صفحة الاستقبال بيداغوجيا في فلسفة البرامج

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

في فلسفة البرامج
الكاتب: الأستاذ محمّد سخّانة   

يعتبر محمّد إقبال أنّ هناك مقاربتين ممكنتين لتوجيه البشر إلى الرقي الحضاري:

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله . أودّ في البداية أن أتوجّه بخالص عبارات الشكر والامتنان إلى جميع القائمين على مركز الدراسات الإسلامية بالقيروان، وأخصّ بالذكر السيّد حرّاث بوعلاّق مدير المركز، وزميلي وأخي السيّد محمّد الحبيب العلاّني، اللّذَين أتاحا لي هذه الفرصة لأقدّم جملة من الخواطر والأفكار حول البرامج الجديدة لمادتي التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي. يعتبر محمّد إقبال أنّ هناك مقاربتين ممكنتين لتوجيه البشر إلى الرقي الحضاري:

 

· المقاربة الأولى: هي العمل من خلال "التنظيم"، أي من خلال الارتقاء بمؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية وإدخال الإصلاحات المناسبة على هياكلها الإدارية والثقافية. وهو توجّه إصلاحي هيمن على الخطاب النهضوي الأوّل الذي رفع شعار "بلوغ الغايات بالتنظيمات"، والذي نجد صداه في كتابات الطهطاوي والأفغاني وخير الدين وغيرهم.

· المقاربة الثانية: هي العمل في الضمائر الفردية: وذلك بإعادة هيكلة المواطن العربي إلى ذات عقلانية مسؤولة قادرة على المبادرة والفعل.ومما لا شكّ فيه أنَّ تحديث الدولة والارتقاء بأداء مؤسساتها، ونشر قيم العدل والحريّة فيها، عناصر أساسية يتوقّف عليها كل رقي حضاري، لكنّ الذي يجب التأكيد عليه هو أنَّ أيّ جهد تنظيمي مهما كانت درجة العناية به، ومهما توفرت له من إمكانيات، محكوم عليه بالفشل «ما لم يمرَّ بتحوّل روحي وتأسيس قيمي في الفرد والمجتمع، بمستوى أعمق بكثير من أي عمل مؤسسي، وإلاّ فكل شيء سيجمّد بفعل الروتينية واللاعقلانية، ... »[1] ، وسيبقى الإنسان عنصرا سلبيا مهمّشا يسحقه التنظيم، لأنّه غريب عنه، لم ينبع من قناعاته ولم يشارك في صنعه، أو لأنّه عاجز عن تمثّل مقوماته ومبادئه والتفاعل معها، وسيُحوِّل الفردَ عندئذ إلى كائن سلبي عاجز عن المبادرة والإبداع والنقد. لذلك نعتقد اعتقادا جازما أنّ إشكالية النهضة اليوم لم تعد إشكالية التنظيمات والمؤسسات بقدر ما أصبحت مشكلة الإنسان العربي، وأنّ السؤال الذي حان الوقت للنخبة المثقفة أن تفكّر فيه بعمق أكبر هو: كيف نُحدث نقلة في تركيبة المواطن العربي تُحوّله من متفرّج سلبي يكتفي بالنظر الساذج إلى مشارك حقيقي ينخرط بإيجابية في الارتقاء بأداء المؤسسات وتفعيل القيم التي أنتجتها؟

إنّ الوضع في البلاد العربية والإسلامية يقتضي تفكيرا معمّقا يتجّه نحو تأسيس معادلة تُوفّق في الربط بين ثنائية إصلاح التنظيمات والمؤسسات و نشر قيم الحريّة والعدل من ناحية وإصلاح الذات العربية بتربية الضمير الفردي وتأهيله للمبادرة والفعل من ناحية أخرى.لقد خطت البلاد العربية منذ استقلالها خطوات هامة في طريق الإصلاح التنظيمي وتحديث المؤسسات، وتمكّنت من تحقيق إنجازات حقيقية في مختلف مجالات التحضّر والمدنية، ويمكن القول – على المستوى التنظيمي والإداري - إنّ الأمور تسير في اتجاهها الصحيح، وإنّ التخلّف تراجع بشكل واضح، مقارنة بما كان عليه الوضع منذ نصف قرن. لكن، ألم يكن بالإمكان أفضل مما كان؟ أو بلغة متفائلة تنظر إلى الأمام : أليس بالإمكان أفضلُ مما كان؟إنّ الهوّةَ التي تفصلنا عن الآخر المتقدّم، وحالةَ الانبهار بإنجازاته الحضارية الضخمة، والهزائمَ التي يُلحقها بنا يوما بعد يوم، والشعورَ بأنّ ما أنجزه أجدادنا هو أقصى ما يمكن تحقيقه،... معطيات تعمّق فينا حالة من الإحباط والعجز وتؤسس في كياننا – في وعيينا وفي لاوعينا - مقولة: ليس بالإمكان أفضل مما كان. إنّنا لا نسيء الظنّ عندما نقول: إنّ وضعا نفسيا متشائما يسكن الوجدان العربي ويخلق في كيان الذات العربية حالة من اليأس وضيق الأفق تُحوّل المجتمعاتِ العربيةَ إلى مجتمعات مستهلكة، متواكلة، ضعيفة الإرادة، محدودة الطموحات والآمال. إنّ تشخيصنا للواقع النفسي والذهني للذات العربية أفضى إلى عدد من الاستنتاجات نحسب أنّها قريبة من العلمية والموضوعية رغم ما يمكن أن تُتَّهم به من انطباعية أوتشاؤم. خلاصة هذا التشخيص أنّ الذات العربية تعيش أزمة تواصل متعددة الجوانب والأبعاد. وإن كنّا الآن لسنا بصدد تحليل نفسي للشخصية العربية، فإنّ ذلك لا يمنعنا من الإشارة إلى بعض مظاهر التأزّم والضعف فيها:

· أزمة تواصل مع الذات: ليس من باب الادعاء أو المبالغة أن نعتبر الإنسان العربي أكثر الناس عرضة للضغوط الاجتماعية والثقافية والدينية بالإضافة إلى الضغوط الأجنبية الاستعمارية، وهي ضغوط ساهمت إلى حدّ كبير في خلق تركيبة نفسية تتداخل فيها معطيات شديدة التعقيد. من أبرز مظاهرها، حالة الاستنقاص الذاتي التي يعيشها الضمير العربي في مستواه الفردي والجمعي على السواء، حالة تظهر بوضوح في النزوع إلى نقد الذات وتجريحها واتهامها بجميع العيوب الممكنة من لاعقلانية ورياء وخداع وتواكل وتهوّر وقلة احترام، إلخ... اتهام يقابله تمجيد للآخر الأوروبي واعتراف له بالأفضلية، والقرآن يقول: "كنتُم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ"[2]. وهي آية تعمّق سؤال الـخَيْرية، وتزيد من إرباك الإنسان المسلم الذي يعيش مفارقة مؤلمة بين ما يبشرّ به القرآن الكريم وما تعاينه الأمة من فشل وإحباط.إنّ أزمة الإنسان العربي هي بالأساس أزمة ثقة في النفس، تتولّد عنها بالضرورة أزمة ثقة في الآخرين، إذ كيف للمرء أن يثق في الآخرين وهو أصلا لا يثق في نفسه.

· أزمة تكيّف مع المحيط الاجتماعي: وهي امتداد طبيعي للصعوبات النفسية التي كنّا نعدّد بعضها. يعبّر عنها المواطن العربي بعدم رضاه وبشعوره بالمرارة إزاء ما أصبح سائدا في محيطه الاجتماعي من ممارسات بعيدة عن قيم الإسلام ومبادئه وعن قيم المدنية الحديثة، تظهر خاصة في الأنانية المفرطة وتشنّج العلاقات وقلة التضامن والاحترام.

· أزمة تكيّف مع المحيط المهني: إذا كان العمل بالنسبة للإنسان المتحضّر قيمة اجتماعية وحضارية، ووسيلة لتحقيق الذات والسموّ بها، وأداة للإبداع والإنجاز ، فإنّه في نظر العامل العربي عموما وسيلة لكسب الرزق ودرء الفقر وكفى، وهي نظرة سلبية بلا شك، تعتبر العمل –مهما كان نوعه- مصدر معاناة وشقاء، لا وسيلة للسموّ النفسي والفعل في الكون. يعيش العامل العربي صعوبات في التكيّف مع محيطه المهني، يعبّر عنها بكرهه لعمله وبالشكوى المتواصلة من تعب العمل وظروفه القاسية، وقلّة الأجر...، ويؤكّدها ضعف أداء العامل العربي وتدني مستوى إنتاجيته مقارنة بأداء العامل الأوروبي والياباني[3].

· أزمة تكيّف داخل الأسرة: لقد ساهم الوضع الجديد للمرأة[4] في الكشف عن واقع الأسرة العربية الذي تردّت فيه منذ قرون وفضح ممارسات القائمين عليها وطبيعة العلاقات داخلها، وهي علاقات وممارسات ساهمت بلا ريب في اهتزاز شخصية الفرد العربي وترسيخ الجهل والخنوع فيه طيلة القرون الماضية. أمّا الوضع اليوم فرغم تطوّره في اتجاه يبدو مبشّرا، فإنّه يحتاج إلى دراسات جديدة تعيد تحليل العلاقات بين مختلف أعضاء الأسرة تحليلا نفسيا- اجتماعيا يدرك طبيعة الأدوار الجديدة لأفرادها والتفاعلات التي جدّت بحكم معطيات اجتماعية وثقافية حديثة اختلطت بالقيم التقليدية والأحكام الفقهية وأربكت الرجل العربي والمرأة العربية على السواء، وحوّلت الأسرة إلى كائن متوتّر يبحث عن شخصية ذات خصوصية لم تتحدّد ملامحها ولا أدوارها بعد.

· أزمة تواصل مع الكون والطبيعة: ماذا يمثّل الكون بالنسبة للإنسان العربي؟ كيف يتفاعل مع قوانينه وسننه؟ وبأيّ معنى يدرك المسلم مفهوم "التسخير" باعتباره مبدأ قرآنيا حاملا لدلالات البحث والتدبّر والاستثمار؟ ما طبيعة علاقته به؟ هل هي علاقة خوف وعداء؟ أم هي علاقة شاعرية رومانسية ؟... نعتقد أنّها لا هذا ولا ذاك، هي أقرب إلى الحياد الساذج والسلبية اللامبالية، وأبعد ما تكون عن الإبداع واكتشاف السنن وتطوير العلوم، والقرآن يقول: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ»[5]، وكأنّ الأمر قد حسم والقناعة قد حصلت بأنّ: "الفعل في الكون هي مسؤولية الآخر المتطوّر وليست مسؤوليتي أنا". هذا الكلام يعيدني إلى الأسئلة التي طرحتها منذ قليل: ما السبيل إلى إعادة هيكلة الذات العربية؟ وما الوسائل المتاحة لإصلاح الضمير الفردي وتأهيله للمبادرة والفعل؟مما لا شكّ فيه أنّ الأمر شديد الصعوبة والتعقيد يحتاج إلى طول نفس ومعالجة جدّية وصادقة تفضي إلى وضع استراتيجيات إصلاحية شمولية تنجح في تعبئة وتوظيف كل الوسائل والإمكانيات المتاحة – وهنا دور التنظيمات والمؤسسات- يكون مقصدها الأساسي بناء شخصية عربية فاعلة وإيجابية، لا باعتبار ذلك شعارا يُرفع بل لأنّه أولوية مطلقة يتوقّف عليها كل رقي حضاري. وإذا كنّا لا نُهمل دور المؤسسات الإعلامية والثقافية وأجهزتها القادرة على تغيير الضمائر وتوجيهها إلى ما تريده لها أن تكون، بل نعتبر عملها مؤثرا وخطيرا، فإنّنا –إزاء تنوّع المشهد الإعلامي واختلاف خطابه[6]، وهو في اعتقادنا تنوّع يحدّ من سلطته وتأثيره- يمكن لنا أن نقرّر بكلّ ثقة أنّ المؤسسة التربوية والتعليمية هي القادرة فعلا على نحت شخصية عربية فاعلة ومبادرة، متى وفقنا في إحداث جملة من التغييرات في ثقافتنا وتقاليدنا التربوية، وهي ثقافة:

§ تهتمّ بما يحصل عليه من أعداد ودرجات أكثر من اهتمامها بالتطورات الحاصلة في كفايات المتعلّم ومكتسباته المعرفية والمهارية والسلوكية وقدرته على تفعيلها في الكون والطبيعة والحياة، هاجسها الأكبر نجاح التلميذ في الحصول على شهادة أو انتقاله من قسم إلى آخر. بل تنظر إلى المدرسة باعتبارها بوابة للتشغيل، تضمن لخريجها وظيفة قارة ومكانة اجتماعية، فمن النادر مثلا أن يسأل الوليُّ ابنه: ماذا تعلّمت؟ ولكنّه عادة ما يسأله: أيّ عدد تحصّلت؟

§ تعتبر «نسب الإخفاق في الامتحانات معيارا لجودة تعليمنا» [7]

§ تُقيم عقدا ضمنيا يحدّد الأدوار وفق التسلسل التالي:- يقدّم المدرّس -باعتباره مصدرا وحيدا للمعرفة- كمّا من المعلومات (لا يهمُّ أن تكون المعلومات بعيدة عن اهتمامات التلميذ، عديمة الدلالة والمعنى بالنسبة إليه)- يطلب من التلاميذ أن يعيدوا له ما تعلّموه منه، ويسند لهم أعدادا.

§ فيها صورة شديدة التعبير والدلالة: هي أطنان الأوراق والكراسات تُلقى أرضا أمام المدارس والمعاهد مباشرة إثر انقضاء الامتحانات آخر العام الدراسي، الصورة معبّرة بدون شك، يعلن التلميذ من خلالها أنّه يتخلّص مما درسه لزوال الحاجة إليه. فهي ثقافة تربوية تتعامل مع المعرفة باعتبارها مادة مستهلكة تُلقى مباشرة إثر استهلاكها. (le savoir jetable) .

§ تقيم أسوارا عالية وحدودا ضيقة بين المدرسة وما يحدث خارجها من تفاعلات اجتماعية وتطورات اقتصادية وثقافية، لأنّ دورها لا يتجاوز حشو الأدمغة بالمعارف والعلوم النظرية. لقد جاءت الخطّة التنفيذية لمدرسة الغد، 2002-2007 الصادرة عن وزارة التربية والتكوين معبّرة عن انشغالٍ وطني بضعف مردود المنظومة التربوية، والصعوبات التي تواجهها في تأهيل الناشئة للحياة العملية النشيطة وتنمية شخصية الفرد بما يساعد على تحرير المبادرة والتفاعل الإيجابي مع المحيط، وقد صرّحت (الخطّة) بالتحديات والرهانات الموكولة إلى النظام التربوي التونسي[8]، والتي من أهمّها: «إعداد الإنسان الذي يتعلّم، كيف يتعلّم، وكيف يعمل، وكيف يكون، وكيف يعيش مع الآخرين»[9]. هذه جملة من المعطيات والتساؤلات المتزاحمة، تحاول تشخيص بعض مواطن الخلل في شخصية الذات العربية والتي تحيل على السؤال الذي يعنينا بصفة مباشرة والذي هو مدار اهتماماتنا: ما الدور الذي يمكن لمادتي التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي أن تسهما به في إعادة بناء الضمير الفردي العربي وتأهيله للمبادرة والفعل؟ لا شكَّ أنّ المهتمين بالشأن التربوي عموما والمنتمين إلى مادة التربية الإسلامية من مدرسين ومشرفين خصوصا، تخامرهم أفكار وتساؤلات حول المادة (مقاصدها، دورها، مضامينها، مكانتها،...)، لكنّ الأمر يصبح شديد التعقيد والخطورة عندما يكون أحدنا في لجنة مكلّفة بكتابة برامج جديدة في التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي، عندها يشعر بثقل المسؤولية ويدرك أنّ المسألة أكبر من مجرّد خواطر جزئية أو تساؤلات نقدية، بل تتطلّب تفكيرا رصينا متأنيا يفضي إلى امتلاك تصوّر عميق متكامل لمنظومة متماسكة من المقاصد والمضامين والوسائل، عندها تتزاحم الأسئلة والأفكار، والخيارات. عملية بناء برامج جديدة في التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي يضعك أمام خيارات متنوعة ومعقدّة، يتداخل فيها الإيديولوجي والإبيستيمولوجي والبيداغوجي. واختزالا للمسألة، يمكن الحديث عن مقاربتين أساسيتين في كتابة البرامج المدرسية، لكل منهما مدخلها الخاص: المقاربة الأولى: ذات مدخل معرفي: تعتبر المحتويات المعرفية غايات في ذاتها، إذ ليس من المقبول مطلقا –في نظر المدافعين عنها- أن يغادر التلميذ المرحلة الإعدادية أو المرحلة الثانوية دون أن "نزوّده" بكمية من المعلومات عن الإسلام والإيمان والحلال والحرام، إلخ...وهو منهج في كتابة البرامج المدرسية يمرّ بالمراحل التالية:

1. تبدأ العملية بطرح السؤال التالي: ما المواضيع ذات الصلة بمادتي التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي التي يجب أن نقدّمها إلى تلاميذ المرحلتين الإعدادية والثانوية؟

2. للإجابة عن هذا السؤال، تنطلق عملية جرد وتصنيف للمواضيع والمسائل المنتمية إلى الثقافة الإسلامية، تفضي إلى تحديد قائمة مفتوحة تتضمّن عناوين رئيسة وأخرى فرعية قابلة للتفريع بشكل متواصل، نورد بعضها في الجدول التالي:

عناوين رئيسة عناوين فرعية
· العقيدة الإيمان – الإسلام – أركان الإيمان – أركان الإسلام – الوحي – النبوة – الملائكة – الغيب – اليوم الآخر- ...
· العبادة الصلاة – الصوم – الزكاة – الحجّ – الطهارة – أنواع الصلاة – التطوّع – العمرة - ...
· علوم القرآن التفسير- التأويل - المحكم و المتشابه – نزول القرآن- جمع القرآن- المكي والمدني- الناسخ والمنسوخ- مدارس التفسير - ...
· علوم الحديث السنة – دورها في التشريع – أنواع الحديث – الصحيح – الحسن- الضعيف- المتواتر- المشهور – الآحاد- تدوين الحديث- رواة الحديث- ...
· أصول الفقه مصادر التشريع – مقاصد التشريع - القرآن – السنّة الإجماع – القياس ... القواعد الفقهية-
· علم الكلام الأصول والفروع – الفرق الكلامية – المعتزلة – الخوارج – الأشاعرة- ... الذات والصفات- الكلام الإلهي- أفعال العباد- ...
· الفقه العبادات- المعاملات- الحدود- الحلال والحرام – الأحكام الفقهية - ...
· السيرة النبوية العهد الجاهلي- خصائصه – ولادة الرسول صلى الله عليه وسلّم- مكارم أخلاقه- البعثة- الرسالة-
· التاريخ الإسلامي عهد الصحابة- سيرة الصحابة- أبو بكر- عمر- عثمان- علي- ابن عباس - ... الدولة الأموية- العباسية- ...
· التشريع مصادر التشريع- القرآن- السنة- القياس- الإجماع – الاجتهاد-...
· المذاهب الفقهية المالكية – الحنفية – الشافعية – الحنبلية-...
· .............

3. يتم ترتيب هذه المواضيع حسب الأولوية وبمراعاة التوقيت المخصّص للمادة. ولأنَّ المضمون المعرفي الإسلامي من الثراء والأهمية بحيث يعسر التضحية بجزء منه على حساب الآخر، تتراكم العناوين والمسائل وتصبح من الكثافة بحيث يستحيل إتمامها في التوقيت المقرر الذي لا يتجاوز الساعة والنصف أسبوعيا[10]

4. توزيع المواضيع حسب المستويات، فنجعل الصلاة مثلا في السنة السابعة، والحجّ في التاسعة، والنبوة في السنة الثانية ثانوي، وهكذا.

5. نضع لكل درس مجموعة من العناصر الفرعية والأهداف الإجرائية، يتم التركيز من خلالها على البعد المعرفي، ونستعمل جملا من قبيل: يعدّد التلميذ أركان الإيمان، يدرك دور الإسلام في بناء شخصية متوازنة. يتعرّف الأصول الخمسة للمعتزلة، إلخ...ونكون بذلك قد استوفينا أهم عناوين التراث الإسلامي، يحدونا شعور بأننا أدينا الواجب وساهمنا قدر الجهد في المحافظة على الإسلام بأن نقلناه إلى الأجيال الصاعدة، وضمنا للمتعلّم حدّا أدنى من الثقافة الإسلامية تحفظ له هويته وتحميه من التيارات التغريبية.

المقاربة الثانية: ذات مدخل مقاصدي: تعتبر التلميذ مقصد العملية التكوينية والتربوية وغايتها الأساسية، لا باعتباره وعاءً يُملأ بالمعارف والأفكار، بل باعتباره شخصية واعية ومفكّرة متكاملة الخصائص والأبعاد. ولكي نضمن تنشئة متوازنة للمواطن تؤهله لأداء أدواره الإنسانية والاجتماعية على الوجه المطلوب، لا بدّ أن تراعي البرامج المدرسية أبعاده المعرفية-الذهنية والمهارية-الاجتماعية والوجدانية-السلوكية.[11] وليتحقّق التوافق بين هذه الأبعاد وبين المواضيع والأنشطة التعلّمية والتعليمية التي نقترحها عليه، لا بدّ من دراسة نفسية - اجتماعية تحليلية، تشخّص حاجات المخاطبين واهتماماتهم في كلّ مرحلة من مراحل الدراسة. وهو منهج في هندسة البرامج يقوم على تخطيط علمي، يبدأ بالتفكير في الحاجيات وتحديد المقاصد والأهداف قبل وضع الموارد والوسائل، هذا المنهج يمرّ عبر المراحل التالية:

1. تبدأ العملية بطرح ثلاثة أصناف من الأسئلة:

أ‌. أسئلة تتجّه إلى قراءة نقدية للبرامج القديمة، من قبيل: لماذا نغيّر برامجنا؟لماذا التفكير في برامج جديدة؟ هل لِخللٍ في البرامج القديمة أو لِقصورٍ فيها؟ أم لِأسبابٍ أخرى. هذه القراءة التحليلية النقدية مكّنت من التوصّل إلى جملة من النتائج، أختزلها في الكلام التالي:

لقد كان لبرامج التفكير الإسلامي التي تم اعتمادها منذ سنة 1991 الفضل في اكتساب مدرسي المادة مناهج في التدريس أكثر عقلانية وفتحت آفاقهم على مداخل جديدة للفكر الإسلامي، ودفعتهم إلى توسيع دائرة مطالعاتهم وتعميق بحثهم في عدد من الكتابات والدراسات المنتمية إلى مدارس فكرية حديثة... لكنّ من عيوبها: كثافة المادة المعرفية[12] واشتغالها على مواضيع بعيدة عن اهتمامات التلاميذ وإمكانياتهم الذهنية والمنهجية، وطريقة معالجتها المتأثرة غالبا بطريقة الأكادميين الجامعيين واضعي البرامج.

ب‌.أسئلة ذات طبيعة بيداغوجية منهجية، تهتم بالتفاعلات الذهنية والعرفانية التي تحدث للتلميذ عندما يكون في وضعية تعليمية – تعلّمية. أهمُّ هذه الأسئلة: كيف يتعلّم الفرد؟ ما الاستراتيجيات التي يعتمدها لبناء معارفه ومهاراته وتبني مواقفه وسلوكاته؟... وهذه الأسئلة هي مجال اشتغال المدارس والنظريات التربوية كالعرفانية والسلوكية والبنائية، وغيرها[13]، وما ترتّب عنها من مقاربات بيداغوجية وطرق في التدريس وبناء المناهج والبرامج المدرسية.

ت‌. أسئلة ذات طبيعة نفسية واجتماعية: أهمها: من هو التلميذ التونسي؟ ما خصائصه النفسية والذهنية في كل مرحلة من مراحل دراسته؟ ما اهتماماته؟ ما احتياجاته ومشاغله؟ ماذا يريد؟... ثم : ماذا نريد له أن يكون؟ ... تهدف هذه الأسئلة إلى تشخيص واقع التلميذ وفهم تركيبته النفسية والذهنية والاجتماعية، وهي تركيبة تتغيّر باطراد بحكمِ التقدّم في السنّ وبحكم التحولات التي يعيشها كل فرد من سنة إلى أخرى ومن مستوى دراسي إلى آخر.إنّ الإجابة عن تلك الأسئلة يتطلّب بحثا عميقا ودراسة علمية تستفيد من مجلوبات علم النفس التربوي وعلم النفس الاجتماعي ومختلف المقاربات والتجديدات البيداغوجية، تساعد على قراءة تحليلية وموضوعية للذات العربية، تستوعب طريقة تفكيرها وأهم خصوصياتها الوجدانية والعاطفية وترصد مواطن القصور والضعف فيها. وكما كان الأمر في المقاربة الأولى التي أفضت إلى وضع قائمة في عناوين المحاور والدروس، فإنّ هذه المقاربة بدورها تقتضي تحديد قائمة ترصد هذه المرة الخصائص والاحتياجات النفسية والذهنية والوجدانية للتلاميذ في كل مرحلة من مراحل نموهم: جدول يختزل أهم خصائص المراهقة واحتياجاتها في مختلف مراحلها

المرحلة الأولى: مرحلة البلوغ (11-15 سنة) المرحلة الثانية: المراهقة الحقيقية ( 16-20 سنة)
فترة ما قبل البلوغ (11-13 سنة) فترة البلوغ الحقيقي (12-15 سنة) فترة الانفتاح على الآخر (15-17 سنة) فترة التميّز الشبابي (17-20 سنة)
خصائص النمو البيولوجي والنفسي والذهني والاجتماعي - زيادة في طول الجسم ووزنه- رفض منزلة الأطفال- الفضول الجنسي مع عدم اكتمال نضج الغرائز- وضع التماهيات السابقة موضع التساؤل (سن الجحود)- فترة الصداقة لمثلية أو الصديق المرآة - اكتمال الوظيفة الجنسية (الإنجابية) وتيقظها- نضج الدماغ- اضطراب في شهية الأكل - شدّة التأثر بالتعب والشعور بالإرهاق البدني والذهني- الاهتمام المتزايد بالأناقة وجمال الجسد- النرجسية والأنوية - الرغبة في بناء علاقة عاطفية مع لجنس الآخر (الحاجة إلى الحبّ المتبادل)- النزعة إلى بناء أنساق فكرية ونظريات مثالية - مركزية الذات- الانخراط في مجموعات الأقران - رفض سلطة العائلة وبناء صداقات متعددة - الشعور بالغربة عن الذات وعن الآخرين لإحساسه بالتفرّد أو التميّز- تبني قيم خاصة وبروز قدرات خاصة- النزوع نحو معارضة الوالدين والثورة على المجتمع والكون- فترة صراع عنيف تنتهي عادة بتقبّل المراهق لذاته كإنسان-
ò ò ò ò
الانعكاسات السلوكية - نزعة نحو التمرّد- صراع مع المحيط الأسري- عدم انتظام العمل المدرسي- ميل إلى التشويش وإحداث الشغب داخل القسم- عدم البوح بالأسرار إلى الوالدين- الكذب والسرقة أحيانا - نقص الاهتمام بالعمل المدرسي- بروز الميولات الجنسية الحادة- المبالغة في العناية بالمظهر الخارجيï مرحلة المرآة- يبني المراهق عالمه الخاص- بداية البحث عن الاعتراف والسند - الاحتجاج على القيم العائلية والاجتماعية ورفضها- تبني الأفكار الفلسفية والإيديولوجية- اتخاذ قدوة للتماهي والمحاكاة- الانشغال بالمستقبل الدراسي والمهني- كثرة النقاش والجدل ووضع كلّ القيم والمؤسسات موضع الشك والنقد - التصرّف على شاكلة الكبار- تغيرات واضحة في المزاج والسلوك- اللامبالاة والثورة تجاه المجتمع- بروز النزوات الحادة والمضادة لقيم المجتمع (الانقطاع عن الدراسة، العنف، التفكيرفي الانتحار..)

2. تفضي هذه الدراسة إلى اتخاذ قرارات:

v بشأن المقاربات المنهجية والبيداغوجية المناسبة لواقعنا الثقافي وطرق التدريس الكفيلة بتطوير قدرات التلاميذ الفكرية ومساعدتهم على بناء مواقفهم وتصوراتهم

v بشأن المواضيع والمسائل القريبة من اهتمامات المتعلمين ومشاغلهم في كلّ مرحلة عمرية

v بشأن طريقة معالجة هذه المواضيع ونوعية الخطاب الذي نقدّمه للتلاميذ بحيث يكون قريبا من طريقة تفكيرهم وتطلعاتهم وفيّا للثوابت والأصول الإسلامية المعتدلة

v بشأن ما يجب تغييره في التركيبة النفسية والذهنية للمراهق والشاب، وما يجب تأسيسه فيه من قيم العقلانية والمسؤولية والمبادرة والثقة في النفس: - فهل المطلوب نقل تراث الإسلام إلى الأجيال المتعاقبة باعتباره جملة من المبادئ والمقولات العقدية والتشريعية والأخلاقية اكتمل تأسيسها في الماضي بصورة مستقلة عن ثقافة الناس وطريقة تفكيرهم في القرن 21؟ وما على المخاطب بها إلا أن يتلقاها باعتبارها قوالب جاهزة نهائية، يستهلكها ويسلّم بها دون تفكير أو إبداء رأي، فيكون دور المادة دورا تلقينيا يكتفي بسرد جملة من الأحداث التاريخية مقترنة بعدد من القيم والأحكام، تتحوّل به إلى دراسة شكلية لتاريخ الإسلام أو تاريخ الثقافة الإسلامية، ودورا تمجيديا يتحسّر على ماض مجيد، يقول للتلميذ : كنّا وكانت لنا حضارة، وكان أجدادنا يسودون العالم ويطورون الفكر والعلوم. - أم المطلوب مساعدة المتعلمين على أن يعيشوا المغامرة مع الإسلام ، بكل ما تحمله المغامرة من معاني القلق والبحث والاكتشاف: «بحث عن الله، واكتشاف تدريجي لله» من خلال عظيم خلقه وبديع نظامه؟ سيرا على خطى الأنبياء الذين عاشوا التجربة مع الله، قلقا وبحثا واكتشافا، تجربة تصورها قصّة إيمان إبراهيم عليه السلام كأعمق ما يكون التصوير.

سنحاول في المحطتين القادمتين الإجابة عن هذا السؤال من خلال:

Ø قراءة سريعة في البرامج الجديدة للتربية والتفكير الإسلامي ترصد بعض أبعادها الإصلاحية

Ø الاشتغال على عينات من الدروس الواردة فيها يبرز طريقة أهم مقاصدها وطريقة معالجة مضمونها

الأبعاد الإصلاحية في برامج التربية والتفكير الإسلامي 1

- بناء الذات من خلال برامج المرحلتين الإعدادية والثانوية:

إنّ العناوين التي تمّ اختيارها لتندرج ضمن البرامج الرسمية لمادتي التربية والتفكير الإسلامي، ليست غاية في حدّ ذاتها، إنما هي موارد نتوسّل بها لتحقيق جملة من الكفايات والاقتدارات المندمجة والتي جاءت في وثيقة البرامج تحت عنوان: غائيّات مادّتي التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي، وهي على كما يلي:

· يستثمر التلميذ نصوصا من القرآن والسّنة بتمثّل معانيها وتوظيفها في نشاطه الفكري وحياته العمليّة

· يوظـف مكتسباته العقدية والقيمية بما يحقّّق تواصله مع الآخرين تواصلا إيجابيّا قائما على الاعتدال والثقة بالذات

· يعبّر عن وعيه بمبادئ الإسلام ومقاصده، متبيّنا حضورها عبر التاريخ تأصيلا لكيانه وتفاعلا مع الفكر الإنساني.

· يؤدّي العبادات بكفاية ووعي ويتمثّل أحكامها ومقاصدها

· يتمثّل بعض أحكام المعاملات ويتبيّن دورها في تحقيق التوازن الفردي وتنظيم الحياة الاجتماعية.أودّ أن أتوقف قليلا عند هذه الغائيات لأشير إلى أنّ هذه الغايات:- تتجّه بصورة مباشرة وصريحة إلى تنمية ضمير الفرد ووعيه بمبادئ الإسلام بما يحقّق إيجابيته وفاعليته في محيطه الطبيعي والاجتماعي- لا تتحدّث عن المضمون المعرفي لأنها لا تعتبره مقصدا في ذاته بل موارد ووسائل لخدمة الأغراض المذكورة

2- إصلاح مناهج التعليم: اعتماد البنائية وبيداغوجيا حلّ المشكلات الفلسفة التي انبنت عليها البرامج الجديدة لمادتي التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي، لا تؤمن كثيرا بالتراكم المعرفي وحشو الأدمغة بالمضامين الجاهزة، بقدر ما تدعو إلى التفكّر في عدد من القضايا والمشكلات المتصلة بالحياة والإنسان وفق منهج يقرأ الوحي والواقع بعقل تحكمه ثلاثية "الإبداع" والاجتهاد" و "الإيجابية" وهو عمل تأسيسي يعتمد أسسا مرجعية -بيداغوجية وإبيستيمولوجية- تعتبر التلميذ شريكا حقيقيا في إنتاج المعرفة، تسند له الدور الأكبر في بناء مكتسباته وتبنّي مواقفه من خلال تفكير متدرّج وعميق في قضايا قريبة من مشاغله واهتماماته ذات علاقة بواقعه وطموحاته. وهذا الأمر يتطلّب تفعيلَ منهج بنائي في الممارسة البيداغوجية يضفي مزيدا من المعنى والدلالة على التعلّمات، ممارسة تسقرئ هموم التلاميذ وطريقة تفكيرهم والأسئلة التي تجول بأذهانهم، وتساعدهم على تحليل الإشكاليات المعروضة عليهم وبناء مواقف عقلانية وإيجابية إزاءها وفق معالجة علمية تفتح أذهانهم على ما أنتجه التفاعل بين الوحي والعقل من أفهام وحلول تستجيب لمقتضيات النصّ ومتطلبات الواقع وتؤسّس لديهم وعيا بقدرة الإسلام نصّا وشريعة وفكرا على مواكبة التطورات التي تشهدها الإنسانية كل يوم. وتجسيما لهذه الرؤية البنائية، صدرت الكتب المدرسية الجديدة وفق مقاربة بيداغوجية نعتمدها لأول مرّة في تاريخ المادة هي بيداغوجيا حلّ المشكلات[14] حيث ينطلق كل درس من وضعية استكشافية تتمثّل في مشكلة أو دراسة حالة يتفاعل معها التلاميذ تفاعلا حرّا قبل أن ينطلق في معالجة قضايا الدرس، وهي معالجة تتم من خلال الاشتغال على عدد من الأنشطة والتمارين الواردة في مرحلة التحليل والاستثمار، وهي أنشطة متدرّجة في بنائها، مساعدة على التفكير والاستنتاج. أمّا مرحلة التوظيف والنقد فهي عمل تأليفي يوظّف خلاله المتعلّم مكتسباته لبناء مواقف إيجابية يكون قادرا على البرهنة عليها. إنّ المنهج الذي تريد مادتا التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي تأسيسه في ممارساتنا التعليمية والتعلّمية يقوم على أساس تحويل الشعور الباطن بالعقيدة إلى حركة سلوكية واقعية، تتدرّج بالتلميذ في اكتشاف ثوابت العقيدة الإسلامية وبناء تصوّر للكون والحياة قائم على التوحيد باعتباره رؤية عقلانية متكاملة تحقّق مصالحة الإنسان مع نفسه وخالقه وتبني جسور التواصل بينه وبين محيطه الطبيعي والاجتماعي.

3- التفكير في التلميذ قبل التفكير في المادة المعرفية: إدراج مواضيع جديدة: اتجاه البرامج الجديدة نحو بناء الضمير الفردي اقتضى إدراج مواضيع جديدة على المادة، منها ما كان بعيدا عن اهتمامات المدرسة التونسية بمختلف موادها. وسنرى من خلال هذا العرض الموجز أنّ ما نستهدفه بعيد كل البعد عن حشو ذهن التلميذ بالمعارف والخلاصات التي كنا نطالبه بحفظها واسترجاعها يوم الامتحان، بل هو يتجّه في معالجة واقعية عميقة إلى تنمية شخصية الفرد وترسيخ قيم الفاعلية والإيجابية فيها. في هذا العرض لن أتوقّف عند جميع المسائل الواردة في البرامج - فذلك يتطلّب دراسة من حجم آخر لا يتّسع لها هذا الملتقى- لكنّي سأشتغل على عينات من العناوين الواردة فيها باعتبارها نماذج معبّرة عن الروح التي اتسمت بها وصدى للرؤية الإصلاحية المعتمدة فيها.

من هذه المواضيع: في المرحلة الإعدادية

عنوان الدرس أهم مقاصده: مساعدة الطفل على:
· الصحّة البدنية - الانتقال الطبيعي والسليم من مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة (المبكّرة)- الوعي بالتحولات الجسمية والنفسية التي تبدأ في الظهور تدريجيا.- الوعي بدور الإنسان المؤمن ومسؤوليته في المحافظة على صحّته البدنية والنفسية ورعايتها عملا بقوله تعالى: "وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ"- تنمية مفهوم الذات لديه، وتهيئته لاكتساب شخصية فاعلة مطمئنة متوازنة- معالجة بعض الظواهر المخلة بالصحة النفسية: الخوف، التردّد، ...- اكتساب خبرات ومهارات جديدة تمكّنه من ربط علاقات إيجابية بالناس واتخاذ قرارات صائبة في الوضعيات النفسية والمواقف الاجتماعية التي ستعترضه مستقبلا باعتبار انخراطه التدريجي في المحيط الاجتماعي واتساع أفقه. -الوعي بأنّ حواسَّ الإنسان نعمة إلهية يجب توظيفها توظيفا خيّرا :+ بالإحسان إلى الناس عملا بقوله تعالَى: «وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً » (الإسراء 36)+ باستخدامها في طلب العلم واكتشاف سنن الكون عملا بقوله تعالى: «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا» (الحج46)
· الصحّة النفسية
· مسؤولية الحواس

في المرحلة الثانوية

عنوان الدرس

أهم مقاصده : مساعدة المتعلمين على:
· المصير ومعنى الحياة § الوعي بالمصير في معانيه المتعددة (الغد-الموت-الآخرة..)§ الوعي بدور المصير في الأخذ بالأسباب والتخطيط للمستقبل.§ تعميق فهمهم لعقيدة القدر وأن الإيمان بالقدر لا يلغي السعي ولا ينافي مسؤولية الإنسان§ معالجة عدد من القضايا ذات الصلة بمشاغلهم ودعوتهم إلى التعبير عن أهدافهم والتفكير في سبل تحقيق طموحاتهم§ بناء شخصية قادرة على تجاوز الصعوبات والعراقيل واتخاذ مواقف واضحة وموضوعية تساعدها على الانخراط في مجتمعه وعصره في إطار وعيه بأنه صانع قدره§ بناء شخصية إيجابية مريدة وفاعلة..
· الأمل والصحة النفسية § بناء أنساق فكرية ومواقف إيجابية من الكون والحياة، باستثمار ما فيهم من استعداد نفسي ونزوع نحو التفكير المجرّد § تجاوز صعوباتهم النفسية ومشاركتهم مشاغلهم عبر مقاربة تحليلية نقدية، لتساؤلاتهم عن القيم والمبادئ السائدة في محيطهم الاجتماعي والثقافي وتمردهم عليها§ دراسة بعض الظواهر النفسية والاجتماعية كالإحباط واليأس، والعزوف عن الحياة والإدمان والجنوح..، وبيان دور الإيمان في معالجة هذه الظواهر وتحقيق التوازن النفسي. § تحليل جملة من المفاهيم النفسية الإيجابية كالتفاؤل وعدم اليأس والتوكل§ تناول أكثر من تجل للأمل: التوبة بعد المعصية-اليسر بعد العسر-النجاح بعد الفشل-الأمل مقترنا بالتوكل والأخذ بالأسباب.. § الاشتغال على عينات من الواقع الاجتماعي (تقنية دراسة حالة)§ توظيف معاني الأمل والتوكّل الواردة في القرآن الكريم § استثمار قصة يوسف عليه السلام كنموذج للثقة في الله والأمل
· علاقة المعلّم بالمتعلّم - الوعي بأهمّيّة التواصل بين المعلّم والمتعلّم في إنجاح العملية التربوية- تمثّل أثر هذه العلاقة في تنمية شخصياتهم وتواصلهم مع الكهول- دراسة حالات من الواقع المدرسي وتحليل وضعيات معروضة على مكاتب الإصغاء أو مجالس التربية.

 


[1] هشام جعيط، الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، ، ص 146 دار الطليعة بيروت
[2] آل عمران 110
[3] أصدرت المنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة (UNESCO) دراسة حول إنتاجية العامل خلال يوم عمل (8ساعات) في مختلف دول العالم وردت فيها الأرقام التالية: في اليابان 8 ساعات إنتاج على 8 ساعات عمل، في الدول الأوروبية يتراوح الرقم بين 6 و7 ساعات إنتاج على 8 ساعات عمل، أفضل رقم عربي في لبنان هو 45 دقيقة على 8 ساعات، في تونس 30 دقيقة على 8 ساعات.
[4] نتحدّ هنا عن وضع جديد للمرأة العربية، وهو وضع لا يعني ضرورة أنّ المرأة تعيش الحرّية بمفهومها الناضج، الذي لا يفرّق بين الحرية والمسؤولية.
[5] الملك 15
[6] نرى أنّ هذا التنوّع في القنوات الفضائية ومواقع شبكة الانترنت وغيرها يخلق نوعا من التوازن بينها ويحدّ من تأثيرها متى كانت الذات المتلقية عقلانية ومسؤولة ومتحرّرة، وهي القيم التي يجب أن تحقّقها التربية والتعليم في روادها، ولا يمكن لأي طرف أن يبنيها فيهم إلاّ المدرسة.
[7] الخطّة التنفيذية لمدرسة الغد، 2002-2007 ، ص25
[8] وردت هذه المعاني في كتاب الإصلاح التربوي الجديد الخطّة التنفيذية لمدرسة الغد، 2002-2007 الصادر عن وزارة التربية والتكوين
[9] الخطّة التنفيذية لمدرسة الغد، ص 17
[10] معدّل الدروس في البرامج القديمة التي تم العمل بها منذ 1991 هو 34 درسا ، تتطلّب نظريا 68 ساعة لإنجازها، في حين المعدّل السنوي للساعات المخصصة لتدريس المادة (بعد طرح الوقت المخصص للفروض والإصلاح...) لا يتجاوز 32 ساعة لذلك من النادر جدّا أن نجد أستاذا يوفق في إتمام البرنامج عدا برنامج البكالوريا حيث يضطرّ الأساتذة غالبا إلى إضافة ساعات أو توزيع مطبوعات.
[11] هي ترجمة تقريبية لـ savoirs – savoir faire – savoir être ، على أنّي أحبذ ترجمة - – savoir être بالكينونة لأنها تحيل على قدرة الفرد على بناء ذاته وتحقيق كيانه.
[12] انبنت فلسفة برامج 1991 على خلفية إيديولوجية متأثرة بلحظة إنتاجها، وهي لحظة تميزت ببداية انتشار خطاب ديني سلفي اُتهم بالتطرّف واللاعقلانية، وهذا ما يفسّر كثافة المضمون المعرفي، الذي جاء ليحقّق التوازن بين الخطابين
[13] - المدرسة السلوكية (Behaviorisme)نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية على يدي watson، وتذهب إلى أنّ عملية التعلّم تقوم على الربط بين المثير والاستجابة (Stimulus ® Réponse) تركّز على النتائج الظاهرة من الأفعال والأحداث والأشياء من أشهر روادها: Pavlov و Skinner - المدرسةالعرفانية (Cognitivisme) يمثلها Chomsky و Tardif وتركّز على العمليات الذهنية أثناء التعلّم وخاصة على التمشي processus d’apprentissageبمعنى أن التعلّم تمشٍ وليس نتيجة معرفية- المدرسة البنائية (Constructivisme) يمثّلها Piaget ، وهي تعتبر أنّ الفرد يتولى بنفسه بناء المعرفة وإغنائها من خلال تعامله مع المشاكل المطروحة عليه - المدرسة البنائية - الاجتماعية socioconstructivisme تقول بما جاء في المدرسة البنائية وتضيف أن عملية التعلّم تقوم على التبادل والتعاون مع الآخر
[14] تنطلق "بيداغوجيا حل المشكلات (Pédagogie de la résolution de problèmes): من مبدإ مفاده : إنَّ الحياة عبارة عن مجموعة المشكلات ولكي يضمن الفرد تكيّفه مع محيطه الاجتماعي، ينبغي أن: يكون قادرا على مواجهة تلك المشكلات والتفكير فيها وإيجاد الحلول المناسبة لها. يعتمد استراتيجية عمل تقوم على اتباع خطوات متدرجة تمثّل سيرورة إنتاج المعرفة في موضوع معيّن يمتلك القدرات والمهارات الضرورية التي يحتاجها للتكيّف مع الوضعيات التي يمكن أن تعترضه في حياته اليومية. تقدّم "بيداغوجيا حل المشكلات بديلا مغايرا لما هو مألوف في الممارسات البيداغوجية السائدة، وهي ممارسات تقوم عادة على:§ التدخّل المباشر في توجيه عملية التعليم والتعلّم من خلال اعتماد الاستجواب (سؤال / جواب) كوسيلة للتوصّل إلى المعارف المستهدفة§ التركيز شبه الكلّي على المضامين المعرفية وإهمال الجوانب المهارية والسلوكية § تجزئة المعارف وتقطيعها بصورة يفقدها ترابطها وتكاملها§ إسناد دور ثانوي للمتعلّم يتمثّل في ç هي ممارسات تقلّل من دور المتعلّم وتخلق فيه كسلا ذهنيا وفي القسم جوا من الرتابة والخمول