، ودرء المشاق غير المعتادة والتي تصل إلى حد الموت المحقق والهلاك المبين، وفي أقل الحالات إلى تفويت الحج، وأدائه بكيفية مختلة ومضطربة ومنقوصة بسبب ذلك الازدحام، وقد بني هذا الأمر على قواعد التيسير والتخفيف ومبادئ نفي الضرر وإزالته، وعلى التوجيه النبوي الكريم المتعلق بفعل الميسور، وتجنب الحرج الواقع أيام مني.

الرجم ليلا:

أفضل الرجم بعد الزوال كما هو معلوم في السنة العطرة، غير أن الفقهاء والمجتهدين توسعوا في وقت الرجم، مراعاة للتيسير والتخفيف عن الحجاج ورفع الحرج والضيق ونفي الهلاك المحقق أو المحتمل، وبناء على بعض الآثار الشرعية الداعية إلى واجب رفع المشقة عن أصحاب الأعذار الشرعية الذين لا يمكنهم فعل الرجم في الوقت الأفضل، مثل الرعاة والسقاة والنساء الثفالى والقائمين على الرعاية الصحية والمرورية والأمنية لضيوف بيت الله الحرام.

 

 المبحث الثاني:

المشكلات الطبية في ضوء الاجتهاد المقاصدي:

 

الاستنساخ:

أجمعت كل الآراء والمواقف الفكرية والسياسية والقانونية على منع الاستنساخ البشري، وعلى اعتباره من أخطر الكوارث العلمية وأفزع منتجات الحضارة والتقديم والنماء المعرفي التكنولوجي، وذلك لما سيؤول إليه من نتائج مروعة وعواقب وخيمة على مستوى النظام الكوني ومنظومة الأخلاق والقوانين والأعراف الإنسانية العامة والخاصة.

فهو مميت للمؤسسة الزوجية وقاتل للمجتمع الإنساني، لإحداثه لأسلوب غريب في عملية التناسل والإنجاب، ولمعارضته الصريحة لمعاني المودة والسكن، والرحمة والتآلف، والإعمار والتنمية، وغير ذلك من المعاني والقيم التي تتربى لدى الناشئة، بموجب البناء الأسري والتماسك الاجتماعي، وليس بمقتضى آلية الاستنساخ وطريقة إخراج الناس في شكل علب ومصنوعات معملية مخبرية.

وهو موقع في إبادة مقصد حفظ النسب والعرض، ومفض إلى الفوضى الأسرية، والطوفان الاجتماعي، ومضيع لقيمة الأمومة والبنوة والزوجية وسائر القرابة الدموية والعلاقة الصهرية، التي بني نظام الكون وسنن الحياة على وفقها، ففي نظام الاستنساخ لا تقدر على معرفة علاقة المستنسخ بغيره لا على سبيل القطع ولا الظن، فكيف تقدر على فهم ما ترتب على ذلك من حقوق وواجبات وآثار قانونية وأدبية لازمة.

إن الاستنساخ مناف لقيمة التنوع الإنساني واختلاف الألوان والأشكال والألسنة، قال تعالى: "ومن آياته، خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكــم" (الروم 22) .. وقد كان من أغراض التنوع المذكور تحقيق التمايز، وتحديد نوعية الأواصر الأسرية والاجتماعية والكونية، وإثبات الحقوق والواجبات، وإقامة العدل والأمن، والتفريق بين المتهم الحقيقي والمتهم الوهمي الذي قد يحمل نفس العلامات والشبه الذي يحمله المتهم الحقيقي، فماذا تنتظر من الأشخاص المستنسخين سوى التشابه والتماثل المضيعين للحقوق، الموقعين في الفساد والهلاك؟

إن الاستنساخ معارض لقيمة حقوق الإنسان وكرامته ومكانته بين سائر الكائنات والمخلوقات، فالإنسان الذي كرمه الله تعالى وشرفه بنعم الإيمان والإسلام، والحياة والعقل، سيستوي مع الفئران والضفادع والقردة الموضوعة في المختبرات والمعامل، لإجراء الاختبارات والتجارب عليها، ثم عرض نتائج ذلك لعامة الناس، لإدخالها في سوق المساومات والمزايدات، وفي دور السمسرة والمتاجرة، كما أنه سيتعرض إلى أبشع مذبحة في التاريخ وأرذل مجزرة، من خلال إماتة شخصه وعواطفه وأحاسيسه، وتدمير خصائص كيانه وسماته، وجعله كتلة من اللحم جامدة، ونسخة مطابقة للأصل، ليس لها من الفعل والكدح والمجاهدة والتعبد والتحرر والتوجه نحو قيم الله الخالدة سوى ألقاب جوفاء وشعارات خاوية وفارغة.

إن الاستنساخ موقع في توهم مضاهاة خلق الله تبارك اسمه، وفي ادعاء درجة مهمة من التخليق، كما سولت لهم نفوسهم تسمية الاستنساخ بالتخليق للدلالة على أنه قريب من الخلق تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا - فأين هم من الخلق أو من بعض الخلق الذي تفرد الله ذو العزة والجبروت به، وأين هم مما أوهموا به ضعاف النفوس، مغفلي العوام، ومرضى القلوب، ولعلهم يدركون ذلك جيدا ويقينا، إذ لم يسعفهم حظ النجاح بنسبة واحد في البليون، ولم يكن عملهم في الاستنساخ إلا باعتماد مواد مخلوقة وموجودة قبل خلقهم هم أنفسهم، والانطلاق منها بالتنسيق بينها وفق سنن الله وقوانينه، التي دعا الناس على إعمالها ومراعاتها، فهم مطبقون لأحكام الله، ومنفذون لأوامره اختيارا واضطرارا، ومقيدون بما فوضهم فيه خالق السماوات والأرض، وصدق الله حين قال: "والله خلقكم وما تعملون" الصافات 96.

الاستنساخ النباتي والحيواني:

انظر إلى الاستنساخ في دائرة النبات والحيوان على أنه ذو فوائد ومنافع مختلفة، على نحو الإكثار من المنتوج، وتحسين النوعية بأيسر جهود واقل التكاليف، وتحسين الأدوية كما ونوعا. إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فإنه يظل محل حيطة وحذر وتريث في الحكم عليه وعلى آثاره ونتائجه، لتجنب ما قد يحدثه من أخطار خفية ومفاسد محتملة لا تظهر إلا بعد التجارب المتواصلة والمدد المتعاقبة، كما هو الحال في

آفة جنون البقر، التي لم تعرف إلا بعد أن "وقع الفأس في الرأس".

فواجب العلماء والخبراء تحقيق أمر الاستنساخ النباتي والحيواني، وتدقيق وضعه وطبيعته، وبذل الجهد الأقصى لاستشراف آثاره ومآلاته، وحتى لا يعود على الإنسان بوبال أعظم وخطر أعم مما ينتظر من فوائد ومنافع اقتصادية وصحية وبيئية، وأصل ذلك مقرر معلوم، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويرتكب الضرر الأخف لدرء الضرر الأشد، وغير ذلك كثير.

قتل المريض الميؤوس من شفائه:

حكم العلماء قديما وحديثا بمنع وتحريم قتل المريض الميؤوس من شفائه مهما كانت جسامة مرضه، ومهما تقدمت درجة إشرافه على الموت المحقق والهلاك الواضح والظاهر، وقد نظر في ذلك الحكم إلى جملة من المعطيات الشرعية والأسرار المقاصدية التي نوردها بإيجاز فيما يلي:

-إن أجلى حكمة لمنع القتل هو المحافظة على حق الحياة، الذي هو هبة إلهية عظمى لا يجوز لأي مخلوق أن يضعه تحت تأثير التلاعب والأمزجة والعواطف، فقد جعل الخلاف العليم الحياة حقا شرعيا وإنسانيا، يتصرف فيه وحده، بداية ونهاية، صحة ومرضا، وأمرا مقدسا لا يخضع للاستخفاف واللامبالاة، لذلك اعتبر قاتل النفس الواحدة كقاتل الناس جميعا.

-إن الآجال بيد الله تعالى، وإن دور الأطباء يتمثل في اتخاذ الأسباب والسنن التي توصل في الغالب إلى نتائجها ومسبباتها بحسب مشيئة الله تارك وتعالى، وإن حكم الطبيب على صحة هذا المريض أو موته هو كذلك بحسب الظاهر والظن الغالب، وقد يكون بعض المرضى الذين يئس من شفائهم وحكم معليهم بالموت ممن لا ينطبق عليهم ذلك الحكم فيكونون عرضة للتلاعب والإجحاف والتعسف والحرمان من فرصة الحياة، بموجب قرار إنساني قاصر ومتعجل وعام وأغلبي، وبمقتضى ادعاء وهمي لا فائدة فيه.

-إن تشريع هذا القتل ذريعة إلى الاستخفاف بصحة المريض، وطريق مفض على عدة أعمال وممارسات قد تتناقض مع شرف مهنة الطبيب وأخلاقياته الإنسانية النبيلة، ومع إيمانه المغلظة بأن لا يبيح سرا للمريض ولا يعطيه دواء قاتلا، ولا يؤذيه بأي نوع من أنواع الأذية، ماديا أو معنويان بل إن قصد قتله لبعد من أكبر الكبائر في عالم الجنايات والجرائم، هذا فضلا عن تنفيذ ذلك وفعله.

-إن تمكين المريض الميؤوس من شفاه من أخذ حقه في العلاج حتى في الفترات المستعصية دون تدخل لوضع حد لحياته وآلامه، إن تمكينه من ذلك فيه فوائد كثيرة، منها:

-تعميق البحوث والخبرات والتجارب الطبية التي ستحقق بلا شك التطور الطبي المنشود، إذ إن البقاء مع المريض ومعاشرته وبذل الجهد لإنقاذه حتى في الحالات التي يظن أنها مستحيلة الشفاء والآمال، كل ذلك قد يخدم المجال الطبي، وقد يجعل من قطعيات اليوم ظنيات الغد، فيصير المرض الذي اعتبر اليوم هلاكا محققا مفضيا إلى الموت داء عاديا سهل لعلاج غدا.

-تعميق معاني المواساة والتضحية والصبر والوفاء والتضامن بين أهل المريض وأبناء المجتمع، فيتماسك المجتمع وتتكامل جهوده وتزدهر حضارته.

أما إذا شرع هذا النوع من القتل ذاته، فإنه سيكون طريقا سهلا للفرار من الواجب الإسلامي والأدبي إزاء المريض من قبل أهله وذويه، وهو في حاجة ماسة إلى عطفهم ومعاناتهم، هذا فضلا عما سيكتب لهم من الأجر والثواب والجزاء الحسن عند الله تعالى نظير صبرهم وتضحياتهم.

-إعطاء المريض فرصة للخروج من الدنيا بأقل الذنوب والأوزار، وذلك بما يعانيه من الآلام المخففة للذنوب والعذاب، فقد ورد أن المريض أو المحتضر الذي يصارع آلام السقم أو النزع، له من الأجر والخير العظيمين في الدنيا والآخرة، لكن لا ينبغي أن يفهم هذا على أنه تنويه بالعذاب وحث عليه، ولكنه واقع لا محالة.

زرع الأعضاء:

التبرع بالعضو والتوصية به قبل الموت قصد الانتفاع به، بزرعه بدل عضو معطل، أو التعلم به، أمر اختلفت فيه أنظار الفقهاء، فمنهم من أجازه لما فيه من المصالح الشرعية المقررة، ومنافع الاستفادة من العضو تعلما أو استعمالا، مع وجوب استيفاء الشروط الضرورية الشرعية لذلك، والتي منها : أن لا يؤخذ العضو من الميت إلا بعد تحقق وفاته، ولا من الحي إلا بعد التأكد من عدم ضرره عليه، ويرجى يقينا نفعه لمن سيزرع له هذا لعضو.

ومنهم من منعه محافظة علىحرمة الميت وكرامته، وبناء على أن الجسم ملك لله تعالى لا يجوز التصرف فيهب البيع أو التبرع أو غير ذلك .. وعلى أي حال، فإن القول بجوازه أو منعه مبني في جزء

كبير منه على مراعاة المقاصد والالتفات إليها والتعويل عليها في الجواز أو المنع.

 

 نقل الدم :

وهو نقل الدم على سبيل التبرع من شخص صحيح إلى من يحتاجه لإجراء عملية جراحية أو تعويض الفقر الدموي ونحوه، فهو جائز ومرغب فيه لما فيه من التعاون على البر والتقوى، وإدامة المعروف والإحسان، وإسهاما في إنقاذ النفوس من الهلاك والموت بسبب الحوادث والأمراض، فهو بهذا الاعتبار محقق لمقصد حفظ النفوس، ومقصد حفظ الدين من ناحية تربية الناس على معاني التعاون والمواساة والتضحية ودرء الأنانية والجشع، وحبيبهم في أحكام الله ورسوله الداعية إلى فعل المعروف وإدامته.

بيع الدم:

وهو الأمر الذي اختلف في حكمه، فمنهم من منعه لأن الدم المسفوح نجس، ولأنه جزء من أجزاء الإنسان التي يمنع بيعها لحرمتها وكرامتها، ومنهم من إجازة لما فيه من المنفعة المشروعة، وحتى لوكان نجسا فإنه لا يمنع بيعه بناء على جواز بيع النجاسات، إذا تعلقت بها مصالح ومنافع، على نحو بيع الزبل وسائر النجاسات التي تتخذ سمادا للأرض بغرض إخصابها، وكذلك يمكن أن يقاس على بيع لبن الآدمية في أصح الأقوال، وعلى أخذ الأجرة في العبادات كالإمامة والأذان ورعاية المساجد وغيرها، أضف إلى ذلك الضرورة القاهرة التي تحتم بيعه حفظا لمصالح الناس وإحياء النفوس، ولا سيما عند عزوف الناس عن التبرع والتطوع، وهذا لا يغني عن حث الناس على فعل المعروف، وإدامة التطوع والإحسان، عوضا عن بيع الدم وأخذ عوض عنه.

الإجهاض في حالة الاغتصاب:

من أبشع الجرائم والمنكرات الاغتصاب والتعدي على العرض الذي أقره الله تعالى أصلا مقطوعا به في كل الملل والنحل.

وقد تتعرض المرأة إلى تلك الجريمة البشعة ويتكون في بطنها جنين بسبب ذلكن فتبقى في حيرة لا نهاية لها وتظل في تردد بين إسقاطه وما يستتبع ذلك من شعور بإثم الجناية على مخلوق، وبين إبقائه وما يستتبع ذلك من شعور بالخزي، وحصول أمراض نفسية وجسمية !

وحكم الإسقاط يختلف باختلاف مدة الحمل، فإذا كانت مدة الحمل أقل من أربعة أشهر يجوز الإسقاط على أساس أنه لم يتخلق،  والمقصد من ذلك هو درء المشكلات النفسية والحالات المرضية للمعتدى عليها، وتمكينها من التخلص من آثار الجريمة البشعة.

أما إذا كانت مدة الحمل قد تجاوزت أربعة أشهر، فإن المرأة عليها أولا أن تتأكد طبيا قبل مرور هذه المدة من حملها مباشرة إثر اغتصابها، وعليها الإسقاط إذا تأكدت من ذلك الحمل قبل مرورو الأشهر الأربعة، وإذا لم تتمكن من ذلك لعذر شرعي كحالة قيام الحروب، كما وقع في حرب البوسنة والهرسك، وبلغ الجنين مائة وعشرين يوما، "فإن قواعد الشريعة تتسع لجواز الإسقاط كحالة من حالات الضرورة مع دفع الكفارة، والضرورة لها أحكامها".

"وتدرك الضرورة في حالة الاغتصاب بأن المعتدى عليها تصاب - في الغالب والأعم - يمرض نفسي يؤدي على مرض جسماني قد يؤدي بحياتها، فإسقاط الجنين في هذه الحالة أخف ضررا من موتها .. وتدرك الضرورة أيضا من وجود طفل غير شرعي يحتاج على نفقة وإلى من يقوم بتربيته، ناهيك بأن المجتمع المحافظ كما هو الحال في المجتمعات الإسلامية لا يقبل في الغالب وجود أطفال غير شرعيين، الأمر الذي قد ينتج عنه أضرار لهم أنفسهم وللمجتمع الذي يعشون فيه"

وإذا أرادت المعتدى عليها إبقاء حنينها ولم توجد ضرورة قاهرة وحرج أقصى، وجب عليها عندئذ المحافظة عليه ورعايته، وإخراجه إنسانا صالحا، "فالمسألة ليست مجرد رغبة جامحة أو استخفاف بمخلوق من مخلوقات الله، ولكنها مسألة ضرورة إذا وجدت جاز ارتكاب المحظور لدفع ما هو أكبر منه، وإلا فلا"

 المبحث الثالث:

المشكلات المالية في ضوء الاجتهاد المقاصدي

 

زكاة المستغلات:

المستغلات هي الأموال التي تعود على أصحابها بفوائد وأرباح بواسطة تأجير عينها أو بيع ما يحصل من إنتاجها، ومثالها: العمارات والمصانع والفنادق وقاعات الأفراح والسيارات والطائرات والسفن وسائر وسائل النقل التي تنقل البضائع والأشخاص، وغير ذلك.

وقد اختلفت أنظار الفقهاء حيال مسألة الزكاة في هذه الأصناف المالية، فمنهم من مال إلى عدم الزكاة فيها، بناء على أنها ليست من الأصناف التي تحددت الزكاة فيها، ومنهم من أوجب الزكاة فيها، بناء

 

•-       على عدة أمور، منها،

•-       أنها من الأموال التي أوجب الله فيها الزكاة.

•-   أن علة وجوب الزكاة معقولة المعنى، وهي النماء والزيادة، وهذه الأموال توجد فيها هذه العلة، فيكون الوجوب لدوران العلة مع المعلول، وجودا وعدما.

•-   أن حكمة تشريع الزكاة هي التزكية والتطهير لأرباب المال أنفسهم، مساعدة المحتاجين، والإسهام في حماية دين الإسلام وتقوية الدولة المسلمة، وغير ذلك من الحكم والأسرار التي تجعل الزكاة في هذه الأصناف أولى وأنسب.. وإذا كانت الزكاة واجبة على صاحب الزرع والثمر القليل، فكيف لا تكون واجبة على مالك العمائر والمصانع والسفن والشاحنات، التي يكون دخلها أضعافا مضاعفة؟!

زكاة الرواتب والأجور ومختلف أنواع المال المستفاد:

المال المستفاد إذا حصلت شروط الزكاة فيه مثل النماء والنصاب وغيره، وجبت فيه الزكاة، وذلك مثل أجرة الطبيب والمحامي والمهندس والصانع والأستاذ ورجل الأعمال والموظف والحرفي وغيرهم، ودليل ذلك:

دخولهم في عموم الناس الموجب للزكاة.

إذا كان الشارع افترض الزكاة على الفلاح الذي يملك خمسة أفدنه، فإنه من الأنسب والأولى أن تجب الزكاة على صاحب حرفة كبيرة كالمحاماة والطب والهندسة، الذي تدر عليه خمسين فدانا، بل إنه ما يكسبه الطبيب في يوم واحد والمحامي في قضية واحدة يعدل ما يكسبه الفلاح طوال سنة بحاله، وهذا الرأي هو الأقرب إلى روح التشريع ومقاصد الشرع، وأنسب لصاحب المال، من حيث تطهير نفسه وماله، ولصاحب الحاجة من حيث مواساته مساعدته.

دفع القيمة في الزكاة:

اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من منع إخراج القيمة استنادا بالأساس إلى اعتبار الزكاة عبادة وقربة أكثر منها معاملة غايتها المواساة والإحسان وسد الحاجة، ومنهم من أجاز إخراج القيمة بدلا عن العين، بناء على عدة أمور، منها ما يتصل بالمقاصد والتعليل، ويتمثل بالأساس في أن إخراج القيمة هم الأليق بالعصر وأهون على الناس، وأيسر في الحساب، ما لم يكن في ذلك ضرر بالفقراء أو أصحاب المال.

ففي زكاة الفطر مثلا يكون إخراج قيمتها أقرب إلى روح التشريع ومصلحة الفقراء، من حيث التوسعة عليهم وإغنائهم عن الحاجة في يوم العيد، ولا سيما فيما يتعلق باقتناء بعض حاجات اللباس والطعام (مثل حلويات العيد)، وغير ذلك من الحاجات أن يعودها ويحضروها إلا في وقت متسع، وإذا أخذوها نقدا وقيمة.

البيع بالتقسيط:

حكمه الجواز، لأن الأصل في الـأشياء الإباحة، ولم يرد نص على تحريمه وللبائع أن يزيد في الثمن لاعتبارات يراها ما لم تصل إلى الفحش.

أم الذين اعتبروه شبيها بالربا من جهة أنه زيادة في المال في مقابل الزمن، فهو غير ذي وجاهة معتبرة، لقيام الفرض بين الزيادة بسبب الزمن في القرض، وبين الزيادة بسبب البيع والتجارة.

بيع المزاد العلني:

 وهو بيع جائز، كما في بيع السيارات والحيوانات ومختلف الأمتعة، التي تعرض للبيع، ويتزايد الناس في سعرها، إلى أن يرضى البائع عن سعر معين، فيبيعها لمن اقترح ذلك السعر.

وهو نوع من أنواع المشروع الملبي لحاجيات السوق ومصالح الناس، مع ما ينبغي من استيفاء للشروط والضوابط الشرعية، حتى لا يخل بحقيقة العقد ومشروعية البيع ومصلحة أحد الطرفين.

ربط الديون والقروض والمعاملات بمستوى الأسعار:

حكمه المنع والتحريم، لأنه يؤدي إلى الغرر الفاحش بمقدار الثمن، وبقلب الأوضاع، فتقوم النقود بالسلع بدلا من أن تقوم السلع بالنقود، ولا يحقق العدالة، ولا يعالج مشكلة التضخم، ويعمق نفس علل الربا من الجهالة والنزاع والفحش الفادح بين المتعاملين، ويفضي إلى مزيد الظلم والإجحاف، لأنه يحمي الدائنين على حساب المدينين، الذين ليسوا سببا في ارتفاع التضخم، والدائنون هم الأثرياء في الغالب، والمدينون هم الفقراء في الغالب كذلك.

ومن ثم فهو لون من ألوان التعامل المفضية على تعميق الأحقاد والضغائن، والتحامل بين المتعاملين بسبب التحايل والغرر والجهالة والضر، وقد جاء قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة مانعا لذلك فيما يلي:"العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة، لأن الديون تفضي بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أيا كان مصدرها بمستوى الأسعار".

التأمين التعاوني:

وهو عقد بين جماعة كالتجار والمدرسين والجيران على دفع مقادير مالية، قصد الاستفادة منها عند حدوث مصيبة أو ظرف معين، يحتاج فيه صاحبه إلى المساعـدة والمواساة، والغرض من هذا التأمين هو تخفف المصيبة ودفع آثارها، وليس الربح وهو واضح الجواز والحلية لما فيه من مراعاة المبادئ والقيم الإسلامية النبيلة على نحو: التعاون على البر والتقوى، وتفريج الكرب، وتخفيف النوائب، وتعميق معاني التكاثف والتضامن والتقارب بين أفراد البلدة الواحد والمجتمع الواحد.

ويمكن أن يكون الغرض منه كذلك الربح الذي سيعود نفعه على المشتركين المصابين، وذلك باستثمار الأموال المدفوعة في الأعمال المشروعة كالمضاربة والمزارعة، مع ضرورة استحضار شروط ذلك من معرفة رأس المال و الربح وكيفية توزيعه.

فالربح هنا ليس هو مجرد كسب المال و حيازته لشخص واحد، بل هو محقق لهدف التعاون، لأنه سيعود على الكل، فكأنه زيادة للمقادير المالية المدفوعة الموضوعة، لمواجهة النوائب والشدائد، كما أنه واقع بممارسة طرق مشروعة في استثماره وتنميته.

التأمين التجاري:

  وهو عقد بين طرفين: مؤمن و مؤمن له، يقوم المؤمن بدفع مال للمؤمن له عند حلول خطر به، وقد عـده الفقهاء عقد غرر من قبل المؤمن له، لأنه قد يأخذ العوض إن حصل الحادث وقد لا يأخذه إن لم يحصل.. ومن قبل المؤمن، لأنه قد يأخذ المبلغ المتفق عليه وقد لا يأخذه، وهو غير متعادل غالبا.. وقد عده بعضهم بأنه عقد جهالة وقمار وربا وضمان بجعل ورهان محرم، وهو منهي عنه لتلك الاعتبارات ولما يفضي إليه من التنازع والغين والضرر بأحد المتعاملين أو بكليهما، أضف إلى ذلك فإن هناك الكثير من التأمينات التجارية المرتبطة بالشركات الأوروبية والصهيونية المتعاملة بالربا والتي تسخر ذلك لمزيد الإذلال والاستغلال والهيمنة.

وقد أصدر المجمع الفقهي بمكة المكرمة قرارا بالإجماع، يقضي بتحريم التأمين التجاري بكل أنواعه، سواء على النفس أو البضائع أو غيره، وذلك لأنه مشتمل على الغرر الفاحش، ولأنه ضرب من ضروب المقامرة، ولأنه مشتمل على ربا الفضل والنساء، فإن الشركة إذا دفعت للمستأمن أو لورثته أكثر مما دفعه من نقود لها، فهو ربا فضل، والمؤمن يدفع ذلك للمستأمن بعد مدة فيكون ربا نساء، وإذا دفعت الشركة للمستأمن مثل ما دفعه لها يكون ربا نساء فقط، وكلاهما محرم بالنص والإجماع، وهو كذلك مشتمل على الرهان المحرم، وسبيل لأخذ أموال الغير بلا وجه شرعي.

 اعتماد التدرج والمرحلية والفقه الأولوياتي:

تعد هذه الخاصية من الثوابت المهمة في عملية الإصلاح والتغيير وتنزيل الأحكام، وهي ذات أصول ممتدة إلى العصر النبوي وعصر السلف.. وليس موضوع مناسبات النزول والنسخ وبعض مباحث التعارض والترجيح في الأخبار والمعاني وغير ذلك، إلا دليلا على تقرير هذا المبدأ العظيم، ووجوب الالتفات إليه في عملية تنزيل الأحكام، وإصلاح الناس، وتحقيق المقاصد.

وعصرنا في أشد الحاجة إلى طروحات ومناهج تعتمد تقديم الأهم على المهم، وترجيح الأصلح على الصالح، ودرء الأفسد على الفاسد، فعصرنا قد سادت فيه أنواع من الفساد الاعتقادي والمالي والاجتماعي والأخلاقي، وليس فيه من بد سوى باعتماد ما يراه المصلحون والمجتهدون طريقا أوليا في العلاج والتوجيه.. فترى مثلا حصول أفهام خاطئة عن الإسلام بموجب التحامل والاحتكاك بالحضارة المادية، أو بموجب اهتراء الناحية العقائدية وضعفها.. وتلك الأفهام تؤثر بلا شك في تطبيق بعض الأحكام وتنزيلها، بل في اعتقادها والتسليم بها أحيانا.. والله المستعان - فإنه يتعين عند هذا الأمر بحث السبل المصححة لتلك الأفهام الخاطئة، حتى تعاد صياغة الشخصية الإسلامية التي ستتقبل تنفيذ ما أمرت به، وتتهيأ لقبوله واعتقاده.

إن ما ورثه العالم الإسلامي من (الغير) في مجالات حياتية

 

مختلفة، على نحو النظام الإداري والمالي والسياسي والتربوي والاقتصادي، وعلى الرغم من إيجابياته ومحاسنه، إن ذلك أثر على عقول كثيرة بقصد أو بغير قصد، وهو يحتاج بصورة أكيدة وملحة إلى فقه أولياتي مرحلي تدرجي، قصد الإصلاح والتحسين، وكي لا تصب المعالجات والحلول دفعة واحدة، فالزمن نفسه جزء من العلاج.. وما أصيب به المسلمون من تحامل أثر في البناء القانوني والاقتصادي والأخلاقي وغيره، لا يمكن أن يتغير بين عشية وضحاها.. وما تراه فئة إسلامية ضروريا ولازما، يراه غيرها جديرا بالتأخير والتريث حتى تتوفر ظروفه وأرضيته، وحتى يطبق على أحسب وجه، وحتى يحقق ما أراده الله تعالى من مقاصد وغايات.. وما يراه بعض العلماء في زمن ما مخلصا شرعيا، يراه غيرهم في زمن آخر مأزقا دينيا خطيرا يجب تركه، وهكذا تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من أنزعة.

وما أردته في طرح هذه القطيعة المنهجية ليس هو الإطناب في بيان طبيعته وخصائصها وتطبيقاتها وصورها، وإنما هو تأكيد عليها عموما بما يتماشى والاختصار المفيد، وهي نفسها مما تخضع إلى الاعتبارات الميدانية العملية التي تتحدد كيفياتها وملامحها على وفق ما يراه أرباب الإصلاح وأهل الاجتهاد مناسبا وضروريا لزمانهم وعصرهم ومشكلات حياتهم.

زيادة تحقيق وتدقيق مسميات شرعية مقاصدية:

هناك الكثير من المسميات والمصطلحات الأصولية المقاصدية، التي لها أهميتها القصوى في عملية الاجتهاد والاستنباط الفقهي، ومن تلك المصطلحات: القياس الكلي أو الموسع، والضرورة الخاصة والعامة، والمناسبة وترتيب الحكم عليها، وغير ذلك، وتلك المصطلحات ولئن كان السابقون قد درسوها بما يعطيهم فضل السبق والتأسيس، غير أنها لا تزال في حاجة ملحة لزيادة درسها وتحقيقها ولا سيما فيما يتعلق بتطبيقاتها وفروعها المعاصرة.

فالقياس الكلي أو الموسع هو قياس النظير بنظيره لأمر جامع بينهما، كمقصد عال أو مصلحة كلية، أي أنه الإلحاق بجامع المصلحة الكلية أو عموم الحكمة. جاء عن الرازي أن الفقهاء قد اختلفوا في ذلك كثيرا والأقرب جوازه.. وجاء عنه قوله:"قلنا لا نسلم، بل التعليل بالحكم حاصل في صور كثيرة... الوصف

لا يكون مؤثرا في الحكم إلا لاشتماله على جلب نفع أو دفع مضرة".. وجاء عن ابن عاشور:"أن الأصل في الأحكام الشرعية كلها قبول القياس عليها ما قامت منها معان ملحوظة للشارع، فيجب أن تكون أنواع الأحكام التي يجري فيها القياس قليلة جدا"، وأن "أحكام الشريعة قابلة للقياس عليها باعتبار العلل والمقاصد القريبة والعالية"، "فتكفي الفقيه مؤونة الانتشار في البحث عن المعنى من أجناسه العالية بما فيها من التمثيل والضبط، وتنتقل بالمجتهد إلى المعنى الذي اشتمل عليه النظير غير المعروف حكمه، فيلحقه في الحكم بحكم كلياته القريبة ثم بحكم كلياته إذ لا يعسر ذلك الانتقال حينئذ فتتجلى له المراتب الثلاث"، "نقول بحجية القياس مصلحة كلية حادثة في الأمة لا يعرف لها حكم، على كلية ثابت اعتبارها في الشريعة، باستقراء أدلة الشريعة".. ويبدو أن ابن عاشور لم ينطلق من فراغ بل انطلق مما علمه من أعلام المالكية باعتبار تشبعه بالتكوين المالكي الأصيل، ومما استوعبه من آثار غير المالكية.. وقال ابن عبد البر:"ومن أشكل عليه شيء لزمه الوقوف، ولم يجز له أن يحيل على الله قولا في دينه لا نظير له من أصل ولا هو في معنى أصل، وهو الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديما وحديثا، فتدبر"،. "... وقد جاء عن الصحابة من اجتهاد الرأي والقول بالقياس على الأصول عند عدمها".

ونجد من بين المعاصرين الداعين إلى إجراء هذا النوع من القياس في دراسة الحوادث الحياتية المتنوعة الدكتور الترابي، الذي أطلق عليه اسم القياس الواسع، حيث قال:"ولربما يجدينا أيضا أن نتسع في القياس على الجزئيات لنعتبر الطائفة من النصوص، ونستنبط من جملتها مقصدا معينا من مقاصد الدين أو مصلحة معينة من مصالحه، ثم نتوخي ذلك المقصد حيثما كان في الظروف والحادثات الجديدة. وهذا فقه يقربنا من فقه عبر بن الخطاب رضي الله عنه، لأنه فقه مصالح عامة واسعة، لا يلتمس تكييف الواقعات الجزئية تفصيلا - فيحكم على الواقعة قياسا على ما يشابهها من واقعة سالفة - بل يركب مغزى اتجاهات سيرة الشريعة  الأولى، ويحاول في ضوء ذلك توجيه الحياة الحاضرة...".

والقياس الجزئي أو الفرعي، على الرغم من أهميته ومكانه في الاستنباط، إلا أنه يبقى في بعض الأحوال عاجزا عن معرفة أحكام بعض النوازل والوقائع، وليس تقرير الاستحسان بأنواعه إلا دليلا على لزوم العدول عن القياس الجزئي فيبعض الأحوال إلى الحلول الاستحسانية وإلى تقرير القياس الموسع الكلي، فالتضييق أحيانا يحصل بإجراء الأقيسة، والتوسع يأتي في مقابلة بإجراء القياس الكلي والإلحاق بالأصول والقواعد التي لها نفس أحكام الفروع والجزئيات المعروضة والملحقة.

وتعود قلة اهتمام الأوائل بالقياس الكلي، وتركيزهم كثيرا على القياس الجزئي والمضيق، يعود إلى أن دلالة النظير على نظيره في القياس الجزئي أقرب إرشادا إلى المعنى الذي صرح الشارع باعتباره في نظيره، أو أومأ إلى اعتباره فيه، أو أوصل الظن بأن الشارع ما راعى في حكم النظير إلا ذلك المعنى، فإن دلالة النظير على المعنى المرعي للشارع حين حكم له بحكم ما، دلالة مضبوطة ظاهرة مصحوبة بمثالها".

زيادة تحقيق مسمى المناسبة وتطبيقاتها:

المناسبة في المسألة المهمة جدا في القياس بنوعية الجزئي والكلي. "والمناسبة تفيد العلية إذا اعتبرها الشارع...لأن الشارع دل على أن الله شرع أحكامه لمصالح العباد تفضلا وإحسانا، فحيث ثبت حكم وهناك وصف ولم يوجد غيره، ظن كونه علة وإن لم تعتبر، وهو المناسب المرسل"، ومعنى المناسب:"الذي يفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلا وإبقاء". أي تحصيل المصالح ودفع المفاسد، وهي بهذه المعاني حقيقة بالعناية والاهتمام، فإنها لب القياس وجوهره، والتي تعتبر فيها المصالح حفظا والمفاسد تجنبا، ومن ثم كان ينبغي على أهل العلم والاجتهاد مزيد من الإقبال على دراسة المناسبة وتمحيص متعلقاتها وتدقيق تطبيقاتها وتجلياتها في الواقع المعاصر.

زيادة تحقيق مسمى الضرورة وتطبيقاتها:

الضرورة الشرعية سبب من أسباب التخفيف والتيسير، وقد أقبل الدارسون عليها تحقيقا وتمثيلا وتدليلا وتطبيقا وتقعيدا، وقد ترتب عليها عدة أحكام فقهية شهدت لها الأصول والقواعد والمبادئ الشرعية، غير أن الملفت للانتباه هو الإفراط في استخدامها ومجاوزة الحدود بها، فإنك تلحظ معي أحيانا تجويزا مبالغا فيه لما يدعى أنه ضروري وهو على خلاف ذلك، الأمر الذي أورث التوهم لدى بعضهم بأنهم في حالة ضرورة تبيح لهم ما لا يباح عادة، وتزيل عنهم ما لا يُزال في غير الضرورة القاهرة والحاجة القصوى، فتراهم يفتون أنفسهم أو غيرهم بمزاولة المحظور وبأقدار غير محدودة تحت غطاء الضرورة والإشراف على الهلاك.

ومن المضحكات في هذا السياق تجويز أخذ الربا لتلبية حاجات كمالية أو ترفيهية أو حتى حاجية لم تبلغ درجة الضرورة القصوى، كل ذلك يفعل تحت هذا الغطاء الذي صار يستعمل بلا حد ولا ضابط. فالواجب يحتم حسم هذه المسألة وبيان ما تدخله الضرورة وما لا تدخله، وخاصة فيما يتعلق بضرورات الأمة عامة، فضلا عن ضرورات فردية درج العلماء على بيانها وتحديدها.

إعادة صياغة العقل العربي والإسلامي:

العقل هو أداة فهم الأحكام، وتنزيل المقاصد، وفعل التكليف جملة، وقد علقت بالعقل العربي والإسلامي في عصرنا هذا شوائب وعلل وشبهات عطلته كليا أو جزئيا عن القيام بدوره التشريعي والاستخلافي على الوجه المطلوب، وقد كان ذلك حاصلا بموجب عدة عوامل وأسباب ذاتية وموضوعية تتصل إجمالا بظواهر الركود والجمود والكسل والتقييد واللامبالاة والتقليد والاستقالة وغيرها، وتتصل كذلك بحملات الفكر والاستشراق والتغريب، والتنصير والتهويد، والتميع والتهميش.

وقد أدى ذلك كله إلى إحداث عقلية عربية وإسلامية عامة متفاوتة من حيث التفاعل مع المشروع الإسلامي في شتى نواحيه ونظمه وخصائصه، فتبعثرت بعض الأفهام والأنظار، واختلفت بعض التصورات الآراء إزاء بعض الحقائق الإسلامية، فصار بعضهم ممن تأثروا بتلك المؤثرات يناقشون ما هو معلوم من الدين بالضرورة ويشككون في القطعي أحيانا، ويستخفون بالمحظور أحيانا أخرى، تحت غطاء الاجتهاد، وهم مع ذلك يعلنون أنهم مسلمون يصلون ويصومون ويحجون وأنهم يفعلون ذلك ليس عنادا أو تحاملا، وإنما فقها واستنباطا واجتهادا وتأويلا.

إن واجب العلماء والمصلحين والمفكرين والساسة، إصلاح العقول قبل إصلاح الأعمال، وتغيير الأفهام قبل تشريع الأحكام، حتى تتهيأ العقلية العامة لقبول دين الله تعالى على أنه نظام شامل وواقعي، وإنساني ومتوازن، وباق إلى يوم القيامة، وليس كونه دينا يخاطب الروح على حساب الجسد، أو العائلة على حساب الدولة أو التعبد على حساب التقنين والتشريع.

إن إعادة صياغة العقل يساعد كثيرا على تطبيق الاجتهاد المقاصدي  الوسطي بلا إفراط ولا تفريط، أما ترك العقل بما عليه من شوائب واختلالات سيؤدي غالبا إلى إحدى حالتي التناقض المقاصدي، أي إلى حالتي:

•-   الإفراط في اعتبار المقاصد، بسبب ما ورثه العقل من دعوات الفكر المعاصر إلى التخلي عن الضوابط والشروط الشرعية، والتعويل المبالغ فيه على العقل والواقع والتفتح وغير ذلك.

•-   التفريط في اعتبار المقاصد، بسبب تأصل الميل إلى الظاهرية الحرفية والشكلية، والبعد عن الفهم الحقيقي الشمولي المقاصدي لأحكام الإسلام.

الاستئناس بعلوم الاجتماع والنفس والاقتصاد وغيرها:

علم الاجتماع بالأساس من الفنون المعرفية المهمة في تنظيم حركة المجتمع ودراسة ظواهرها ومتعلقاتها، والعمل على تحقيق أفضل النظم والمعاملات، ولا نريد في هذا السياق أن نبحث عن نشأة العلم وتطوره وغير ذلك مما لا يسعه مجال هذا البحث، غير أننا نريد التأكيد على أن أول من نبه إلى وجود هذا العلم واستقلاقه عن غيره هو العلام المسلم هبد الرحمن بن خلدون.

وقد اعتبر بعضهم أن تاريخ علم الاجتماع المعاصر بدأ مع (أوغست كونت) الفرنسي وغيره، وقد أهملوا ذلك ابن خلدون الواضع الأول لفكرة هذا العلم واستقلاله وموضوعه كما أشرنا قبل قليل. فقد نشأ إذن علم الاجتماع المعاصر في

الحضارة الغربية في أوروبا، وقد تطور استجابة للتطورات والمشكلات الاجتماعية في مرحلة الانتقال من النظام القديم إلى النظام الجديد، وقد فرض نفسه على العالم بمقتضى ارتباطه بالحضارة الغربية المسيطرة.

ومن هناك كان ينبغي الاستفادة من تلك العلوم على حذر حتى لا نقع فيما لا يتماشى وطبيعة المنظومة الدينية التي نتعبد ونتدين بها، وذلك لارتباط تلك العلوم غالبا بالفلسفة الغربية والاتجاه الفكري والمادي الأوروبي.

"ومن البين أن المعارف العقلية التي تستخدم في فهم المراد الإلهي، ينبغي أن تكون على درجة من الوثوق، تنأى بها عن الفرضيات الاحتمالية الضعيفة، فإن إقحام هذه الفرضيات الضعيفة في تحديد المراد الإلهي، يسيء إلى النص الديني حينما يظهر خطؤها، وقد عدت مدلولات له، كما أنه يجر إرهاقا وحرجا في شؤون الحياة لما تصبح جارية على أساسه، وهذا ما يدعو إلى الاقتصاد في استخدام المعارف العقلية في فهم الدين بما يضمن إصابة الحق في أقصى درجات الإمكان".. ومن قبيل ذلك، التسوية المطلقة بين الرجل والمرأة التي يروج لها علم الاجتماع المعاصر، وأن الواحد نسخة مطابقة للأصل الآخر، وهذا اقتضى أن يعمل كل من الرجل والمرأة في مجال واحل بدون تمييز أو تفريق، وقد ترتبت على ذلك مخاطر كثيرة منها التدني التربوي والعاطفي للأطفال، وحرمان الكبار والمسنين من رعاية الأقرباء والأوفياء.

وتتمثل ضروب الاستئناس بتلك العلوم في الاستفادة من مناهج البحث والتوثيق والتفسير والتخريج، وفي إجراء المقارنات والملاحظة، والإحصاء والاستبيانات، واختبار العينات، أو المقابلة، وهذه كلها يستعان بها، لأنها تمثل قاسما مشتركا بين جميع البحوث أينما أجريت، "فهي من العناصر التي يختار بينها حسب الظروف والإمكانات" .. وهي تهدف إلى إعطاء نتائج قريبة من الصحة أو صحيحة، فيدرك بالإحصاء والاستقراء النمط الأفضل في التعامل، فيعمل به في المجالات الشرعية الظنية الاحتمالية التي لم يتحدد موقفها الشرعي على سبيل القطع واليقين، ذلك أن "من الحصيلة البشرية من العلوم والمعارف، ما فيه عون على تبين ما فيه مصلحة من أوضاع المسلمين المستجدة، فعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم النفس وغيرها من العلوم الإنسانية، تشتمل على قوانين هي أقرب على الحقيقة العلمية الموضوعية، وهو ما يرشحها لأن تكون وسيلة صالحة لتحديد ما فيه خير الإنسان ونفعه، ومن ثم فإنها تصبح أداة مهمة للمسلم في اجتهاده لتقدير مصلحة الإنسان في خضم الأوضاع التي انقلبت إليها حياته اليوم".

إنجاز التقنية الإسلامية وأسلمة العلوم الإنسانية:

لعل هذا الهدف يعد من الأهداف الرئيسية جدا في قيام الحضارة الإسلامية من جديد، وإعادة تمكين الدور العالمي والسمة الكونية لرسالة الإسلام، الذي يتوقف تحقيقه وتحصيله على مراعاة سنن الله في الكون، وامتلاك الشروط الضرورية للنهضة والتنمية والتحضر، وتسخير جميع الأسباب الذاتية والموضوعية بغية حيازة المبادرة العلمية والحضارية في بناء التقنية الإسلامية، وامتلاك معلوماتها ودقائقها، واستثمارها في البناء الحضاري العام، وفي تحريك الدورة التنموية وتعميمها وتفعيلها وتأييدها حتى يتحقق أمن المسلمين في غذائهم وأموالهم ونفوسهم، ويبعدوا مفاسد ارتمائهم في أحضان التنصير والتكفير والتضليل بسبب الجوع الشديد والفقر الذي كاد أن يكون كفرا، بل إنه في هذه الأحوال صار كفرا وجحودا بوقوع آلاف وملايين الجائعين في فلك العاملين على تأليف قلوبهم، واستجلابهم لحظيرة عقائدهم، وأخراجهم من دينهم وفطرتهم، وحتى يتحقق حفظ عقولهم وأذهانهم من الجهل والأمية والسفاهة الفكرية والسياسية، ومناولة المخدرات الحشيشية والتضليلية، وحتى يتحقق حفظ أعراضهم وكرامتهم من الشذوذ والإثارة والتحرش والدونية والإهانة، وحتى يتحقق الأمن العام

للأمة وسعادتها الدائمة في العاجل الدنيوي وفي مصير الآخرة بحوار الله رب العالمين.

إن امتلاك شروط التقنية العلمية والاكتفاء الاقتصادي الغذائي، وجعل المسلمين أغنياء متعففين وليسوا كلا على الأمم والمنظمات الإنسانية والجمعيات الخيرية - فهم مشكورون وجزاهم الله خيرا إن كل ذلك وغيره يعتبر من قبيل المقاصد المقررة والمأمولة في واقع الحياة المعاصرة، وهو لن يتكون بمجرد التمني والتحلي - فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة - ولكن يصير واقعا ملموسا، إذا تهيأت النفوس، وعزت الإرادات، وكدحت الأجيال، وجاهدت الشعوب في الله حق جهاده.

ثم إن قيام علوم إنسانية إسلامية سيعود نفعه على سائر الأمم والشعوب، باعتبارها نابعة من الفكر الإسلامي، الذي يتسم بسمات العالمية والكونية والواقعية والمصلحية، وليس مصفا بما يكرس الانعزالية والانطوائية والقبلية والجهوية، كما هو الحال في كثير من التصورات الفلسفات الوضعية..فالإسلام وعلومه ومعارفه وفنونه، ينبغي أن تشيع فيشتى أنحاء الأرض وبين مختلف الطوائف والملل والجماعات، قصد إصلاحهم بالحسنى ودعوتهم لما فيه خيري الدنيا والآخرة، وانطلاقا من وجوب الشهادة على الناس وإرادة الرحمة بكافة أفراد العالمين.

ضرورة الاجتهاد الجماعي:

الاجتهاد الجماعي في العصر الحالي ضرورة قصوى ومقصد جليل في حد ذاته، ليس لكثرة المشكلات والوقائع، ولضخامة حجم الهيمنة الأجنبية التي تركت آثارها في بعض أنماط التفكير والسلوك لدى شعوب الإسلام وأمته، التي هي في أشد الحاجة إلى استـفراغ منقطع النظير، ومتابعات قد تفني أعمارا وأحقابا لو تركت لأفراد وأعلام معنيين.

فليس هناك من سبيل سوى اعتماد الجماعية الاجتهادية، القائمة على عمل الخبارء واستنباط الفقهاء، ودور المؤسسات العلمية والجماعية والشرعية، والاستئناس بالعلوم والمعارف العصرية.

ولأن الغرض من الاجتهاد المعاصر ليس هو بيان أحكام بعض النوازل الخاصة والجزئية بقدر ما هو بحث في طبائع العصر وظواهره المعقدة وخصائصه العامة،  وتداخل علاقاته، وتشابك مصالحه، التي لها تأثير ما بالنوازل والأوضاع المعروضة للاجتهاد، فقد ولى عصر الاجتهاد الفردي وعلماء الموسوعات، وحل محله عصر المؤسسات والمجامع والاتصالات والموسوعات (المدونة لا الموسوعات الآدمية) والتخصصات، وقد دعا إلى هذا الكثير من العلماء والفقهاء والمصلحين الذين رأوا في الاجتهاد الفردي عجزه عي المعالجة الشمولية للعصر وأحواله، على الرغم من أهميته المعتبرة في الإفتاء والاحتكام في بعض النواحي الفردية والعامة والتي لا تحتاج إلى مجهود كبير وغير يسير.

إن دور الاجتهاد الفردي يبقى محصورا ضمن حدوده ومجالاته، كأن تطغى عليه جوانب الإفتاء والنقول ومعالجة بعض الأحوال الفردية وغير المعقدة، أو أن يكون دوره متمثلا في إعداد الرؤى والمقترحات والخواطر التي يجعلها الاجتهاد الجماعي منطلقا ومدخلا لأعماله ونتائجه، أم أن يتولي عالم بمفرده أو قلة من الفقهاء في قضية من قضايا الأمة أو نازلة من نوازل المحدثات المعقدة، فهذا لا يوصل إلى المراد من تحصيل صحيح المقصود الشرعي أو القريب منه.. فاجتهاد الأمة هو الصواب عينه والضرورة نفسها، وهو الذي باركه الله تعالى وأثنى على أربابه وأهله، وهو الذي له أصوله وجذوره، فقد مورس في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة للمسلمين بعد وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم، ومارسه علي رضي الله عنه كثيرا، بل ومنق الفقهاء من مغادرة المدينة ليأخذ رأيهم فيما يستجد من مشكلات الدولة، ومارسه طبقة الحكام والأئمة في مخلتف العصور والظروف، وهو الأجدر بالتطبيق والأليق بطبيعة العصر وتطوراته، والأنسب لتعاليم الشرع ومقاصده.

 

قائمة المصادر والمراجع المعتمدة

 

-كتاب الأمة "الاجتهاد المقاصدي" للدكتور نور الدين الخادمي.

- إعادة تشكيل العقل المسلم - لعماد الدين خليل

- العقل العربي وإعادة التشكيل - الطربري

- الموافقات للشاطبي ج II

- عوامل السعة والمرونة - اللقرضاوي

- مقاصد الشريعة - ابن عاشور

- أصول الشريعة الإسلامية - عبد الرحمان النحلاوي

- الاجتهاد وقضايا العصر - محمد بن إبراهيم

- مجلة البحوث الفقهية المعاصرة عــ11ــدد

- مجلة الهداية التونسية عــ02ــدد لسنة 1977

- فقه الزكاة للقرضاوي

- عقود التأمين بين الاعتراض والتأييد - أحمد محمد جمال

- أصول الفقه - علي حسب الله

 

 
الإعجاز في القرآن طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

الإعجاز في القرآن

مداخلة الأستاذ:  خالد التلمودي

 

 1ـ مفهوم الإعجاز:

لغة : مصدر للفعل أعجز فيقال : عجز فلان عن الأمر وأعجزه الأمر إذا حاوله ولم يستطعه ولم تتّسع له قدرته وجهده.

شرعا يقول الإمام السّيوطي :" والمعجزة في لسان الشّرع أمر خارق للعادة مقرون بالتّحدّي سالم عن المعارضة " الإتقان في علوم القرآن

 2 ـ خاصّية الإعجاز القرآني :

اعتبر المشركون أنّ القرآن ليس معجزة في ذاته وليس دليلا كاف على صدق نبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم لذلك طالبوه بمعجزة ماديّة من قبيل عصا موسى عليه السّلام . إلاّ أنّ القرآن يتميّز عن سائر المعجزات المادّية بأنّه لا يبهر العول بل يحرّكها ويستحثّها للاكتشاف والبحث والاستنارة والتّطوّر من أجل التّطوير فكلّما ذكر العقل في القرآن إلاّ وجاء في مقام التّعظيم والدّعوة إلى وجوب العمل به والرّجوع إليه .

لقد تحدّى الله المشركين في زمنهم وسائر النّاس من بعدهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن { الإسراء 88 } بل بعشر سور { هود 13 ـ 14 } بل  بسورة  واحدة   { البقرة 23 ـ24 }  وفعلا حاول البعض ولكنّهم باؤوا بالفشل الذّريع الدّاعي إلى السّخرية أحيانا من ذلك قول مسيلمة الكذّاب :" الفيل وما أدراك ما الفيل له خرطوم طويل وذيل قصير" في حين أذعن البعض وقال البعض الآخر بالصّرفة . ولم ييأس الذين كفروا من المحاولة حتّى في هذا الزّمن الذي يحارب فيه الإسلام بكلّ الطّرق سرّا وعلانيّة فقد أقدموا على تأليف كتاب سمّوه "الفرقان الحّقّ " صدرت أوّل نسخه في الكويت هذا البلد" العربيّ المسلم " عن جمعيّة اسمها " جمعيّة إحياء التّراث " . وسأسوق لكم بعض الأمثلة من هذا الفرقان المزعوم :

ففي الجهاد مثلا يقول :" وزعمتم بأنّا قلنا لنحرّض المؤمنين على القتال وما كان القتال سبيلنا وما كنّا لنحرّض المؤمنين على القتال إن ذلك إلاّ تحريض شيطان رجيم لقوم مجرمين "  فأين هذا من قوله تعالى :" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين " البقرة 190

ـ كذلك قولهم في سورة الصّلب :" إنّما صلبوا عيسى المسيح بن مريم جسدا بشرا سويّا وقتلوه يقينا " تبديل فاضح لقوله تعالى:" وما قتلوه وما صلبوه ولكن                               

شبّه لهم " النساء 157

3ـ الإعجاز البياني   :

يقول عبد القاهر الجرجاني :" إنّ إعجاز القرآن قائم بجانب فصاحته البالغة وبلاغته الخارقة وباسلوب بيانه ذلك البديع ممّا هو شأن نظم الكلام وتأليفه في ذلك التّناسق والتّلاؤم العجب الأمر الذي لا يمسّ شيئا من معاني القرآن وحكمه وتشريعاته " .

 إنّ عجز الوليد بن المغيرة عن مواجهة الرّسول الأكرم صلّى الله عليه وسلّم فيما قال من القرآن والحال أنّه مضرب الأمثال في البلاغة والفصاحة وهو الذي لقّبه القرآن بالوحيد لدليل قطعيّ على علوّ وسموّ هذا الكلام الإلهيّ لذلك التجأ الوليد إلى اعتباره سحرا لأنّه تجاوز قدراته الذّهنيّة " فقال إن هذا إلاّ سحر يؤثر"  . لقد حوي القرآن الكريم فصاحة وبلاغة مع التئام في الكلام هو من جنس كلام العرب في أسلوب خالف أساليبهم ومن هنا جاء افعجاز البيانيّ .

4 ـ الإعجاز العددي :

إنّ مجاله واسع وأمثلته كثيرة نكتفي منها بهذا الجدول الذي يذكر فيه عدد تكرار هذه الكلمات في القرآن  ومدى تناسبها مع ما اختصّت به إلاّ أنّه ما يلفت الانتباه الاختلاف في تعداد البرّ والبحر وفي ذلك سرّ كشف عنه العلماء فإذا جمعنا كلمات البحار وكلمات البرّ فنحصل على مجموع 45ثمّ نقوم بالمعادلة البسيطة التّالية :

32 : 45 × 100 =   28,88888888889   ثم ّ

13 : 45 × 100 =  71,11111111111 فيكون مجموع العددين 100

وهذه النّسبة المذكورة هي بالضّبط نسبة اليابسة بالنّسبة للبحر في الكرة الأرضيّة

الرّجـــــــــــــــل

المــــــــــــــرأة

24

24

الصّـــــــــــــلاة

5

الشّهــــــــــــــــر

12

اليــــــــــــــــــوم

365

الــــــــــــــبحر

الــــــــــــــــبرّ

32

13

 

5ـ الإعجاز التّشريعي :

أمّا الإعجاز التّشريعي سنأخذ مثالا واحدا وهو مثال تحريم الزّنا وذلك للأسباب التّالية : ـ لوروده في الكتاب المدرسي للسّنة من التّعليم الثّانوي ص 28 بعنوان " الرّسول يحتضن الشّباب "

       ـ لأنّه السّبب الرّئيسي في العديد من الأمراض التي استفحلت في هذا العصر

      ـ لوضوح الدّلالة فيه في التّفريق بين منهج الله ومنهج البشر .

ففي الوقت الذي يعتبر فيه بعض المنحلّين أو من لا دين لهم أنّ الزّنا تعبير عن الحرّية الشّخصيّة التي لا يجب أن تخضع لقيود حتّى وإن تزوّج الرّجل بمثيله كما هو الشّان في المجتمعات الأوروبيّة وتبارك الكنيسة هذا الزّواج ـ يعتبر الإسلام الزّنا جريمة وفاحشة وساء سبيلا لقوله تعالى :" ولا تقربوا الزّنا إنّه كان فاحشة وساء سبيلا " فهذا الأعرابيّ الذي أسلم ولكنّه طلب من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يسمح له بالزّنا . كيف أجابه ؟ قال له : " أترضاه لأمّك ؟" ثمّ عدّد له جملة المحارم من أقاربه النّساء وكان ي كلّ مرّة يجيب :" لا والله جعلني الله فداءك " فيجيبه صلّى الله عليه وسلّم :" ولا النّاس يحبّونه لأمّهاتهم " رواه أحمد في مسنده وسنده صحيح .

      لقد أوجعه في الصّميم ولكنّه صميم أعرابيّ أصيل يغار على محارمه لا ديوث يقرّ الخبث في أهله.

فالحكمة البالغة في تحريم الزّنا في الإسلام هي حماية الأعراض بدءا بأعراضنا نحن فالقيد والمنع لصالحنا لا علينا إلى جانب المضار التي تنجرّ عنه ويضيق المجال لتعدادها عبّر عنها القرآن بقوله :" ساء سبـيلا " ولنتأمّل فقط حالة التردّي التي أصبت عليها المجتمعات الغربيّة بسبب إباحة الزّنا والأمراض الفتّاكة التي باتت تنخر عظامه وحالة التفكك الأسري إلى حد ّانعدام الأسرة فماذا ينتظر من مجتمع كهذا ؟ لذلك قال الله تعالى :" ولو اتّبع الحقّ أهواءهم لفسدت السّماوات و الأرض "

5 ـ الإعجاز العلمي :

إنّ عظمة القرآن باعتباره معجزة خالدة تختلف اختلافا جوهريّا عن المعجزات السّابقة الحسّية التي لا تلزم إلاّ أتباعها ـ وإن كانت تلزمنا نحن بالسّماع والتّصديق ـ وهذا لا ينفي ان يجمع القرآن بين  الإعجاز الحسّي الموقوف على زمان وقوعه من ناحية والإعجاز الذي يتولّد ظهوره عند تطوّر العلم ليثبت حقيقة كونيّة في الأفق البعيد ما كان القرآن ليبرهن عليها  ـ باعتباره منطوق دائم الحركة ـ لو لم يستحثّنا الله لطلب العلم فكانت أوّل كلمة في القرآن "إقرأ " حتّى نتوصّل إلى مثل هذه الحائق إذ قال تعالى :" سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتّى يتبيّن لهم أنّه الحقّ أولم يكف بربّك أنّه على كلّ شيء شهيد ." فصّلت 53 فالآيات البيّنات تتراوح بين هذين الحدّين  الــــــــــذّات  بتفصيلاتها وجزئيّاتها المجهروإلوكترونيّة والآفـــــــاق المتباعدة التي أصبحت تقاس أبعادها بالسّنوات الضّوئيّة وبين هذا وذاك أمثلة دالّة وبراهين قاطعة على هذه الاستمراريّة الإعجازيّة وهذا التّناسب المبهر على تطوّر العقل الإنساني وهذه النّقلة النّوعيّة التي شهدتها الإنسانيّة من المادّة والمحسوس والمجسّد إلى المجرّد والمطلق واللامحدود .

لقد تعدّدت الدّلائل على الإعجاز العلمي في القرآن وحتّى في السنّة النبويّة المطهّرة وألّفت في ذلك المؤلّفات وألقيت المحاضرات وعقدت النّدوات وسأكتفي في هذا اللّقاء بضرب مثالين اثنين

المثال الأوّل : ورد في الكتاب المدرسي للتّفكير الإسلامي للسّنة الثّالثة شعبة علميّة ص 33 قولة لعبّاس محمود العقّاد ختمها بآيتين من سورة الحجر 13 ـ14 وقد أصاب في ما قال وإلى ما دعا ـ مع أنّ منطوق الآية دالّ على أنّ هذا القول " لقالوا " صادر من إنسان صعد إلى السّماء " فظلّوا فيه يعرجون " أي يصعدون بشكل منحني فإذا بهم في ظلمة حالكة بعد هذا العروج فقد ثبت بالحسّ والرؤيا هذا الأمر فبعد مسافة 200كلم من سطح الأرض تبدأ الظّلمة  الكاملة للكون وهي حقيقة لم يدركها العلماء إلاّ بعد البدء في اكتشاف الفضاء

ويعبّر الدّكتور زغلول النجّار في كتابه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم عن هذه الحقيقة المبهرة بقوله :" وأنا عندي تسجيل  لهذا الرّائد ، ما قاله هذا الرّائد يكاد يكون نصّ الآية القرآنيّة يقول :

I have olmost lost my eye sigh  or  some thing magic has come over me  

" إنّما سكّرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون "

هذا الكلام المنطوق من بل رائد  فضاء  أمريكي لا يعرف من القرآن شيئا ، ينطق بآية منه في زمن العلم والتّكنولوجيا تسجّلها المحطّات الفضائية ويسمعها العالم ويحتفظ بها عالم مسلم يبرهن على عظمة القرآن وصدقه ، كان أولى أن نظمّنها في كتابنا المدرسيّ نشدّ بها تلميذا ولّى وجهه عن كتاب الله علّه يستمدّ منه توازنه واستقراره النّفسي .

 

 

 

 
«البدايةالسابق1234567التاليالنهاية»

الصفحة 4 من 7