صفحة الاستقبال مكتبة المدرّس الذكاء ، سمة وراثية أم صفة مكتسبة ؟

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

الذكاء ، سمة وراثية أم صفة مكتسبة ؟ طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: وحيد رحيم   

الذكاء ، سمة وراثية أم صفة مكتسبة ؟

بقلم السيد : وحيد رحيم ( متفقد المدارس الإعدادية والمعاهد )

 

... عرف مفهوم الذكاء Intelligence)) على امتداد أكثر من قرن من الزمن عدة معاني ودلالات تنوعت واختلفت باختلاف مجالات الاختصاص من علم نفس وعلم اجتماع وما حام حولهما من علوم تربوية أخرى كعلم النفس التربوي وعلم الاجتماع التربوي وعلم النفس الاجتماعي – التربوي ...

وقد ارتبط تعريف الذكاء في مجال العلوم النفسية والتربوية وخاصة انطلاقا من عشرينات القرن الماضي بما يعرف " بمنهج الروائز" [1] الذي نشأ بغاية الحصول على آلية دقيقة وسريعة تمكن من قيس القدرات الذهنية للأفراد وتصنيفهم بالاعتماد على تحديد كمي لسماتهم وقابليتهم للتعلم [2]

ففي مجال علم النفس يعرف الذكاء على أنه : " المقدرة على تنفيذ اختبارات أو تأدية مهمات تنطوي على فهم استيعابي للعلاقات حيث تتراوح درجة الذكاء تبعا لتعقد العلاقات أو تجريدها .." [3]

 أما في مجال علم النفس التربوي فقد عرف الذكاء بكونه " نوع من القدرات العامة التي تمكن الفرد من إنتاج كفايات أو مهارات في مستوى معين " ( l’intelligence est une sorte de capacité générale permettant à l’individu de produire des performances d’un certain niveau )

وفي نفس هذا السياق عرف " بياجي " – Jean Piaget [4] الذكاء بأنه " القدرة على معالجة مجموعة من المعارف وتملكها وإعادة استثمارها من جديد [5] ( l’intelligence est la capacité à traiter , acquérir et réutiliser des connaissances )                                                                       

وهكذا تبدو التعريفات التي اقترحت للذكاء وخاصة في النصف الأول من القرن العشرين مقترنة بمصطلح " القدرة " أو " المقدرة " ( capacité) فمن امتلكها كان" ذكيا" ومن افتقدها كان غير ذلك ( غبيا ، متخلفا ذهنيا ... ) وهذه المسألة منطقية في نظرنا باعتبار أن " الذكاء" في حد ذاته مصطلح مجرد قد لا يعني شيئا إلا متى اقترن بقدرة أو كفاية معينة كالقدرة على التفكير والتحليل والاستدلال والتذكر و التمييز... ولكن السؤال الذي يمكن أن يطرح في هذا السياق يتعلق بأصل هذه القدرة أي بمصدرها ، هل هو مصدر داخلي – ذاتي يجد مبرراته في التركيبة الذهنية للإنسان وما تحويه من خلايا عصبية وتنظيمات جينية ، أم أنه مصدر خارجي – موضوعي له علاقة بالبيئة والمحيط الاجتماعي و الأسري والمدرسي والثقافي لهذا الكائن المتميز ؟

الملاحظ أن التعريفات " الكلاسيكية " للذكاء والتي أوردنا بعضا منها ،  قد انطلقت من        " ذات " الإنسان ، أي من خلفية فيزيولوجية – وراثية ترتبط باكتمال الجهاز العصبي من عدمه كما ترتبط بسلامة المدارك العقلية من عدمها ولم تكترث بالتالي إلى العوامل الخارجية المحيطة بهذا الكائن البشري والتي قد تؤثر تأثيرا قويا ومباشرا في نمو ذكائه...

وهذه التعريفات وغيرها لم تقترح جزافا بل ارتبطت كما هو معلوم بتيار كامل ، يعرف بتيار " الحتمية الوراثية " والذي بالغ كثيرا في إيمانه بالعوامل الموروثة في تشكيل ذكاء الأفراد متجاهلا التأثيرات البيئية على القدرات العقلية تجاهلا كاملا و محاولا إخضاع هذه الملكة للقيس من خلال اختبارات معينة ...

ومن المعلوم أن هذا الاتجاه قد استند إلى ما يعرف بسلم الذكاء المتري للفرنسي " ألفريد  بينيه " ليجري آلاف الاختبارات التي نشطت وذاع صيتها في بريطانيا وفي الولايات المتحدة الأمريكية  خلال حقبة العشرينات من القرن العشرين وحتى قبلها بقليل على أيدي متحمسين كثر لمثل هذه التقنيات الجديدة آنذاك ، كـ " فرنسيس جالتون " و " روبرت بيركس"  و" هـ. جودارد " وغيرهم ، والحقيقة أن اختبارات الذكاء التي أجراها هؤلاء لم تكن دائما بريئة ولغايات علمية صرفة ، بل كانت قابلة للاستخدام تجاريا وقوميا وحتى عنصريا [6] لفرز الأفراد سريعا وبسهولة في اتجاهات مختلفة كما لو كانوا قطعانا من الماشية . فقد بين اختبار الذكاء الذي أجراه " هـ.هـ. جودارد " – H.H.Goddard   على الأمريكيين وعلى من يرغبون في الحصول على الجنسية الأمريكية أن عددا كبيرا من المهاجرين إلى الولايات المتحدة    

" أغبياء " [7] ونفس الشيء قام به " ر. بيركس " الذي أقنع جيش الولايات المتحدة الأمريكية بأن يسمح له بإجراء اختبارات الذكاء على ملايين من المجندين في الحرب العالمية الأولى ليدعم دعواه بإمكانية استخدام هذه الاختبارات لغايات انتقائية " تحل بمقتضاها السلالات البشرية الأفضل مكان السلالات غير الكفءة " على حد تعبير" ف. جالتون" – F.Galton [8]

( F. Galton : Inquiries into human faculty . Macmillan , London . )      

ومهما يكن من أمر ، ومهما قيل عن هذا الاتجاه فإنه لم يسد طويلا إذ تكاثر منتقدوه وخاصة بداية من ستينات القرن الماضي حيث برز اتجاه جديد يدعو إلى تخليص الذكاء البشري من القيود الوراثية التي حاول البعض تكبيله بها مؤكدا على أهمية العوامل البيئية الخارجية وعلى تأثر معامل الذكاء بالتعليم وبتكرار التعلم فالمسألة إذن مسألة تدريب على الذكاء أكثر منها أمرا وراثيا مكتسبا ، يقول " ستيفن جاي جولد "- Stephen Jay Gould [9]  : " المغالطة الوراثية لا تكمن في الادعاء البسيط بأن الذكاء " وراثي " إلى درجة ما ، وإنما تكمن في المساواة بين ما هو " وراثي " و ما هو " حتمي " [10] ...

ومن البديهي أن تتمخض عن هذا الاتجاه تعريفات جديدة للذكاء تأخذ بعين الاعتبار المحيط الذي يعيش فيه الفرد والمجالات التي يتحرك داخلها وجملة التفاعلات التي يقيمها مع الآخرين ( الأولياء ، المدرسون ، الأقران ...) ومختلف الوضعيات التي يتواجد فيها إما بإرادته أو بدونها ...[11]

وفي هذا السياق كثيرا ما يعرف علم النفس الحديث " الذكاء " انطلاقا من مصطلحات مثل     " وضعيات " ، " مواقف مستجدة " ، " تكيف مع البيئة " .. فالذكاء بهذا المعنى هو :         " مقدرة على مواجهة وضعيات أو مواقف مستجدة والتكيف مع البيئة بواسطة استجابات جديدة" ، وهذه الرؤية الجديدة للذكاء انتقلت بدورها إلى علم النفس التربوي الذي بينت أبحاثه في هذا المجال أن قدرة الفرد على التعلم أي على استخدام ذكائه مرتبطة بعدة عوامل كالسياق الذي وضع فيه وطريقة فهمه للوضعية المقترحة وكيفية تأويله للتعليمة ودرجة إيمانه بقدراته وثقته بنفسه .. ونفس هذه الفكرة عبر عنها " أندريه تريكو" – A. Tricot [12]

ولكن بتفصيل أكثر حيث عدد مختلف العوامل التي تؤثر في فهمنا كمتعلمين وبالتالي في درجة ذكائنا :

- فمن ناحية تبقى كفايات الفرد في علاقة وثيقة  بالمجال أو السياق إذ بإمكانه التفكير منطقيا عند حله لمشكل رياضي مثلا والعجز عن ذلك عند تغير السياق كأن يفكر بنفس المنطق عند حله للمشاكل التي تعترضه في الحياة اليومية .

- ومن ناحية أخرى تفيد مختلف التجارب والأبحاث أن صعوبات التعلم عادة ما تتعلق بمجال معين من التعلمات ( قراءة ، حساب ، لغة ...)  دون بقية المجالات الأخرى .

- قد يكون المتعلم متملكا لكفاية معينة ولكن لسبب أو لآخر لم يستطع إبرازها واستثمرها في انجاز المهمة كأن ينطلق من تصورات معينة أو يكون فهمه للتعليمة فهما خاطئا أو منقوصا نتيجة التسرع أو بسبب الأسلوب الذي اعتمده المدرس في صياغتها...

و لتوضيح هذه النقطة يقترح علينا " أ. تريكو" التجربة التي قام بها عالم النفس الفرنسي    

" ج.م. مونتاي " – Jean-Marc Monteil  حيث طلب من تلاميذ السنة الخامسة إبتدائي  ( بين 12و13 سنة) إعادة إنتاج صورة معقدة نسبيا عبر التذكر موضحا للبعض أن الأمر متعلق بتمرين في الرسم وللبعض الآخر أنه متعلق بتمرين في الهندسة ، وفي نهاية التجربة توصل " مونتاي" إلى الاستنتاج التالي : مع تعليمة الرسم أنتج كل التلاميذ ( متفوقون كانوا أو ضعافا ) أعمالا متقاربة أما مع تعليمة الهندسة فقد كانت نتائج المتفوقين منهم أفضل بكثير .

- العامل الرابع الذي يشير إليه " تريكو" يجد هويته في المتعلم ذاته إذ أن نتائجه المدرسية تتوقف على درجة إيمانه بإمكانياته الذاتية وبقدراته الشخصية ومدى ثقته في نفسه (L’image de soi ) ، فالذكاء بهذا المعنى لا يقوم على قدرات عرفانية مجردة فحسب بل هو قائم كذلك على الإيمان بها والاعتقاد في وجاهتها .

والحقيقة أن تجاربنا كمربين تحملنا للاعتقاد بالدور الكبير الذي تلعبه العوامل غير الوراثية في " صناعة " الذكاء أو على الأقل في تنميته وعلى الدور الكبير المنوط بعهدة المدرس 

المطالب اليوم و أكثر مما مضى بتطوير تمشياته وتنويع طرائقه في التدريس حتى تستجيب للحاجيات الذهنية للمتعلم وتتناسب مع مرحلة نموه عرفانيا و وجدانيا خاصة مع وجود ما يثبت أن غالبية صعوبات التعلم الحسية – الجسدية والمعرفية – العرفانية وحتى النفسية – الوجدانية يمكن تجاوزها عن طريق التربية والتعليم وإعادة التأهيل والتكوين ...

وفي اعتقادنا لا يمكن أن يكون للتعلم أي معنى إلا متى انطلق من حاجيات المتعلم ومن  واقعه ، بمعنى أننا ملزمون كرجالات تربية وتعليم باعتماد وضعيات متنوعة وثرية وذات دلالة اجتماعية وثقافية ووجدانية بالنسبة إلى التلميذ وتتماشى مع قدراته الحسية وإمكانياته العمرية ، ولعل الغاية التي نرجوها من ذلك هي أساسا دفعه لتحسين نتائجه المدرسية، ولكن هل يمكن أن يتحقق تحسين النتائج هذا دون جهد فكري وذهني يبذله المتعلم ؟ طبعا لا ، والغريب أن هذا الجهد لن يؤدي إلى تحسين النتائج فحسب بل يساهم في تنمية ذكاء التلميذ وتطوير قدراته وملكاته العرفانية وفي ذلك إقرار ضمني بصدقية بعض النتائج التي توصل إليها بعض الباحثين مثل أ. تريكو " الذي لم ير اختلافا يذكر بين مصطلحي " الذكاء "        و" المعارف " وصرح "بأن لهما مدلولا واحدا ،  بمعنى أنهما يعنيان شيئا واحدا وهذا الشيء الافتراضي هو نتيجة للتعلم الذي أنجزه الفرد طيلة حياته.."[13] وهو ربما نفس المعنى الذي قصده " فيقوتسكي " – Vygotski عندما صرح بأنه " لا يمكن حدوث أي تطور ذهني أو معرفي  دون  تعلم . "

إن مختلف هذه النتائج التي توصل إليه علم النفس وعلم النفس التربوي الحديث ومختلف التجارب التي خضناها كمربين على امتداد سنوات لا تحملنا إلى مراجعة التعاريف الكلاسيكية للذكاء فحسب بل تجعلنا نميل إلى الإقرار بوجود أكثر من ذكاء كما ذهب إلى ذلك " هـ. جردنر " – Howard Gardner وغيره ، يقول الدكتور سمير رضوان في هذا السياق :   " .. وقد حدا الاختلاف بين المختصين في مفهوم الذكاء بالبعض إلى اقتراح ما أطلقوا عليه اسم " الذكاء المتعدد " للتوفيق بين تلك المتناقضات ، واعتبروا أن للذكاء المتعدد عناصر سبعة هي الذكاء اللغوي والحسابي والمنطقي والفراغي والموسيقي والجسماني والشخصي وأن كلا من هذه العناصر ينمو في الإنسان ويتطور مستقلا عن العناصر الأخرى.." [14]

أما " روبرت ستيرنبرج " – Robert Sternberg   فيقترح  بدلا من ذلك ثلاثة أنواع منفصلة من الذكاء : ذكاء تحليلي وآخر خلاّ ق وثالث عملي [15] ..

من جهة أخرى فإن أغلب معاجم علم النفس الحديثة لم تعد تقتصر على تقديم تعريف واحد وشامل للذكاء بل تراها تعدد أنماطا مختلفة منه كالذكاء الاجتماعي والذكاء التجريدي والذكاء الحسي والذكاء العام والذكاء البيني [16] ...

وهذه الرؤية المعاصرة للذكاء تنحو به منحى عرفانيا صرفا وتفند القول بامتلاك الفرد لقدرات عامة وشاملة كما تقر في نفس الوقت  باستحالة عدم امتلاك هذا الأخير لقدرة من القدرات أو مهارة من  المهارات في مجال من المجالات .

إن الاعتراف بوجود أكثر من ذكاء لدى الإنسان الواحد يعني ضمنيا أنه بالإمكان أن يكون له سجل مدرسي سيء ومع ذلك يتمتع بقدرات عقلية متميزة في مجالات حياتية أخرى كالموسيقى والرياضة .. والعكس صحيح ، فأطفال الشوارع البرازيليون مثلا والذين يرسبون رسوبا فاحشا في الرياضيات في المدارس يبرعون مع ذلك في نوع الرياضيات التي يحتاجون إليها في حياتهم العادية ، ولست أظن أن هذا المثل ينطبق على أطفال البرازيل فحسب فكم من طفل أو شاب في بلداننا يشكو من ضعف في المواد العلمية والرياضية مع أنه يبرع في القيام بالعمليات الحسابية الذهنية المعقدة أثناء لعب الورق أو النرد ؟ ! وقس على ذلك عشرات بل مئات الأمثلة الأخرى.. هذا إذا التزمنا بالمجال نفسه أما إذا أردنا التوسع أكثر عبر مقارنة كفايات المتعلمين وقدراتهم عبر المواد والاختصاصات  المختلفة فإن عدد الأمثلة سيتضاعف بالتأكيد..

عموما هذه الحقيقة تجعلنا نطرح السؤال التالي: متى يكون الفرد ذكيا ومتى يكون غير ذلك ؟

أو بمعنى آخر أكثر ارتباطا بمجال التربية والتعليم : ما الذي يجعل المتعلم يحقق نتائج جيدة بل وباهرة أحيانا وأخرى سيئة بل رديئة أحيانا أخرى ؟ هل الأمر متعلق بشخصه ( قدراته البدنية والحسية والنفسية & والمعارف التي يمتلكها والمهارات التي يتقنها...) أم أنه يتعلق بأشياء أخرى كالسياق والمجال والوضعيات المطروحة عليه  والتي كنا قد أشرنا إليها آنفا  ولو باقتضاب ؟  وبالتالي هل هناك علاقة بين إنجاز هذه الوضعيات و المهمات والذكاء؟

قد تبدو الإجابة عن مثل هذه التساؤلات بديهية الآن بعد كل التحليل الذي قمنا به ، فالفرد يكون ذكيا متى أنجز ما هو مطلوب منه ويكون "غبيا" إذا جاز التعبير متى عجز عن ذلك ، وإنجاز المطلوب وتحقيق نتائج جيدة يرتبط أساسا بطرافة الوضعية المقترحة عليه ووجاهتها وقربها منه ( الدلالة الوجدانية ) وبوضوح التعليمة أو المهمة التي تحتويها ، كما يرتبط كذلك بقدراته الحسية والبدنية ( من غير المعقول اقتراح وضعية يعتمد حلها على حدة النظر على تلميذ يشكو ضعفا في الرؤية) [17] ...

إذن العلاقة واضحة بين المهمة والذكاء بل بين كيفية ونسق انجازها وكيفية ونسق نموه ، والمسالة في جوهرها لا تعدو أن تكون - على حد تعبير أ. تريكو- مجموعة تقاطعات      

Interactions) ) بين الوضعيات  ( Situations ) والمهمات ( Tâches ) والسياق ((contexte والمعارف التي يمتلكها التلميذ ( Connaissances ) وتأويله الشخصي لها( Interprétation )

مع العلم وأن هذه التقاطعات تتأثر كثيرا بطبيعة الوضعيات المقترحة ودلالاتها الوجدانية والاجتماعية والثقافية بالنسبة إليه كمتعلم ، كما تتأثر كما أشرنا إلى ذلك بمدى ثقة هذا الأخير بنفسه ودرجة إيمانه بإمكانياته الذاتية ...

 

 

 

¬¬¬¬¬

 

المجـال

الوضعية

 

المعــــارف

 

التـــأويــــلات

 

 

المهمة

 

 

 

¬¬¬¬¬

 

 

 


ختاما نقول أنه مهما اختلفت الاتجاهات حول الذكاء فإنه من الصعب جدا حصره في زاوية محددة والحكم عليه انطلاقا منها .. فالقول أن الذكاء عامل وراثي يعني أنه مرتبط بمصير أحد الجينات[18]  وتتحكم فيه بالتالي مواد كيميائية معينة توجد في أنوية الخلايا [19] ولا يرتبط بالتالي بأي من العوامل الخارجية الأخرى كالتربية والتعليم واللغة والثقافة ، أما القول بأنه عامل مكتسب يتأثر بالبيئة وما يحوم حولها فيعني أنه يفترض سياقا معينا أو بالأحرى مجموعة من السياقات التي تؤثر على نسق تطوره بحيث لا يكون لتلك الجينات والأحماض النووية أي تأثير عليه لا من قريب ولا من بعيد..

وفي اعتقادنا إن الميل لأحد الاتجاهين فيه إجحاف وبعد عن الصواب ، فمختلف التجارب والأبحاث العلمية التي أجريت وفي اختصاصات عدة ( علم النفس بمختلف فروعه ، علم الوراثة ...) تؤكد أن للذكاء خلفية وراثية تتصل بجملة الخلايا العصبية والكروموسومات وهذه الخلفية لا تعني بالمرة أن الذكاء حتمية وراثية  بنسبة مئة بالمائة ، بل يمكن القول أن هذه النسب تختلف من شخص إلى آخر وتتراوح بين 20 و30 % وهي لا تتعدى في كل الحالات الـ 40 % بحيث تبقى النسبة المتبقية للعوامل الخارجية ، بمعنى لتأثيرات التربية والتعليم ولعل ذلك ما يفسر حقا الاختلافات الواضحة بين الأطفال في العائلة الواحدة والمدرسة الواحدة والدولة الواحدة أيضا كما يفسر بقية الاختلافات الموجودة بينهم وبين أطفال آخرين في عائلة أخرى ومدرسة أخرى ودولة أخرى...

 

 

  قائمة المراجع :

 

1-   مبادئ علم النفس . الدكتور محمد بني يونس . دار الشروق للنشر والتوزيع  . الطبعة الأولى 2004 .

2-   الجينوم ( السيرة الذاتية للنوع البشري ) ت. مات ريدلي . ترجمة د. مصطفى إبراهيم فهمي – سلسلة عالم المعرفة . العدد 275. نوفمبر 2001 .

3-   هل نحن بلا نظير؟ ( علم يستكشف الذكاء الفريد للعقل البشري ) ت. جيمس تريفل . ترجمة ليلى الموسوي – سلسلة عالم المعرفة . العدد 323 . جانفي 2006 .

4-   وراثة السمات النفسية . الدكتور سمير رضوان . مجلة العربي . العدد 402 . ماي 1992 ص. 57 .

5-   Tricot A.( 2002) Le concept d’intelligence(s) est il pertinent pour                  l’école ?Résonances,mensuel de l’école . Valaisanne , 4, 6 –

6-   Goulds .S.J.(1981) . The mismeasure of man . Norton . New York

     

 



      الرائز هو الاختبار وأهم من وضع الروائز في مجالها العلمي هو العالم الفرنسي " ألفريد بينيه " عندما وضع " سلم الذكاء المتري " عام 1905 وتحددت بعد ذلك الروائز المعيارية المضبوطة والمقننة وهي تتجاوز اليوم العشرة ألاف ، تستخدم حسب المواضيع المخصصة لها .[1]

  حاول الإنسان منذ القديم استعمال اختبارات مشابهة لمعرفة قدرات المحاربين والرياضيين ولكن كانت تنقصها الدقة والتعميم والاستقرار.[2]

  " مبادئ علم النفس " – الدكتور محمد بني يونس – دار الشروق للنشر والتوزيع .[3]

  فيلسوف وباحث تربوي سويسري يعد رائد المدرسة البنائية في التعلم .[4]

  أي استغلالها لحل وضعيات جديدة ( انظر مفهوم انتقال أثر التعلم ) .[5]

  كثيرا ما تتميز هذه الاختبارات بالذاتية والانحياز لطبقة معينة ولقيم الثقافة الغربية عموما.[6]

  Goddard , H.H. (1920) . [7]

  يعتبر " جالتون " رائدا في دراسة التوائم بغرض عزل المواهب الفطرية عن تلك المكتسبة .  [8]

  Gould ,S. J. ( 1981 ) . The mismeasure of man . Norton , New York  .  [9]

 الجينوم ( السيرة الذاتية للنوع البشري ) تأليف " مات ريدلي " ترجمة د. مصطفى إبراهيم فهمي- عالم المعرفة .نوفمبر2001 ص.93 [10]

 هذه التعريفات الحديثة لم تستغن عن صفة  "القدرة " في تعريفها للذكاء ولكنها ميزت كما يبدو بين القدرة العامة والمكتسبة وبين المقدرة   الخاصة التي يمكن تنميتها وتطويرها عبر عملية التعلم .                 [11]

 Tricot André .( 2002 ) . Le concept d’intelligence (s) est – il pertinent pour l’école ? Résonances , mensuel de l’école Valaisanne , 4 ,6 – 7                                                                                                                               [12]

«  Il me semble donc que l’intelligence et les connaissances désignent une seule et même chose. Cette « chose » hypothétique est le résultat des apprentissages que réalise un individu au cours de sa vie » .                            [13]

 " وراثة السمات النفسية " د. سمير رضوان –  مجلة العربي  -   العدد :  402  / ماي 1992 . ص. 59 .[14]

 الجينوم ( السيرة الذاتية للنوع البشري ) تأليف " مات ريدلي " ترجمة د. مصطفى إبراهيم فهمي- عالم المعرفة .نوفمبر2001 ص.97[15]

 يشير إلى مستوى النمو العقلي عند أشخاص يتعذر إدراجهم تحت فئة الأسوياء أو ضعاف العقول .[16]

 من الانتقادات التي وجهت لأتباع الحتمية الوراثية للذكاء تجاهلهم الواضح للتأثيرات الييئية على القدرات العقلية حتى أنهم كانوا يختبرون من لا يتكلمون الانجليزية باختبارات انجليزية ويختبرون أفرادا أميين باختبارات تتطلب منهم معالجة استخدام القلم لأول مرة . [17]

 في سنة 1997 أعلن العالم " روبرت بلومين " أنه اكتشف جينا للذكاء وأنه موجود على الكروموسوم السادس .[18]

 إن جميع العوامل الوراثية في مختلف أحياء الأرض بلا استثناء تتكون كيميائيا مما يعرف بالأحماض النووية . وإن التركيب الكيميائي الخاص بكل عامل وراثي هو في الواقع الذي يحدد هوية الصفة كما يتحكم في نوعيتها من خلال الأنزيمات.[19]